شغف الرحلة
شغف المغاربة بحكم موقع بلدهم الجغرافي، بالسفر وارتياد الآفاق في أصقاع المعمورة، وتركوا متوناً رحلية كثيرة ونوعية، دونوا فيها مشاهداتهم وانطباعاتهم للبلاد التي زاروها، منذ القديم وإلى اليوم. وتحت تأثير هذا الموقع وجاذبيته، كان المغرب عرضة لأطماع الدول الأوروبية وقبلة لا تغرب لمستكشفيهم ورحالتهم من جواسيس وأطباء وعسكريين وسفراء وفنانين وشذاذ آفاق وغيرهم. وقد ترك لنا التاريخ، من الطرفين، متوناً متنوعة وذات اعتبار. وقد انتعشت في الآونة الأخيرة، حلقات البحث النقدي والجامعي المغربي لدراسة المتون الرحلية وتحقيقها، وعقد المؤتمرات العلمية حولها، يقوده جيل جديد من الباحثين المتمرسين في أدوات العلم والمعرفة؛ لأن هذه المتون القديمة والحديثة تزخر، باختلاف مقاصد الرحلة وخطابها السردي ولغات تمثيلها للعالم، بفوائد ومعلومات تاريخية وجغرافية وأنثروبولوجية وفقهية وأدبية لا غنى عنها للباحث في دراسة التاريخ الثقافي والدبلوماسي للشعوب، وتتبع تطور الأفكار والعقليات بالنسبة إلى العلاقة بين الذات والآخر.
وفي هذا السياق، لا يخفى العمل الدؤوب الذي أخذت تضطلع به الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة، منذ تأسيسها في عام 2020؛ بحيث ركزت اهتمامها على هذا النوع الأدبي والخطاب الثقافي تحقيقاً وترجمة ودراسةً ونشراً، الذي كان إلى وقت قريب منسياً في ثقافتنا العربية. ومن خلال هذا الاهتمام الذي يتوزع بين التأليف والنقل والحلقات الدراسية، التي غطتْ أبرز القضايا النظرية والمعرفية والمنهجية لنص الرحلة، قديمها وحديثها، تسعى الجمعية لرد الاعتبار للمكان أعلاما ومآثر ومواقع حضارية في سياق تنمية المجال الجغرافي والبشري. وفي تصريح لجريدة «القدس العربي» يرى بوشعيب الساوري الكاتب المتخصص في أدب الرحلة وأحد أنشط أعضاء الجمعية، أن الجمعية «تهدف إلى التعريف بالنص الرحلي وإعادة الاعتبار له في المدونة الأدبية وفي العلوم الإنسانية، والحث على خلق وحدات في الدراسات الجامعية في سلك الإجازة والماجستير، وتشجيع البحث العلمي في الرحلة في جميع الشعب. كما تهدف إلى تحقيق النص الرحلي ونشره وترجمته، عدا توثيقه وأرشفته من أجل المحافظة على التراث الوطني، في إطار التنمية البشرية والثقافية والإعلاء من الهوية المغربية». ولذلك، عملت الجمعية على تنظيم محاضرات ومناظرات وندوات ولقاءات، قصد تطعيم التفكير حول مختلف قضايا النص الرحلي، من خلال إشراك الأوساط الثقافية والعلمية المهتمة، وربط شراكات مع جمعيات ثقافية ومؤسسات علمية وطنية ودولية للتنسيق والقيام بمبادرات وأعمال مشتركة.
وقد أصدرت ضمن منشوراتها الجديدة مجموعةً من الرحلات المحلية والأجنبية، التي دُونت في فترات متفرقة من التاريخ القروسطي والحديث؛ مثل: «الرحلة الأندلسية الفيشية» لمحمد الحجوي من تحقيق المبارك الغروسي، أو الرحلات المعاصرة لأدباء مغاربة، مثل: «مغربي في ألاسكا» لإدريس عفارة، و«رحلة خاطفة إلى سويسرا» لأحمد الدحرشي، و»مثل لقلاق.. سائح في مدن أوروبية» لعبد المالك المومني، و«تنانير قصيرة في شارع طويل: رحلة إلى بلاد البوذيين والهندوس» للحبيب الدائم ربي، و«أيام ببروكسيل» لأبي شعيب عطران.
المغرب بعيون أوروبية
ضمن سلسلة ترجمات من منشورات الجمعية، صدر كتاب «عملاء ورحالة فرنسيون في المغرب من 1530 إلى 1660م» للضابط الفرنسي هنري دو كاستر، من ترجمة محمد العافية العروسي (2023). والكتاب يُعد مرجعا أساسيا للعلاقات الدبلوماسية المغربية الفرنسية، لاسيما ما يتعلق بتعيين السفراء والقناصل وإقامتهم في المغرب الأقصى، والدور الذي قاموا به في توطيد العلاقات وتوقيع الاتفاقيات. فهو، من هذه الناحية، من أبرز المصادر الأجنبية لتاريخ المغرب خلال النصف الأول من العصر الحديث الذي كان يشهد تحولات مضطربة ومتسارعة تمتد من أواخر العصر المريني ـ الوطاسي إلى نهاية الدولة السعدية. ورغم الضعف الذي أخذ يدب في أوصال الدولة واحتلال بعض ثغورها منذ 1415، إلا أن معركة وادي المخازن التي وقعت عام 1578، ساهمت في تعزيز مكانة المغرب في مجال العلاقات الدولية وإعادة التوازن بين ضفتي المتوسط. وقد تضمنت المصادر الواردة في الكتاب معلومات وإشارات غنية ومتعددة تتصل بالوضع الداخلي للبلد وعلاقاته الخارجية، بالنظر إلى اختلاف وجهات نظر و«روايات» الشخصيات، أو الوفود التي زارته واستقرت به لفترة من الزمن، والنوايا الحقيقية التي كانت تحركها وتسعى لتحقيقها، ثم بالنظر إلى السياق الدولي الذي كان يخص ـ كما جاء في تقديم الكتاب – «المرحلة التي تلت سقوط غرناطة وانتعاش ما يُعرف بالاكتشافات الجغرافية وما رافقها من نهب وسلب لخيرات العوالم الجديدة، وبداية الهيمنة الأوروبية على البحر وعلى التجارة الدولية».
لا يخفى العمل الدؤوب الذي أخذت تضطلع به الجمعية المغربية للباحثين في الرحلة، منذ تأسيسها في عام 2020؛ بحيث ركزت اهتمامها على هذا النوع الأدبي والخطاب الثقافي تحقيقاً وترجمة ودراسةً ونشراً، الذي كان إلى وقت قريب منسياً في ثقافتنا العربية. ومن خلال هذا الاهتمام الذي يتوزع بين التأليف والنقل والحلقات الدراسية، التي غطتْ أبرز القضايا النظرية والمعرفية والمنهجية لنص الرحلة، قديمها وحديثها، تسعى الجمعية لرد الاعتبار للمكان أعلاما ومآثر ومواقع حضارية في سياق تنمية المجال الجغرافي والبشري.
وصدر للكاتب بوشعيب الساوري كتاب تحت عنوان: «المغرب الآسر بعيون أسرى ومغامرين أوروبيين» (2022) ومن خلاله يقدم حكايات مختصرة مُستخلصة من رحلات أسرى ومغامرين أوروبيين قضوا فترة لا بأس بها من الزمن في المغرب، الذي حلوا به في أزمنة وظروف وسياقات مختلفة، وكانوا موجهين بأهداف متباينة (ذاتية، سياسية، استخباراتية) خلال القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. وما يجمع بين هذه المحكيات أن بعض أصحابها وقعوا في حبال الأسْر داخل المغرب، وتمكنوا من الانفلات منْه بصعوبة في الغالب بحيَل ماهرة (مويط، لامبريير) أو تم افتداؤهم (ماريا تير ميتلن) والبعض الآخر أسَرَهم الاهتمام بالمغرب، ورغبوا في اختراقه ومعرفته واستكشافه (كاميل دولز، مولييراس). يميز الباحث بين معنيين للأَسْر: معنى حقيقي؛ أي حرمان شخص من الحرية لفترة قد تطول أو تقصر. ومعنى مجازي؛ يعني التأثير الذي يخضع له شخص ما من مكان أو من شخص آخر يأسر انتباهه ونظره وقلبه ويولد في صاحبه الشغف. وتبَعاً لهذا الفصل بين المعنيين توزعت مباحث الكتاب إلى قسمين: الأول سماه أَسْر الإكراه؛ لأن دخول أصحابه إلى المغرب كان غير متوقع ولم يتم التخطيط له من قبْل، وجاء أسرهم بمحض الصدفة، وساد هذا النوع من الكتب التي اتخذت في مجملها شكل رحلات خلال القرن الثامن عشر. وقصد بالثاني أَسْر الرغبة؛ إذ كانت لدى أصحابه الرحالين المغامرين رغبة مُلحة لدخول المغرب، وكانت في الغالب تحت دوافع استكشافية مُمهدة للاستعمار، وبالتالي كان أسْرهم متوقعاً. ورغم اختلاف الدوافع من رحلة إلى أخرى، إلا أنها تلقي الضوء على تجربة الأسر وما يكتنفها من سياقات وحيثيات نفسية واجتماعية وحضارية مركبة:
ـ تواطؤ الطبيعة والإنسان على وقوعهم في الأسر؛ يتعلق الأمر بمحكيات تستند إلى أفعال تلعب فيها الصدفة والظروف دوراً كبيراً، لا تترك للشخصيات خياراً آخر سوى الصراع المستمر من أجل البقاء.
– أغلب السكان المحليين، الذين وجدوا أنفسهم بينهم، معادون ومهددون و«متوحشون» وبعيدون عن الحضارة؛ انسجاماً مع الخطاب الاستعماري الذي يقوم في جوهره على إعادة إنتاج مستمرة لهذه الصور بأشكال مختلفة، من خلال ترشيح متكرر للموضوع، كمبرر للتدخل الأوروبي وكتكرار جديد للفرق الأساسي بين المستعمِر والمستعمَر؛
– تضمين سلسلة من مواقف الإذلال والحلقات المخيفة التي تعرض لها الأسرى، بما في ذلك إكراههم على اعتناق الإسلام، مع إظهار أنه لا حول لهم ولا قوة؛
– يُقدم الأسرى نموذجاً غير عادي للمثل البطولية، بما في ذلك شجاعتهم وقُدْرتهم على تحمل كل ما تعرضوا له، وإيمانهم بقضيتهم؛ وهو ما يتيح لمثل هذه المحكيات أن تعيد إنتاج «أيديولوجية توسعية» تركز على «الأسير الغربي المستقل والمعتمد على الذات» الذي يقاوم الثقافات الأجنبية الاستبدادية، ويتفوق عليها، ويهرب من الثقافات الأجنبية الاستبدادية، وبالتالي يُعزز فكرة الذات الحديثة القائمة على «الحريات».
– يستجلي القيمة الإثنوغرافية لما تضمنتْه الرحلات من رؤية لحياة الأسرى ودينهم وثقافتهم وعاداتهم، قبل أن يتمكنوا من الخلاص من الأسر والعودة إلى أوطانهم.
مقاربات نقدية
وفي مجال النقد الأدبي صدر كتاب جماعي تحت عنوان: «النص والمعنى.. قراءات في النص الرحلي» (2022) وهو يحتوي على جملة من مقاربات الباحثات والباحثين من المغرب والعراق والجزائر وسلطنة عمان (خالد لزعر، الحبيب الدائم ربي، مليكة الزاهدي، محمد إقبال السويدي، سعيدة تاقي، فاطمة كدو، سعاد مسكين، فاطمة الزهراء عجول، ماجدة هاتو، يونس لشهب، فاضل التميمي، سعيد عاهد، محمد الوردي، هشام عابد، عزيزة الطائي، آمنة بلعلى، مصطفى الورياغلي العبدلاوي) التي أسهموا بها ضمن سلسلة الندوات المنظمة من طرف الجمعية على مدار موسمها الثقافي الثاني (2021-2022). وقد تميزت هذه القراءات بالجدة والغنى، إذ قاربت النصوص الرحلية من منظور التاريخ والدراسات الأدبية، وانفتحت على مراجع بلاغية ونسوية وثقافية وما بعد كولونيالية، تبعاً لما تمليه الطبيعة المفتوحة للنص الرحلي وأحواضه المتعددة الهويات والإحالات السياقية (مغربية وعربية وغربية) التي تمتد من النصف الأول من القرن التاسع عشر، الذي شهد تنامي سرديات الاستكشاف بدوافع استعمارية في الغالب، مروراً بالقرن العشرين، الذي تميز باقتراب النصوص الرحلية من السيرة الذاتية، وصولاً إلى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، الذي عرف ازدياد مؤلفي النصوص الرحلية، وتنوع مشاربهم وانتماءاتهم (مهاجرون، كُتاب، شعراء، صحافيون..) مثلما انفتحت هذه النصوص على أجناس السيرة واليوميات والرواية؛ وتأثرت موضوعاتها وطرق عرضها بدوافع وسياقات تأليفية تاريخية وسياسية وثقافية مختلفة، فيما هي تشد رحالها إلى قارات العالم.
ومن جملة هذه الرحلات التي تمتْ قراءتها، نذكر: «رحلة أوجين دولاكروا إلى المغرب» لأوجين دولاكروا، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، و«رحلة الملك البرتغالي الدون فرناندو إلى المغرب، يليها وصف رحلتين سفاريتين برتغاليتين إلى مكناس» لجوزي دانييل كوالصو، ترجمة عثمان المنصوري، و«أمريكي بين الريفيين، رحلة مراسل «شيكاغو تريبيون» في شمال المغرب (1925) لفنسنت شيين، ترجمة محمد الداودي، و«الرحلة، أيام طالبة مصرية في أمريكا» لرضوى عاشور، و«أمريكا الوجه الآخر» لليلى أبو زيد، و«كتاب التيه» لحسونة المصباحي، و«أوراق مغربية، يوميات صحافي في الأمكنة القديمة» لنواف القديمي، و«القاهرة من أبواب متفرقة» لعبد اللطيف الوراري، و«الرحالون المغاربة إلى أوروبا: تاريخ الأفكار والعقليات» لمحمد سعد الزموري، و«طريق الآلهة: من منائر بابل إلى هيروشيما» لباسم فرات، و«ذهبنا إلى الصين، وعدنا… من المستقبل» لعبد الحميد جماهري، و«غربة بطعم كارتالا: رحلة من الأحساء إلى جزر القمر» لعبد الله الخضير، و«رحلة خاطفة إلى سويسرا» لأحمد الدحرشي، و«رحلة إلى الجبل المقدس» لخالد العنقودي، و«رأيت في الهند: يوميات كاتب في بلاد العجائب» لرابح خدوسي، و«عابر إلى الضباب» لعبد الصمد الشنتوف.
كما صدر عن منشورات الجمعية نفسها، كتاب «تحولات النص الرحلي العربي» لنور الدين بلكودري (2023) الذي يتتبع فيه تطور النص الرحلي عبر القرن العشرين، كما تدل عليه مجموع الكتابات التي كانت تشهد تحول المرجع الواقعي إلى ممكن تخييلي ومحتمل، وذلك في ارتباط بالشروط الثقافية التي أسهمت في تغيير شكل الرحلة ومضمونها ورؤيتها للذات والعالم، بما في ذلك تمثلات الأنا والآخر. وقد انطلق الباحث من ثلاثة أسئلة وجهت إشكالية كتابه: ما هي التحولات البنائية والثيماتية التي عرفتها الرحلة العربية عبر تاريخها الطويل؟ ما مظاهر التفاعل المتحققة بين الرحلة والأشكال السردية الأخرى؟ كيف تمظهرت الإبدالات التخييلية في الرحلة العربية المعاصرة عندما كتبها الروائي؟
وبخلاف الرحلة التقليدية التي تمنح الأولوية لعنصر الوصف، وتركز على توثيق المشاهد والمرئيات عن طريق الأسلوب التقريري بشكل خاص، عملت الرحلة الجديدة على ارتياد عوالم التخييل وصهر حكاياتها ووقائعها ومشاهداتها في قالب فني ذي نفس روائي. وقد أثر هذا النزوع التخييلي للنصوص الرحلية المعاصرة، ولاسيما ما كتبه شعراء وروائيون بمقاصد وتطلعات جديدة، في حضور الرحالة وسطوتها، وتحرير اللغة، وخرق حدود النوع الأدبي وتفكيك بنياته، وتحويل مفهوم السفر، والانفتاح على القارئ بما هو سلطة ممكنة لتأويل النص.
كاتب مغربي