رحلة محمود الجندي… فواصل في حياة فنان موهوب

لم يتوقف طموح محمود حسين الجندي، الفتى الريفي البسيط عند حصوله على دبلوم الثانوي الصناعي في قسم النسيج، لكنه تجاوز المرحلة التعليمية الصعبة في حياته، وخرج من عنق الزجاجة، لينفتح على عالم الإبداع والفن عبر البوابة الرسمية، فدخول المعهد العالي للسينما كان حُلماً بعيداً فصار حقيقة راهنة، وباتت المسافة بينه وبين الهدف قريبة، فعمد إلى السير في اتجاه الموهبة التي بدأت بهواية الغناء والموسيقى، كجواز مرور يسهل عليه مهمة البحث عن الفرصة المنتظرة.
يتخرج محمود الجندي في معهد السينما عام 1967 ويتأخر ظهوره الفني إلى ما بعد حرب 73، وتتحدد بدايته مع بداية مرحلة جديدة عنوانها الانتصار، ويظل يفتش عن المزيد من الفرص الفنية، فيعمل بدون تمييز أو دقة في الاختيارات، إلى أن يحين الوقت فيصبح على موعد مع المستقبل، إذ يقف مع فؤاد المهندس وشويكار وأمينة رزق على خشبة المسرح، ليقدم دوراً مهماً في مسرحية «إنها حقاً عائلة محترمة»، ويثبت جدارته كممثل يمكن الاعتماد عليه والاطمئنان لموهبته الصاعدة، ومن المسرح إلى التلفزيون تتنوع التجارب بتنوع الأدوار، فيلعب الجندي دوراً رومانسياً في مسلسل «أبنائي الأعزاء شكراً» أمام آثار الحكيم، ويقدم الرسالة الضمنية للدور، بأحقية الشاب الميكانيكي المكافح في الارتباط بفتاة جامعية، بدون النظر للفوارق الطبقية والعلمية، ويستفيد من العمل مع الفنان عبد المنعم مدبولي، كما استفاد من تجربته المسرحية مع فؤاد المهندس.
وبعد وقت قصير تكون الانطلاقة الثانية مع عادل إمام في مسلسل «دموع في عيون وقحة» فتُسلط علية الأضواء، ويبرز أداؤه التلقائي في دور مصطفى، شقيق جمعة الشوان، الولد الشقي المغامر، وفي مسلسل «عائلة الدوغري» يلعب محمود الجندي دوراً مشابهاً من حيث خفة الظل والحركة، فيجسد شخصية حسن، لاعب الكرة الناشئ، وكان الوجه الجديد الواعد محظوظاً إلى حد كبير بالعمل مع كبار الفنانين والنجوم، شفيق نور الدين ويوسف شعبان وعبد الحفيظ التطاوي وآخرين، أثروا فيه ونقلوا إليه خبراتهم فأثقلوا موهبته وساهموا في رسوخه كممثل يتمتع بموهبة وإحساس فارقين.

مرّ محمود الجندي بظروف قاسية أفضت به إلى حالة من الاكتئاب، فاعتزل العمل فترة طويلة غاب خلالها عن الأضواء وتملكه الحزن، لكنه عاد ليمارس نشاطه بمرجعية فكرية وإبداعية مختلفة.

وعلى أثر النجاح الذي تحقق له في المسرح والتلفزيون، قدرت السينما موهبة محمود الجندي فأسندت إليه أدواراً كان لها اعتبار بالغ في مسيرته الفنية، وجعلت لأدائه خصوصية ما، ففي فيلم «التوت والنبوت» المأخوذ عن قصة الكاتب نجيب محفوظ يقدم شخصية العربجي فيرمز إلى زمن الفتوات وممارسات البلطجة وقانون البقاء للأقوى، الذي يفرض نفسه على حياة الحرافيش فيجعل الظلم سمة العصر وعنواناً لأولئك الحفاة العراة البؤساء.
وفي أفلام مثل «قلب الليل، وناجي العلي، وشمس الزناتي، واللعب مع الكبار، وعصافير النيل، وساعة ونص، وكبارية والفرح:، تتواصل الرسائل ويتأكد انتماء الفنان للطبقات البسيطة بهمومها ومشكلاتها وخلفياتها الاجتماعية، فهو لم يحد عن منهجية النقد، ولم يتخل عن نبرته الواضحة في توجيه اللوم لأصحاب القرار، بحيثيات، ودلائل مرتكناً إلى ثقافة واسعة وإيمان مُطلق بدور السينما المهم في التثقيف والتنوير والتوعية، وهو ما يدل على عمق الرؤية وإدراك الأبعاد المختلفة لدور الفن والإبداع، ووظيفة الفنان كمشارك في العملية النهضوية والأخذ بيد الجمهور لاستبيان المسار الصحيح .
وليس مصادفة أن يحصل الفنان الراحل على جائزة أحسن ممثل دور ثان عن دورة في فيلم «ناجي العلي»، وهو الدور الأكثر جرأة في ما يتعلق بحدة النقد المباشر للأنظمة العربية إزاء تواطؤها المزري، وإهمالها للقضية الفلسطينية على حساب أصحاب الحق الأصليين، وهي الصرخة التي أطلقها الجندي مدوية في شجاعة متناهية متهماً الحُكام العرب بأنهم أول من باع القضية.
وبدواعي التقلبات العنيفة في حياته على المستويين الشخصي والفني، مرّ محمود الجندي بظروف قاسية أفضت به إلى حالة من الاكتئاب، فاعتزل العمل فترة طويلة غاب خلالها عن الأضواء وتملكه الحزن، لكنه عاد ليمارس نشاطه بمرجعية فكرية وإبداعية مختلفة، أنبأت بقدرته على تجاوز المحنة وامتلاك شجاعة المراجعة والمحاسبة ومحاولة إصلاح ما أفسده الدهر.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية