ها قد وصل الحراك في الجزائر إلى الدرجة القصوى، نقطة اللارجوع، وهي من أخطر المراحل وأهمها لأنه لا حل بعدها، إما تعقل النظام أو ما تبقى منه، أو الدخول في مغامرة يتحمل النظام مسؤوليتها الكبرى. لا توجد اليوم، وفق المعطيات المتوفرة، قوة على إرجاع العشرين مليون شخص إلى بيوتهم وكأن شيئاً لم يكن إذا لم يروا تجسيداً لمطالبهم الجوهرية.
بعد ثمانية أسابيع من الحراك السلمي بدأ تخوف كبير ينتاب النظام، لأن ما كان مجرد حراك شعبي متدفق، ينتهي مفعوله في الأسبوع الأول، أصبح اليوم مداً جماهيرياً منظماً داخلياً. مطالبه تتصاعد، لكنها لا تتغير: ذهاب النظام أو رؤوسه المنعوتة بالأسماء، كلياً، وعلى رأسها الباءات (الأسماء التي تبدأ بحرف الباء) الثلاثة المشكلة لرأس الدولة: بنصالح (ابن صالح)، والحكومة بدوي، والمجلس الدستوري بلعيز.
طبعاً النظام لا يسمع، وسنده الأوحد هو الدستور. لكن المشكلة الكبرى المترتبة عن ذلك هي حالة الانغلاق والحائط: الجيش، الحامي لأمن الوطن والمفترض أن يظل بعيداً عن الإملاءات، وقطاع كبير من الشعب والحراك، مع الحل الدستوري لضمان شرعية ما سيأتي. المشكلة هنا أيضاً كبيرة، الدستور تمت خياطته وفق حاجات العصابة المرحلية، ويحمل تناقضات كثيرة في داخله، إذ كيف لجهاز مرفوض يتشكل من رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة أن يشرف على مرحلة انتقالية هي في الجوهر ضده؟ بل ومعادية له؟ هذا الجهاز، شئنا أن أبينا، هو في النهاية جزء من منطق العصابة وحاميها على مدار السنوات ومستفيد منها.
هذا وحده مشكل كبير أمام حراك غير مسبوق عربياً وعالمياً، بعدده وسلميته وتحضره، لا يريد أن سرق قتلت وسراق البارح خياراته؟ ما الحل إذن؟ لقد ارتسم طريقان طوال الأسابيع الثمانية الماضية، وهما: الطريق الأول هو اقتراح الحراك من خلال أصواته المسموعة وشعاراته، إلغاء كل ما له صلة بالنظام المتولد عن إرادة العصابة بما في ذلك الدستور، مع مخاطر الفراغ الذي يخلفه ذلك التي لا يمكن الاستهانة بها، في غياب هيئة تمثيلية متفق عليها سلفاً. على العكس من الحراك السوداني الذي يملك رأساً يحاور ويصر على الخيارات المدنية، على اختلاف التجربتين.
يبدو أن الثقة العمياء للنظام الريعي في قوته لم تجعله يتخيل الحلول، باء، أو جيم، للخروج سالماً من حراك مخيف بقوته وتنظيمه.
يبدو أن الثقة العمياء للنظام الريعي في قوته لم تجعله يتخيل الحلول، باء، أو جيم، للخروج سالماً من حراك مخيف بقوته وتنظيمه. وهذا ما يفسر تخبطه الكبير والمتوتر، إذ بدأ يميل نحو حلول خطيرة تعتمد على القوة. الحراك الذي حمى الأمن الجزائري وأعطاه صورة جميلة دولياً، ها هو يكشف عن وحشية النظام. العنف الذي بدأ يظهر منذ أسبوعين لا يبشر بخير. صحيح أن الحراك تتهدده قوى كثيرة، جزء منها من داخله وربما كان ذلك هو الأخطر، لأنه ككل الحركات الشعبية، تسير هذه القوى لحسابات تكتيكية مسافات قد تقصر أو تطول، ثم تبدأ في المناورات قبل أن تعلن عن نفسها جهاراً.
بدأنا نلمس بشكل واضح، ممارسات وزارة الداخلية التي ظلت طوال الأسابيع الماضية مراقبة للحراك متفادية الاصطدام معه، بل مندمجة فيه، وأعطت صورة رائعة عن رجل الأمن الذي كان يستقبل بالزغاريد والورود والقبل، هي قد بدأت منذ مجيء وزير الداخلية الجديد، القصير العمر دستورياً، تتنمر وتظهر «حنة يديها» أولاً بالتضييق على الطلبة وضربهم وإطلاق الغازات المسيلة للدموع عليهم بعد أن تم منعهم من التجمع في البريد المركزي. ويصر الوزير أن الجزائر خط أحمر، وهو من يدفع بالحراك إلى المزيد من التطرف بعد حصاره بوضع السيارات المضادة للشغب في عمق أمكنة المسيرات، واحتلال الساحات ليلة الخميس وغلق المنافذ والطرقات المؤدية إلى العاصمة، مانعاً بذلك الناس من التدفق إلى العاصمة. ينسى معاليه أن هذه السياسات ميتة ولن تؤدي إلى أي شيء سوى أنها ستأكل رأسه قبل الأوان، وقد تسقط الجزائر فيما لا يحمد عقباه. أحداث النفق الجامعي التي وقعت في نهاية حراك الجمعة الأخيرة مخيفة. أن ترمى قنابل مسيلة للدموع في تجمعات بشرية كثيفة هذا يعني أن هناك رغبة كبيرة في إحداث الفوضى. لو كانت وزارة الداخلية تملك ذرة ذكاء ما فعلت ذلك وما أغلقت المنافذ وما وضعت صهاريجها المائية الثقيلة في عمق الساحات العامة. لا جدوى من ذلك. من تابع حراك الجمعة الماضية يدرك أنه لا مفعول لهذه الحواجز، ومن تابع كثافة الحراك في المدن الجزائرية، ومنها العاصمة، يدرك أن الاستجابة كانت قوية وتجاوزت العشرين مليوناً في الشوارع. لهذا، إيجاد الحلول السلمية لا طريق غيره. وعلى بقايا النظام أن يكون أذكى بدل استعمال القوة.
لا يمكن أن يتم اختزال العصابة كلها في رجل بائس وغبي، لا تفكير له سوى الاغتناء، كان مجرد واجهة للعصابة الحقيقية المتخفية المفضوحة.
نعم للحل الدستوري ونعم للحل السياسي معاً. للعبقرية السياسية الوطنية الحق في التفكير في الموضوع. ما الذي يمنع اليوم مثلاً من التفكير في هيئة مكونة من شخصيات الحراك والمعارضة، وعقلاء البلاد، مهمتها التحضير لانتخابات رئاسية حقيقية؟ حلول ستكون بها نقائص كبيرة لأن الدستور تمت خياطته على مقاس العصابة وديمومتها، لكن يجب أن يكون هناك الحد الأدنى من الضمانات. حل آخر، يمكن للرئاسة أن تقدم استقالتها ويتم اختيار شخصية وفاقية من الحراك أو ممن يريدهم الحراك، ويتم التحضير للرئاسيات من خلاله؟ أي يمكننا الجمع بين الأمرين، الدستوري والسياسي، ولو شكلياً، لأن انتخاب رئيس جمهورية أكثر من ضرورة ويمكن اقتراح حلول أخرى مثل مجلس تأسيسي، لكن عواقبه وخيمة في ظل الفراغ الدستوري والقانوني، والصراعات الداخلية التي لم تكف بعد إلى السطح، ويحتاج إلى وقت كبير، المهم من وراء ذلك البدء في التفكير في الحلول بدل البقاء في حالة الجمود. لكن قبل ذلك، على النظام أن يثبت أنه قادر على الاستماع للحراك. العصابة كل الناس ينعتونها؟ أين هي؟ القضاء وحده يستطيع أن يعلن عنها وأن يخضعها للمساءلة القضائية. لا يمكن أن يتم اختزال العصابة كلها في رجل بائس وغبي، لا تفكير له سوى الاغتناء، كان مجرد واجهة للعصابة الحقيقية المتخفية المفضوحة. وضعها وراء القضبان واحد من مطالب الحراب، فقد كانت وراء الخراب الذي تسبب في الانهيار الاقتصادي والمالي للجزائر. يجب فتح الملفات القضائية الكبيرة التي أعلن عنها رئيس الأركان، بسرعة؟ للحراك قدر من الذكاء لكي لا يقتنع إلا بالأفعال بدل الخطابات. نشهد اليوم تفككاً كبيراً للنظام بعد أن وصل إلى سقف فساده. إنها ليلته الأخيرة. ليلة الليالي التي لا يمكنه أن يتقدم خطوة بعدها.