فايننشال تايمز: الحديث عن ربيع عربي ثان مجرد وهم

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:
ناقش المعلق في صحيفة “فايننشال تايمز” ديفيد غاردنر أن سقوط حكام أقوياء يعطى أملا زائفا بربيع عربي جديد، مؤكدا أن الثورات ضد عمر حسن البشير في السودان وعبد العزيز بوتفليقة في الجزائر تفتقد القوة الدائمة للإطاحة بالأنظمة المستبدة.
وقال إن سقوط الرئيسين السوداني والجزائري هذا الشهر بعد تظاهرات عنيدة ومتواصلة أحيت الأمل بربيع عربي ثان. وأدت لظهور عدد من التعليقات عن موجة جديدة من الاضطرابات التي أمسكت بخيال العالم عام 2011 التي خفتت نارها وانهارت سريعا. وأضاف أن لا شك في شجاعة من أطاحوا بهذين الرجلين اللذان حكما بلديهما 20 عاما و30 عاما. ولكن قوة السلطة الشعبية للمتظاهرين تزول سريعا مثل الورود التي تزهر بعد سقوط مطر خفيف في الصحراء.
فالسبب الأول الذي يدعوه للتشكك في قدرة الجماهير على تغيير الأنظمة هو أن قوات الأمن والجيش في كل من السودان والجزائر لا تزال تسيطر على الوضع. أما الأمر الثاني فيتعلق بالموقع الجغرافي للجزائز في الغرب والسودان في الشرق وهامشيتهما مما يقلل من إمكانية ظهور موجة ثانية للربيع العربي.
أما الأمر الثالث فهو مصير انتفاضات 2011 والتي تركت أثرا تأديبيا ومخيفا. فقد انزلق اليمن وليبيا وسوريا إلى حروب أهلية لا تزال مستمرة واستعادت الأنظمة الديكتاتورية سيطرتها في البحرين ومصر ولا تزال تونس تكافح للحفاظ على نوع من الديمقراطية. ويقول الكاتب إن انهيار مؤسسات الدولة الجوفاء عادة ما تكشف عن الولاءات الطائفية والقبلية أو تؤدي لظهور ميليشيات قبل أن تستبدل الديكتاتورية المركزية بفوضى يقودها ديكتاتوريون صغار وميليشيات عسكرية وجهاديين.
وتكشف الأحداث السودانية والجزائرية أن الثورات تظل ممكنة طالما لم تتحقق أحلام أبناء البلاد الشباب. فغالبية السكان العرب هم من الشباب المرتبطين بالثورة الرقمية لكنهم محرمون من حياة شريفة بسبب احتكار المستبدين للمصادر والسلطة. وتم تحويلهم إلى رعايا مذعنين بدلا من التعامل معهم كمواطنين. وفي حالة الجزائر سخرت النخبة منهم عندما حاولت ترشيح بوتفليقة المصاب بجلطة دماغية ولم يتحدث لشعبه منذ ستة أعوام لعهدة خامسة.
ومع أن حكم الرجال العاجزين ليس غريبا على العالم العربي لكن هنا حدود.
ويقول غاردنر أن ما يمكن أن تفعله هاتان الثورتان هو تذكير النخب العربية بأهمية الحفاظ على النظام. ولا توجد أي إشارة أنها هزت إيمان الغرب بأهمية الدولة الأمنية كضامنة للإستقرار في عصر بدأت فيه الأنظمة اللا ليبرالية وبدعم من روسيا تبني لها قواعد في أوروبا. ويواصل الكاتب أن الديمقراطية اللاليبرالية والقومية الشعبوية التي يمثلها دونالد ترامب تجعل من الولايات المتحدة شريكا طبيعيا للعسكريين الشعوبيين والديكتاتوريين العرب مثل عبد الفتاح السيسي.
وأصبح السيسي الذي وصل إلى السلطة عام 2014 بعد انقلاب شعبي عام 2013 ضد جماعة الإخوان المسلمين زائرا منتظما على واشنطن وموسكو. ويتمتع برعاية ترامب وإعجاب من الرجال الأقوياء مثله كفلاديمير بوتين.
وتعيش روسيا حالة عودة إلى الشرق الأوسط، فطيرانها لم ينقذ الرئيس السوري المحاصر بشار الاسد فقط ولكن بحريتها تتوقف في ميناء الإسكندرية، بعد أربعة عقود من طرد أنور السادات للروس من مصر.
ويقول غاردنر إن لعبة روسيا واضحة، فهي تريد العودة إلى طاولة القوة العالمية الجيوسياسية إلى جانب الولايات المتحدة. ولا مبرر للغرب التمسك بنظرته المريحة لدعم قوى الإستبداد الامني، وهو مفهوم فقد مصداقيته يرى أن العالم العربي سيكون آمنا في يد الرجال الأقوياء. ويعتقد الكاتب أن هذه مقارنة كسولة تقرن الإستبداد بالإستقرار وتتجاهل الكيفية التي يؤدي فيها الحكم الإستبدادي إلى تصنيع الراديكالية الإسلامية والجهاديين.
ففي يوم الثلاثاء مرر مجلس الشعب المصري الذي يوافق على كل شيء تمرير تعديلات دستورية تعطي السيسي الفرصة للبقاء في الحكم حتى عام 2030 وبسلطات موسعة. وظهرت الملصقات الداعية للموافقة على التعديلات في الإستفتاء قبل موافقة البرلمان عليها. ويرى الكاتب أن العملية لا علاقة لها بتقوية سلطة الجيش الذي تعززت قوته أكثر من كونها محاولة لتقوية استبداد الرئيس ضد أي تحد من زملائه في الجيش. وهذا لا يدعم الإستقرار.
وكان رد أوروبا على التعديلات بعدم الإهتمام والإبتسامات في واشنطن. ويعلق الكاتب على استقبال السيسي يوم الأحد الجنرال خليفة حفتر الذي خرب عملية للسلام عملت عليها الأمم المتحدة بدأت لأكثر من عام. وكان حفتر قبل ذلك ضيفا على الرياض وحصل على دعم السعودية الواقعة تحت سلطة الأمير المتهور محمد بن سلمان. وكذا الإمارات العربية المتحدة. ويحظى كذلك بدعم روسيا وفرنسا. ويقدم حفتر نفسه على أنه درع للجهادية رغم أنه متحالف مع السلفية المتطرفة. ومن الواضح أن أمير الحرب هذا يطمح لأن يكون معمر القذافي الجديدة، الطاغية الليبي السابق الذي أطيح به عام 2011. ولم يعد يمثل مستقبلا آمنا أكثر من كونه شبحا ميتا عاد للحياة. وفي النهاية يجب على أوروبا مقاومة إغراء الرجل القوي الذي يمتد في بعض الدوائر للإعتراف بالأسد وديكتاتوريته في سوريا لأنهم قادرون على جلب الإستقرار. ولا يتم حل الأمور بالحلول السريعة بل هناك حاجة للإستثمار وبناء المجتمعات وتحسين المؤسسات التعليمية وتشجيع القيادة السنية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية