الجزائر: استمرار الحراك والسلطة تلعب على الوقت لإخماد ثورته

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر-“القدس العربي”: خرج الجزائريون إلى الشارع لتاسع جمعة على التوالي منذ بداية الانتفاضة السلمية ضد النظام، والتي نجحت حتى الآن في إسقاط الولاية الخامسة، ودفع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الاستقالة، وبعده رئيس المجلس الدستوري طيب بلعيز، لكن ذلك لم يخمد نار الاحتجاجات التي ما زالت مشتعلة، في وقت تبدو فيه الطريقة التي تتعامل بها السلطة مع الحراك غير واضحة، وتذهب في اتجاه خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء.

أحداث كثيرة ومتسارعة تشهدها الجزائر كل أسبوع، وفي كل مرة يلوح فيها حل في الأفق تعود الأمور إلى نقطة الصفر، ويستمر الحراك، فبعد الإعلان عن استقالة الطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري، اعتقد الكثير من الجزائريين أن الحل لاح في الأفق، وأن استقالة رئيس الوزراء نور الدين بدوي ورئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح قضية أيام فقط، وأن مطلب رحيل الباءات الثلاث سيتحقق، خاصة بعد خطاب الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش الذي قال إن المؤسسة العسكرية تدرس كل الخيارات، وأن الحل لا يجب أن يتأخر كثيرا، غير أن عودة الركود وظهور مؤشرات أخرى أعاد بعث الشك حول مآلات الأزمة القائمة.

استقالة طيب بلعيز كانت قد فتحت أبواب الأمل في رؤية الأزمة تعرف الحل المنتظر منذ عدة أسابع، خاصة وأنها طالت أكثر من اللازم، وأن بلعيز هو أحد الباءات الثلاث التي طالب الحراك برحيلها، وهو أحد وجوه نظام بوتفليقة، فضلا عن أنه رئيس المجلس الدستوري، أي الرجل الثالث في الدولة، بمعنى أنه في حال تعذر على رئيس الدولة المؤقت مواصلة تسيير البلاد، فإن الرئاسة تؤول إليه، واستقالته اعتقد أنها بداية الحل، لأنه لا يمكن أن يستقيل رئيس الدولة المؤقت أولا، لأن الرئاسة ستعود إلى رئيس المجلس الدستوري، وهو ما فهم منه أن شخصية وطنية ستعين في المجلس الدستوري، وتتولى بعد ذلك رئاسة المجلس، واستلام رئاسة الدولة من بن صالح بعد استقالته، وبدأت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن بعض الأسماء يتقدمهم الرئيس الأسبق اليامين زروال ووزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي، لكن الذي حدث أن “الفرحة ما تمت” وأعلن بعد ساعات قليلة عن تعيين كمال فنيش على رأس المجلس الدستوري، وهو عضو في المجلس، وقد انتخب عن مجلس الدولة قبل سنوات، أي في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وبما أن فنيش لم يكن معروفا من قبل، فقد أثار تعيينه العديد من التساؤلات، خاصة وأن هناك من قال إن التعيين مؤقت، وأنه سيتم تعيين رئيس آخر في وقت لاحق، في حين أن هناك من يرى أن كمال فنيش قد يشرف على تسيير المرحلة الانتقالية، إذا استقال بن صالح، وبما أنه شخص غير معروف، وليست له سوابق في مجال التزوير أو التسيير مثل سابقه، فإنه قد يكون حلا يقبل به الحراك، لكن الأيام مرت، ولا شيء حدث، فلا رئيس جديد للمجلس الدستوري، ولا رئيس الوزراء استقال ولا بن صالح بدا عليه أي استعداد للمغادرة.

موقف الجيش

منذ بداية الحراك أصبح الجميع ينتظر تصريحات وخطابات الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش، فالمؤسسة العسكرية كانت دائما تزن وتؤثر في القرار السياسي بطريقة أو بأخرى، خاصة في أوقات الأزمات، وبالتالي وبحكم طبيعة النظام السياسي الجزائري، وبحكم صعوبة المرحلة التي تمر بها البلاد، والمهام التي يضطلع بها الجيش في حماية البلاد وأمنها واستقرارها، فإن الجيش وجد نفسه في قلب الأزمة القائمة، وأصبحت تصريحات وخطابات قايد صالح هي البوصلة التي يستدل بها لمعرفة اتجاه الريح، وآخر خطاب ألقاه الفريق قايد صالح فتح آفاقا كانت تبدو مغلقة، لكنه خلف الكثير من التساؤلات.

صحيح أن موقف قائد أركان الجيش مر بمراحل عديدة منذ بداية هذا الحراك، لكن يمكن القول إن الجيش حرص على أن يبقى دستوريا وشعبيا، وأن يوفق بين هاتين المعادلتين، ففي البداية ظل ملتزما بدعم القيادة السياسية، ثم عندما رأى قوة الحراك، وأدرك أن سلطة بوتفليقة في طريقها إلى نهايتها، اختار الوقوف في صف الشعب، ورفض أن يجر إلى مواجهة مع الشعب، مثلما كانت تريد “العصابة” الحاكمة، التي كانت تريد البقاء والمناورة إلى آخر رمق، وهو الأمر الذي فعلوه، عندما سحبوا ترشيح بوتفليقة إلى ولاية خامسة، ثم حاولوا البقاء في السلطة لسنة أو سنتين للإشراف على المرحلة الانتقالية، واختيار الخليفة، ثم بعد أن تواصل الضغط، سعوا إلى البقاء حتى آخر يوم في الولاية الرابعة لبوتفليقة، لكن ضغوط الشارع وإنذارات الجيش جعلتهم يتراجعون ويعلنون استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ولولا اقتران ضغوط الجيش مع ضغوط الحراك لما رحلت جماعة بوتفليقة، خاصة وأنها كانت، حسب الكثير من المؤشرات، مستعدة لحرق الأخضر واليابس من أجل الاستمرار، ولو اضطرهم الأمر المرور بالقوة.

وفي آخر خطاب ألقاه قائد الأركان عقب استقالة طيب بلعيز، تحدث عن ضرورة الإسراع في إيجاد حل للأزمة القائمة، مع التأكيد على أن كل الخيارات الممكنة قيد الدراسة، مع التأكيد على أنه وجه أوامره من أجل حماية المتظاهرين، وعدم التعرض لهم، وهو ما فهم على أنه تعليق على بعض مظاهر القمع التي شهدتها مظاهرات الجمعة الماضية، وهو ما أعاد الثقة التي اهتزت بعد تلك المظاهرات، وبعث الأمل من جديد في تحقق المطالب المرفوعة من طرف الحراك.

ولكن النقطة اللافتة في تصريحات الفريق قايد صالح هو اتهاماته لقائد جهاز المخابرات السابق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق، الذي قال عنه إنه يتآمر ويحاول الالتفاف على مطالب الشعب، مشددا على أنه سيضطر إلى اتخاذ إجراءات ضده، وهو ما أعطى الانطباع أن هناك ثورة مضادة، وأن أطرافا تسعى للالتفاف على مطالب الحراك، وهو ما زاد في إشاعة جو من الغموض حول من يفعل ماذا، وهل هناك أطراف تحاول عرقلة مساعي الجيش من أجل الخروج بالبلاد من الأزمة، وهي الأطراف نفسها التي تعمل على تثبيط عزائم الحراك الشعبي.

من جهته ينوي رئيس الدولة المؤقت إجراء مشاورات مع الأحزاب السياسية والمنظمات وحتى مع ممثلين من الحراك بداية من الأثنين المقبل، وهي مشاورات جاءت في توقيت غير مناسب، بل يمكن أن تكون مستفزة لشارع مستفز أصلا، كما أنها تأتي في وقت كان فيه الجميع ينتظر استقالة بن صالح، فإذا به يتصرف كرئيس فعلي ويفتح مشاورات مع الأحزاب والجمعيات، في حين أن معظم الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية سارعت لإعلان رفضها المشاركة في هذه المشاورات، وهو ما يعني فشلا مبرمجا لهذه الخطوة التي لا معنى لها سوى فرض منطق الأمر الواقع، والسعي إلى إخماد الثورة الشعبية من خلال اللعب على وتر استنزاف الحراك، خاصة وأن شهر رمضان على الأبواب، والتعب قد بدأ ينال من المتظاهرين الذين ينزلون إلى الشارع منذ تسع جمعات متتالية.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية