روايات الذّاكرة… رحلة الاغتراب بين الغياب والحضور

يستند الوعي العربي في لحظته القائمة حضورا مرجعيا للذات التاريخية على بنية المماثلة بين الماضي والحاضر، فالماضي له حضور قوي، لهذا نتمثل الثقل الوجودي للقدامة بعبق التّاريخ، بينما الأسس المنهجية لتقييم الرّاهن الوجودي تستند إلى الانفتاح، انفتاح الذّات والمكان الذي يؤسّس لوعيها بالأشياء والعالم، فمفهوم «عبق التّاريخ» يجعل الإحساس قريبا من «النصّ»، من المتن الذي يخفي التّجربة ويحافظ عليها كهامش من هوامش المقدّس الذي لا يُرى إلا من أفق العناية، بينما مفهوم «الانفتاح» ينتقل من النصّ إلى الخطاب، حيث الدلالة أكثر تركيبا وإفصاحا عن المضمرات.

روايات الذاكرة الوعي
وحلم البداية:

لقد جاءت روايات الذّاكرة، كما أسمّيها، «عصفور من الشرق»، «الحي اللاتيني»، «قنديل أم هاشم» و«موسم الهجرة إلى الشمال»، كنصوص تحاور الوعي في طروحاته الهامشية كون شخوصها الرّئيسة تأسّست كمقارباتٍ إنسانية بين ضفّتين للوعي، المنكسر والمنتصر، فالشّخوص امتثلت لما يمكن تسميته بالخلود إلى المظهر الفانتاستيكي للهويّة الغالبة (الغرب)، باعتبار لحظة انتصارها، لكن في هجعة تستند إلى حلم البدء وفضاءاته التأّسيسية للذّات، لهذا لم يكن الانفصال نهائيا مثبّتا في وعي القطيعة، فجميع تلك العناوين تضع القارئ أمام «اشتغال تراكمي للدّلالة، وهنا يكمن ـ بدون شك ـ الاختلاف بين العلامة اللسانية من جهة، وسيميولوجيا الحكاية من جهة ثانية، فسيميولوجيا الحكاية عليها أن تأخذ بعين الاعتبار المظهر الخطابي، الخطي التراكمي للنصّ وقراءته» كما يقول فليب هامون.
تعيد روايات الذّاكرة القارئ إلى شكل الكتابة التي «تعيد النّظر» بتعبير برنار فاليت، من حيث كونها تستفيد من الكتابة كهيمنة والخيال كسلطة، وليس معنى هذا أنّ روايات الذّاكرة تعيد تشكيل الواقع انطلاقا من أفقها الفنّي، ولكن من حيث التأثير الجمالي لاستعادات الذّاكرة للحظة التّاريخية الكامنة في حركة الفواعل السّردية من حيث لقاؤها بالضفّة المتستّرة في وعي الفردوس الموعود، هناك حيث الشّخصية تعيد مسلك الوعي النّاهض بالكينونة، وتتدثر أشكال الكينونة المفقودة لتتأسّس ككلمة ناقدة وعائدة إلى الوعي المبتور من سياقات التّاريخ، ولعل هذا ما ينقل الكتابة في وعي قطاع كبير من القراءة من جمالية التّخييل إلى جمالية الهيمنة لانزياح الفاعل السّردي لصالح الفاعل الرّوائي، فحركة السّرد تناور لتختفي تحت عباءة التّخييل، لكن التّجربة تنبثق لتعيد مسار الحكاية إلى فاعلها الواقعي تحت تأثير «سلطة الخيال» كما يسمّيها برنار فاليت.

«عصفور من الشرق»
المكان والرّمز:

عاش توفيق الحكيم تجربة الهجرة إلى ضفّة الآخر، سافر إلى فرنسا، غلبته فورة الكلمة فمنح المعنى متّسعا من السّرد كي يرسم حكاية «العصفور» في الشّارع الباريسي، فالرّواية «عصفور من الشرق» تأخذ منحاها الجمالي من حركة الفاعل الرّوائي داخل مستويات كتابة مثلما هي حركته داخل فضاءات الواقع، وتكمن أهمّية نصوص روايات الذّاكرة في هذا الجانب الذي يُمأْسس التّجربة الواقعية كحدث حكائي/جمالي، تنتشر في الأفق لتربّت على فراغ الوعي فتعيد امتلاءه من حيث تعيد إلى السّرد جماليته الفلسفية والثّقافية والواقعية.

تعيد روايات الذّاكرة القارئ إلى شكل الكتابة التي «تعيد النّظر» بتعبير برنار فاليت، من حيث كونها تستفيد من الكتابة كهيمنة والخيال كسلطة، وليس معنى هذا أنّ روايات الذّاكرة تعيد تشكيل الواقع انطلاقا من أفقها الفنّي.

يفتتح توفيق الحكيم رواية «عصفور من الشرق» بمشهد للشّخصية الرّئيسة وهي تتحرّك داخل الفضاء الباريسي متسلحة بوعي عارف، فهي تتجوّل في ميدان «الكوميدي فرانسيز» متأمّلة نافورة الماء غير آبهة بالمطر، وفي جانب آخر من الميدان تقف أمام تمثال الشّاعر «دي موسيه» «وهو يستوحي عروس الشّعر.. فوقف الفتى ينظر إليه ـ وقد نقش على قاعدته: «لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم» ومرّت في رأس الفتى صور من ماض بعيد.. ثمّ همس: «حتى هنا أيضا يعرفون هذا»، يتنبّه وعي القارئ إلى تسنيد المشهد السّردي بعلامات دالة: «الكوميدي فرنسيز، دي موسيه، العبارة المنقوشة، وماض بعيد». تحدّد هذه العلامات علاقة الشّخصية الرّوائية بالمكان وبرموزه الثّقافية، وهو ما يضع موضوع الوعي في المستوى المنتج للعلاقة المتوتّرة مع الذّات والآخر، وهي علاقة تتوسّد الرّمزي في ترميم علاقاتها بالوجود، باحثة في الوقت ذاته عن ذاتها التي تغيب وسط زحام الاغتراب الوجودي الدّاهم، فلحظة الوعي هي لحظة للعودة من غيابات الماء، الذي يفتح الوعي على النّظر عميقا في الأشياء، كما هي لحظة اللقاء مع تمثال «دي موسيه»، ولكنّها أيضا لحظة جارفة مغرقة كما هي طبيعة دفق المطر الذي يشكل الطوفان المدمّر، ومن رومانسية المطر وعمق الطوفان يعود الفاعل السّردي إلى رميم الوعي مستذكرا لحظة الألم العابرة للثّقافات والإثنيات من ذاكرة «ماض بعيد» والذي لا يكشف سوى عن الذّات/ الوطن، والإضافة الوصفية «بعيد»، ليست اعتباطية في مسار السّرد، إنّها تمثل الدلالة الحاسمة في انخراط الذّات في كينونتها ووعيها البدئيين المكرّسين في التّاريخ والذّاكرة.

موسم الهجرة.. موسم الانفصال:

«موسم الهجرة إلى الشمال» تتحدّد بالعنوانية الحاسمة في الجملة السّردية التي يتحدّد معناها من خلال ما تراكم في وعي القراءة من محدّدات موضوعية وجمالية لرواية الذّاكرة: التّجربة، «هيمنة الكتابة» و»سلطة الخيال»، فالجملة السّردية التالية: «وتحدّدت علاقتي بالنّهر إنّني طاف فوق الماء ولكنّني لست جزءًا منه فكّرت أنّني إذا متّ في تلك اللحظة فإنّني أكون قد متّ كما ولدت، بدون إرادتي. طول حياتي لم أختر ولم أقرّر. إنّني أقرّر الآن أنّني أختار الحياة». لحظة الوعي العائدة من غياب الحضور في الذّات، إنّها لحظةٌ للأنا القائمة على شأنها الوجودي التّاريخي الذي فجّر انطماسها الكينوناتي في بوتقة الفعل الإنساني. تحدّد الشّخصية وجودها في لحظة حدثية/سردية معيّنة بعلاقة مع النّهر، إنّه الماء الذي يشكل الحياة، ولكنّه انطلاقا من تاريخية معيّنة للذّات المهاجرة، يمثّل الفاصل بين المكان/الذّات والمكان/الاغتراب، ولحظة الوعي الوجودي بالذّات تنبثق عند الحد السّردي: «إنّني طاف فوق الماء ولكنّني لست جزءا منه»، انفصال واعي عن بوتقة الاغتراب الذي يشمل الذّات ليغرقها، ولهذا وظّف الناص «النّهر»/الماء، كموضوع من معانيه الأساسية الغرق، تماما كما وظّف توفيق الحكيم عنصر «المطر» في رواية «عصفور من الشرق»، لحظة الانفصال هي لحظة للحياة واكتشاف الذّات، «إنّني أقرّر الآن أنّني أختار الحياة»، تنتهي لعبة السّرد برسم أفق للذّات العائدة لتوها إلى شاطئ الوعي بالأنا/الوطن عن طريق التّجربة المريرة في فضاء الاغتراب والهروب من الذّات.

الانطلاق في رواية «قنديل أم هاشم» منذ البداية كان مركزيا حول بؤرة الذّاكرة بتجلياتها المكانية المنتشرة، لهذا كان رجوع الشّخصية الرّئيسة إلى الذّات شغوفا وقويا، لأنّ الذّاكرة منتشرة في الفضاء ومُبَأّرة سرديا.

«قنديل أم هاشم» استمرار الذاكرة:

بينما تنطلق رواية «عصفور من الشرق» من مكان الاتجاه، أي الغرب، وتنطلق رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» من لحظة العودة إلى المكان/الذّات، أي الجنوب، تنطلق رواية «قنديل أم هاشم» من المكان/الذّات، أي «الحارة» المصرية، تأكيدا على أنّ مكان البدء هو المرجع الأساس في تثبيت الهويّة مهما امتدّ زمن اغترابها، وجملة البداية: «كان جدّي الشيخ رجب عبد الله» تحيل إلى الافتتاحيات الحكائية التّراثية، التي تعنى بالتقيّد بالمكان والمحكي الرّاسخين في الذّاكرة، وفعل الماضي الذي يستخدمه الرّاوي، يقدّم الدلالة على استمرار فعل الذّاكرة في الحاضر، و»الجدّ»، يمثل الذّاكرة الواقعية التي تمتثل لأمرها الأجيال، لهذا تنطلق جملة البداية في الرّواية مستخدمة فعل الماضي «كان» لتبيّن تموقع الشّخصية بين مكانين يمتلكان صفة الماضي لكنّهما يختلفان في الطبيعة: «كان جدّي الشيخ رجب عبد الله إذا قدم القاهرة»، فكرة القدوم تتّكئ مخيالا على ما قبلها، وذكر مكان الوصول «القاهرة» يكشف مكان الما ـ قبل، وتؤكّده فكرة «الجدّ»، فمقابل القاهرة المدينية تتأسّس القرية الرّيفية، كجهة أصالية تمثل الذّاكرة (الجد) باعتبارها حاضنة التّراث، وهو ما يعني أنّ رواية «قنديل أم هاشم» تشتغل على الذّاكرة منذ البداية كفعل تأسيسي ومؤثِّث للعودة إلى الجذور بعد رحلة الاغتراب، لأنّ الإشارة سرديا إلى «مسجد السيّدة زينب» الذي يحتضــــن مَقْـــدم الجد في صباه مع أبيه، تكثّف الدلالة في رمــزية المعنى الكامن في القاهرة المدينة/الذّاكـــــرة، فالانطلاق في رواية «قنديل أم هاشم» منذ البداية كان مركزيا حول بؤرة الذّاكرة بتجلياتها المكانية المنتشرة، لهذا كان رجوع الشّخصية الرّئيسة إلى الذّات شغوفا وقويا، لأنّ الذّاكرة منتشرة في الفضاء ومُبَأّرة سرديا.

«الحي اللاتيني» الحلم بالانطلاق:

تقدّم رواية «الحي اللاتيني»، كرواية للذّاكرة، لحظة الانطلاق في حالة الحلم في جملة بداية التّمهيد، في حالة الحلم: «لا ما أنت بالحالم، وقد آن لك أن تصدّق عينيك»، الحلم بالانطلاق، يمركز فكرة التشبّث بالمكان الذّات، لكن الرّواية تبدأ بنفي الحالة الحالمة وتأكيد واقعية الانتقال، وهذا لا ينفي الإحساس بالتشبّث، لأنّه كان بإمكان السّرد أن يفتتح الرّواية بانطلاق الباخرة أو بوصولها، رغم أنّ الوعي التّخييلي كان سوف يتصوّر الما ـ قبل المتمثل في مكان الانطلاق، لكن إمعانا في ترميم فجوة الاغتراب المستقبلية في مسار السّرد، يعمد السّارد إلى توظيف الحلم كحالة ترتجع على الذّات في إظهار موطئ قدمها البدئي، الممثِّل لمرجعية معالم حركتها الوجودية، وما يؤكد هذا الاحتمال، هو القرينة السّردية التّالية لجملة البداية: «أوَمَا تشعر باهتزاز الباخرة، وهي تشقّ هذه الأمواج، مبتعدة بك عن الشّاطئ».
تعود هذه الرّواية إلى توظيف «الماء» كما في «عصفور من الشرق» و»موسم الهجرة إلى الشمال»، كحالة للغرق الطوفاني ورمز للفصل بين ضفّتين، أو بتعبير الرّواية بين «الحي اللاتيني» والحي العربي، وتقوم الدّلالة قويّة على اغتراب الذّات المستقبلي عند حقلي دلالة القلق الثّابت في مفردتي: «اهتزاز والأمواج»، ولكنّها تستدرك الجملة بعلامة تحيل إلى استشراف عودة الذّات إلى المنابع، فـ»الشّاطئ» في سياق الجملة السّردية يحيل إلى مكان الانطلاق، أي المكان/الذّات، ولكن في الوقت ذاته يُقرن «الشّاطئ» ذهنيا بالأمان والنّجاة، وهو ما يتأكّد في نهاية الرّواية: «وعادت إليه أمّه تنتزعه من أصحابه». هذه هي لحظة العودة، والأمّ تمثّل الوطن أو الحاضنة الوجدانية التي لا تنفك صورتها تذكّر الوطن والذّات، وجملة النّهاية: «بل الآن نبدأ يا أمّي..»، تكشف الاحتفاء الأمثل بالذّاكرة وبالأمان اللذان تمثل العودة إليهما، رجوع إلى «الشّاطئ» الذي جاءت الرّواية على ذكره في افتتاحها السّردي كعلامة موضوعية يحيل إليها ما سيؤول إليه السّارد في بدايته مع «الأم / الوطن / الذّات في نهاية الرّواية.

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية