“تأتون من بعيد” يوثق حياة عائلة فلسطينية شظتها حروب القرن الماضي

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: من شأن المشاهد لفيلم “تأتون من بعيد” أن يقف عند جملة محطات مفصلية مترابطة يتشكل منها السياق الوثائقي – الدرامي المترابط في حدود 84 دقيقة من الزمن. تراوحت تلك المحطات بين العاطفي الإنساني المؤثر، وبين التذكير بنضالات أفراد لم تقف دون مبادئهم أي عقبات، وبين الفعل الإجرامي المتمثل في احتلال فلسطين وتشريد أهلها وتشتيتهم بعيداً عن جذورهم، أضافة إلى ما حفلت به الحروب التي سادت القرن العشرين من مآس وجرائم.

“تأتون من بعيد” للمخرجة المصرية أمل رمسيس فاز مؤخراً بجائزتين في مهرجان الإسماعيلية السينمائي للأفلام الوثائقية. يشرح موجزه الموزع قبيل عرضه في أيام بيروت السينمائية التالي: “تخيل أن لديك إخوة لكنك لا تستطبع الحديث معهم لأنك لا تتكلم اللغة نفسها. تخيل أن يكون لك أهل، لكنك تربيت بدونهم. إنها قصة غير عادية لعائلة فلسطينية، تشتتت وافترقت عن بعضها بسبب الإضطرابات التي شهدها القرن العشرين، بداية من الحرب الأهلية الإسبانية التي شارك فيها الأب نجاتي صدقي مناضلاً ضد الفاشية. مروراً بالحرب العالمية الثانية، وبعدها النكبة الفلسطينية ثمّ الحرب الأهلية اللبنانية”.

موجز مشوق يُحفز رغبة الاستكشاف. يبدأ الشريط السينمائي من اسبانيا، ثم يتنقل بينها وبين اليونان، روسيا ولبنان مستعيداً محطات من القرن الماضي كان لها فعلها في حياة أسرة المناضل الشيوعي نجاتي صدقي. موسكو محطة مؤثرة في سياق الفيلم. فيها عاشت الابنة الأولى للعائلة دولت. سيدة عجوز تفيض حيوية ووعياً. قُطعت من جذور ولادتها سنة 1930 في القدس منذ سنوات عمرها الأولى. سُجنت مع والدها ووالدتها الأوكرانية في القدس بسبب انتمائهما للحزب الشيوعي. بواسطة الكومنترن نُقلت إلى موسكو، ونشأت في ملجأ.  بعد السجن سافر صدقي إلى باريس لإصدار جريدة سرية. ثلاث سنوات أمضتها الأم وهي تحضن طفلتها في موسكو. سنة 1936 التحق الثوار من مختلف أنحاء العالم بزملائهم في اسبانيا دفاعاً عن الثورة ضد الفاشية، بينهم متطوعون عرباً ومنهم نجاتي. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية تركت الأم ابنتها مجدداً في الملجأ دون أن تُخبرها. كانت في الثامنة مما سبب لها ألماً نفسياً حاداً، احتاجت وقتاً لتشفى منه. عادت الأم إلى فلسطين مع عودة زوجها من أوروبا.

حياة “دولت” التي تُعرف في الملجأ والمدرسة بإسم والدها السري “الرفيق سعدي” الصحافي والكاتب المعروف، عاكستها الثورات والحروب الكبرى والاحتلال الصهيوني. بقيت في موسكو مقطوعة من شجرة فتفجرت مواهبها في الفن والدراسة. درست الرقص، وعزف البيانو، ورسمت اللوحات وتخصصت بالهندسة المعمارية. وفي المقلب الثاني من الشرق كانت لها عائلة لا تعرفها، في يافا شقيقتها هند، وشقيقها سعيد. سنة 1946 عادت الروح لتدب في أوصالها حين بدأت تصلها رسائل وصور ووجدت انتماء عاطفياً وإنسانياً. بفعل النكبة لجأت العائلة إلى بيروت، وصارت دولت أكثر مما مضى واحدة من زيتون فلسطين المقطوعة بيد الصهاينة. وهكذا فشل سعي بدأ لجمع العائلة في فلسطين. تقطعت السبل من جديد، إلى أن كانت رسائل عبر الصليب الأحمر الدولي، الذي أحضر دولت إلى سفارة الاتحاد السوفييتي في بيروت في الستينيات. عن ذلك اللقاء والمشاهدة التي سبقت التماس الجسدي روت دولت بتفاصيل عاطفية اجتاحتها في تلك اللحظات. أثارها تقدم والدتها نحوها من خلف الزجاج بحذر. استوضحت السبب فكان ردها “كنت في محاولة تأكد إن كنت انت أم لا”. سعيد كان خجلاً، وهند مرتبكة، وانتظر الأب جمع الشمل في المنزل. في لبنان عاشت دولت بفرح مع عائلتها التي كانت تسكن رأس بيروت. تواصلها كان صعباً مع شقيقتها هند. سعيد كان يافعاً وسريعاً تعلّم الروسية من والدته وشقيقته وصار يناديها “العربية الحمراء”. لم يكن في حياة دولت استقرار، بين نشأتها في موسكو والحياة في بيروت مسافات. وصفت الحياة الاجتماعية العائلية بجملة قصيرة “امرأة تعمل طوال النهار وعائلة تحتسي القهوة”. قررت العودة، وتكررت زياراتها إلى بيروت حتى حلول الحرب الأهلية اللبنانية.

قبيل تلك الحرب كان سعيد قد سافر للعمل في البرازيل، وقررت الشركة التي تعمل فيها هند الانتقال إلى اليونان، وكان شرطها السفر برفقة والديها. فكان. سألت والدها: ماذا نحمل معنا؟ كل أثر مهم بالنسبة لنا. إنها حرب أهلية طويلة. في اليونان اكتأب الزوجان بعيداً عن أماكن حياتهما، مات صدقي سنة 1979. أما “لوتكا” الزوجة الأوكرانية الأصل فشبهت نفسها بالغجرية. ويوماً رأتها هند تحدق في صورة سألتها من هذا؟ أخي جاء الجواب. من قبل كانت “لوتكا” دون عائلة، وفي تلك اللحظة أخبرت ابنتها: أنا من جذور يهودية. تركت أهلي ولا أعرف عنهم شيئاً.

“تأتون من بعيد” جمع الإخوة في موسكو، مرضت دولت وصارت عجوزاً وكان مستحيلاً اختيار بيروت كرمز للقاء الأول. احتضن سعيد وهند شقيقتهما كل من جهة. تنزهوا. تحدثوا. سألوا. عبروا. شعور الهجرة والتهجير لا يفارق هند. تغار من أصدقائها اليونانيين الذين يقصدون “قراهم” في نهاية الأسبوع. لكن سعيد تآخى مع الغربة “صارت طبيعية. الانتماء هو للمكان الذي أعيش فيه”. “دوليا سعدي” كما تُعرف في موسكو انتماؤها روحي وبدون مشاهدة إلى حيث سقط رأسها في القدس. ذاكرتها تقول “وطني فلسطين”. سبق وقالت لحفيدتها وكررت مجدداً “رماد جسدي ينثر في فلسطين وفي القدس.. أحب أن تستقر روحي فيها”.

يشكل البنيان العاطفي في فيلم “تأتون من بعيد” أساساً. ويدين دون تصريح مباشر الجرائم الإنسانية التي نتجت عن حروب القرن الـ20. ويأتي في طليعتها احتلال فلسطين وتشريد شعبها. فيلم ينطلق من سيرة مناضل طردته أفكاره من الحزب الشيوعي في سنة 1939. وفيه توظيف جيد ومتماسك لمشاهد من الأرشيف منها الحرب الأهلية الإسبانية، احتلال فلسطين والحرب الأهلية اللبنانية.

قبل أيام حصد “تأتون من بعيد” جائزة اتحاد نقاد السينما الأفريقية وجائزة النقاد الفيبريسي في مهرجان الإسماعلية للأفلام الوثائقية. وسيعرض مجدداً في دار النمر للثقافة والفنون في بيروت في 29 الجاري بحضور المخرجة أمل رمسيس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية