كان الأكاديمي والكاتب التونسي الراحل حسين الواد من القلائل الذين داخلوا الأدب العربي القديم مداخلات ذكية مخصوصة. كان يعرف كيف يلتقط شوارد النقد والأدب التي يغفلها أكثرنا، أو يعدها من الحشو وفضول القول. وأذكر أنه قال لي مرة إن القارئ الذكي هو الذي يقرأ ما بين السطور، وأضاف بنبرة هي مزيج من جد وهزل: أي يقرأ البياض الذي يفصل السطور بعضها عن بعض. وأظنه ونحن نستحضر اليوم ذكرى رحيله الأولى، أنه كان يقصد الفراغ أو الصمت اللابدَ في الخطاب نفسه، فثمة دائما دلالة مقدرة مضمرة في حيز ما يسمى «القابل للوقوع»؛ أو ذلك الحيز الذي تتعطل اللغة، أو هي تقصر عن قول ما «لا ينقال». والبياض اسم آخر للصمت، وهو مثله لا ينهض على حامل لغوي محسوس، فهو خواء وفضاءٌ بَراحٌ؛ أو هو اسم بلا مسمى أشبه بإشارة خرساء إلى معدوم أو شيء غير معلوم، أو لنقل هو إضمار يمكن للقارئ الذكي أن يبني عليه ويفرع منه: كلما تأنى في سبر أبعاده حتى لا يظل مجرد حكم نقدي لا غير.
من ذلك هذه «اللقطة» الذكية التي عرف حسين الواد كيف يلتقطها من شاعر عباسي هو دعبل بن علي الخزاعي. ودعبل هذا ألف كتابا في الشعراء على ما رواه الآمدي في الموازنة، ولكنه لم يدخل فيه أبا تمام، متعللا بـ»نثرية» شعره: «ما جعله الله من الشعراء بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه منه بالشعر». وكان دعبل من الشعراء الذين ناصبوا أبا تمام العداء، وكان يتهمه بالسرقة. ويروى أنه سئل عن شعر أبي تمام، فقال: «ثلث شعره سرقة، وثلثه غث، وثلثه صالح». وذكر بعض القدامى أن دعبلا كان يختلق الأشعار وينسبها إلى أبي تمام، حتى انكشف أمره. ويروى عن علي بن الجهم صديق أبي تمام قوله: كان (دعبل) يكذب على أبي تمام ويضع عليه الأخبار». ولم يكن الوحيد الذي ناهض أبا تمام لشهرته واستئثاره بحفاوة الخلفاء وحب الناس، وإنما كان هناك آخرون، مثل عبد الصمد بن المعذل وابن مهرويه الخولاني وابن الخثعمي وأبو هفان المهزمي.
إذن لا يستغرب أن يصدر مثل هذا الكلام عن دعبل؛ «لأن دعبلا كان يشنأ أبا تمام ويحسده، وذلك مشهور معلوم منه» كما يقول الآمدي. غير أن قول أنصار أبي تمام إن الاحتجاج بدعبل غير مقبول ولا معول عليه «فلا يقبل قول شاعر في شاعر» مردود عليهم؛ فقد احتج هؤلاء بأكثر من شاعر من أنصار أبي تمام ومريديه، وأشهرهم البحتري وعبد الله بن المعتز وعمارة بن عقيل وابن الرومي وعلي بن الجهم وإبراهيم بن عباس الصولي ومحمد بن حازم الباهلي.
وأما قول بعض المعاصرين إن أحكام دعبل النقدية لا تنال من شعر أبي تمام، لأنها لا تستند إلى حجة مقبولة أو تعليل واضح، ففيه مقدار من الصواب. ذلك أن هذه الأحكام المنسوبة إلى دعبل لم تكن نقدا بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما هي إشارات خاطفة لم تفسر ولم تعلل. ولكن ذلك لا يحول دون الإفادة منها والتماس الأسس الجمالية التي نهضت عليها؛ ولا يعنينا في قليل أو كثير الدافع الشخصي إلى إصدار هذه الأحكام، فربما كانت من عوامل الحسد وقديم المنافسة بين الشعراء على جوائز الممدوحين. ولعل حسين الواد هو الوحيد الذي التقط هذا الحكم المنسوب إلى دعبل، ورجح أنه «كان يشير إلى النفس الملحمي في وصف الوقائع، إشارته إلى استعمال الكلام العادي واختياره ألفاظ وتراكيب» في شعر أبي تمام. وهو رأي ينهض على فكرة تبدو لنا سائغة؛ مفادها أن الخطاب الأدبي «يتكون من الشعر والنثر، وما بينهما لا يعدو الفروق التي لا ترقى إلى مستوى التقابل» فالتقابل ليس بين الشعر والنثر، وإنما هو بين الخطاب الأدبي والخطاب العادي» بعبارة حسين في كتابه «اللغة الشعر في ديوان أبي تمام».
من الكلام العادي ما يصنع شعرا ويترقى إلى مستوى الكلام المملوك. من ذلك أيضا طرحه قضية التمييز بين الكلام الخليط الذي يصلح للقص والوصف، والكلام الذي يختص بالشعر.
ومن هذا الجانب بين كيف نحتاج في دراسة صناعة الشعر أو إنشائية الخطاب، إلى إنشائية كل من الشعر والنثر؛ لأن هذه الإنشائية تلازم كل مستويات القول عند أبي تمام وغيره. يقول حسين في «تدور على غير أسمائها» وهو كتابه في شعرية بشار بن برد؛ مبينا العلاقة بين الشعر من جهة، والشاعر وعصره من جهة ثانية، إن «أدنى وظائف الشعر وأبسطها وأقلها علوقا بخصائص كيانه هي التي يخبر بها عن زمانه ويدل بها على شخصية صاحبه، بل إن هذه الوظيفة لتكون أنمى في الكلام وأظهر، كلما كان الشعر ضئيل الحظ من الشعرية قريبا من الكلام العادي».
وإذا كنا نشاطره الرأي في علاقة الشعر بعصره وبصاحبه، فإننا نشير إلى أنه عدل قوله في أن في الاقتراب من الكلام العادي، ابتعادا عن الشعرية أو ضآلة حظ منها. ذلك أن من الكلام العادي ما يصنع شعرا ويترقى إلى مستوى الكلام المملوك. من ذلك أيضا طرحه قضية التمييز بين الكلام الخليط الذي يصلح للقص والوصف، والكلام الذي يختص بالشعر. وهذا التمييز بين الكلامين، كما يقول «يجعل الحصول على الشعر لا يتم بتخليص الكلام المصفى من الأخلاط التي تمازجه، على النحو الذي تخلص به المعادن الجواهر مما يختلط بها وليس منها». وينبه إلى ضرورة صرف النظر عن اشتقاق هذا المفهوم من الكيمياء ولغة العلوم الفيزيائية؛ لما في سحبه على الكلام من أوجه الوهن؛ حتى يسلم الأخذ به صعدا في مدارج النقاوة «إلى الصرخة ينطلق بها الصوت اندهاشا وطربا وتوجعا وإعلانا، في جميع الحالات، عن الوجود في الوجود، فالصرخة تتجلى وتعلن عن المصدر الذي انطلقت منه. وإذا كان بين الصرخة والشعر، أكثر من وشيجة نسب، فلأن الصرخة قد ترجمت إلى كلام». ويخلص إلى أن «ارتفاع الصوت بالكلام بدلا من الاكتفاء بالصرخة هو الأصل الذي ينبجس منه الشعر». ومن ثم فإن كل ما في اللغة «صالح لأن يكون شعرا متى ناسب قوة انبعاث الصرخة وتحولها إلى كلام يحمل قوة الاندهاش والتعجب والاستكشاف… وأن للساذج البسيط والمألوف والتافه والسمج والقبيح حظا من النقاوة والصفاء مرتبطا بالفعل الذي يصنع به الجمال على بشاعته. وما كان ليغيب على الشعراء الكبار على الأقل، أن لغة العوام والكلام العادي أو النابي مستقبح في الأشعار عند النقاد مستشنع. ولكنهم مع ذلك، يوردونه في كلامهم ويحرصون أحيانا على قصده. وما كان ليعجزهم أن يستبدلوه بسواه مما لا يثير عليهم ثائرة التشنيع والاستنقاص. ويبدو أنهم يحملون على ذلك حملا لأن التافه والبسيط والساذج في تعلقه بالزائل والقشور لا يخلو من وظائف. وهي وظائف مرتبطة بضرورة أن يكون الشعر مشدودا إلى الوجود في مختلف مظاهره ومتعدد تجلياته».
بيْد أن ما هو مستقبح في نظرية العمود، ليس ضرورة كذلك في صناعة الشعر، بخاصة عند المحدثين. ولنا أن نتساءل إن كان هؤلاء قد حملوا على ذلك حملا، لما ينهض به «التافه» و»البسيط» و»الساذج» أو «النثري» من وظائف يراها حسين مرتبطة بضرورة أن يكون الشعر مشدودا إلى الوجود في مختلف مظاهره ومتعدد تجلياته. فالقول بهذه «الضرورة» يترتب عليه، على ما يتهيأ لنا؛ إقرار لا مناص منه، بأنهم تأتوا هذا «الكلام العادي» في قصائدهم اضطرارا، أو أن الضرورة أحوجتهم إليه، وأكرهتهم عليه، فسلبوا فيه الاختيار للفعل والترك. وهذا قد ينافي القول بأنهم كانوا من هذا «العادي»على قصد، وأنه ما كان ليعجزهم أن يستبدلوه بسواه. فلعل الأقرب إلى الصواب أن نحمل هذه الظاهرة على إكراهات الكتابة ومقتضياتها، والمشادة بين الشفهي والكتابي من جهة، وعلى الإيقاع من جهة أخرى.
وقد نرده إلى القصور وهو عجز الذات عن إشباع حاجة ناجمة عن مقام ما أو موقف ما، فمصدره غالبا عجز اللغة أو ضيق العبارة أو «الوهن في النظام اللغوي» بعبارة حسين. وقد يكون مصدره الحبسة حيث تحتبس في لاوعي المتكلم نوازع واستيهامات وميول قد ينجم عنها قصور أو عجز في التخاطب والتواصل، يمكن أن نعتبره حصرا لغويا أو انطواء جزئيا. وقد نرده إلى الرفض، وأساسه تمرد على الخطاب الاجتماعي الذي تنكر عليه الذات من جملة ما تنكر استعماله الرواسم المكرورة. وقول الآمدي» «أحب (أبو تمام) أن يخرج من عادات بني آدم، ويكون أمة وحده»، ما يؤكد سمة الرفض والاختلاف في هذا الشعر. فلعل في إشارة دعبل إلى «نثرية» شعر أبي تمام وجه صواب، ما جردناها من حكم القيمة كما فعل حسين الواد.
٭ ندوة حسين الواد /كلية الآداب والعلوم الانسانية في القيروان/ 3و 4 و5 إبريل/نيسان 2019
٭ كاتب من تونس