بيروت-“القدس العربي”: للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال حكايات تحد ومقاومة لا تُحصى وجمعية “الكمنجاتي” التي تأسست سنة 2004 أحداها. تلك الجمعية التي تقصد الأماكن السكنية “الأقل حظاً” بحثاً عن طفل تأخذ بيده ليعزف نغماً ينعشه ويبث فيه الأمل، تلقى حرباً متعددة الأشكال من الصهاينة. لكن مسيرة المقاومة مستمرة بالعلم والمعرفة، بالموسيقى والدراسة وغيرها من الوسائل.
“الكمنجاتي” التي تأسست على يد رمزي أبو رضوان من سكان مخيم الأمعري، والمهجّر بفعل الصهيونية من النعاني قرب القدس، أراد أن تكون حظوظه في تعلم الموسيقى في متناول أطفال يشبهونه. وكذلك مدير الجمعية أياد ستيتي الذي يسكن جنين ويتحدر من الريحانية قضاء حيفا.
في زيارته الأخيرة لبيروت كان هذا الحوار معه:
*متى توليت إدارة جمعية “الكمنجاتي”؟
**منذ سنة 2015. كنت قبلها عضو الهيئة التأسيسية، ومنسقاً لبرامج ونشاطات الجمعية في جنين ومنطقة الشمال. مرّت الجمعية بمرحلتين من التأسيس، الأولى في سنة 2002 في مدينة أنجيه الفرنسية، وكان الأعضاء المؤسسون زملاء لرمزي أبو رضوان في المعهد الموسيقي حيث تابع دراسته. عاد إلى فلسطين سنة 2004 وتمّ تأسيس “الكمنجاتي” فلسطين وكنت من المؤسسين. تعرفت إلى رمزي أبو رضوان في فرنسا حين جمعنا معاً مشروع موسيقي. استمر تواصلنا واختارني عضوا في هيئة تأسيس للكمنجاتي.
*ما هو التغيير الذي أحدثته الموسيقى في حياة الشباب الفلسطيني؟
**من شأن الموسيقى أن تزيد مساحة التعبير ومساحة الأمل لديهم. أولت “الكمنجاتي” اهتمامها للمناطق المهمشة، مع الإشارة أن مصطلح “الأقل حظاً” هو المستخدم حالياً. نحن الذين عملنا مع رمزي في إنطلاق “الكمنجاتي” كنا جميعنا محرومين من الموسيقى، والصدفة هي التي أخذت رمزي إلى الموسيقى. كان يبيع الصحف في رام الله، وأرشدته سُريدة صباّح إلى ورشة عمل جماعي للأطفال من تنظيم مركز الفن الشعبي. ولاحقاً التحق بالمعهد الوطني للموسيقى الذي يحمل اسم ادوارد سعيد، وتابع الدراسة. وفي سنة 1997 نجح في نيل منحة دراسية إلى فرنسا. وهذه التجربة شكلت مساحة واسعة في حياته بعد أن كانت ضيقة في مخيم الأمعري حيث ولد ونشأ. اللقاء مع الموسيقيين في فرنسا ترك مساحته بمساحة العالم. وهذه التجربة حفزته لتأسيس حالة من الموسيقى تتيح لأطفال يشبهونه الفرصة التي كانت له. لم يستأثر رمزي بالفكرة ولم يكن أنانياً بل فكر بأمثاله. بادر وتعب في تأسيس جمعية “الكمنجاتي” التي انتسبت لكونه عازف الكمان.
*أياد ستيتي عازف العود متفرغ كلياً لإدارة “الكمنجاتي”؟
**حالياً نعم أنا متفرغ. قبل مسؤولية مدير الجمعية كنت في عمل آخر إلى جانب كوني موسيقيا في “الكمنجاتي”.
*ما هو الجديد في مسيرة جمعية “الكمنجاتي” منذ سنة 2004 حتى الآن؟ هل من إيجابيات جديدة؟
**كل جديد طرأ على جمعيتنا تميز بالإيجابية. معروف أن انطلاق “الكمنجاتي” بدأ في منطقة رام الله التحتا التي كانت مهمشة جداً. رام الله التحتا قبل “الكمنجاتي” كانت تفتقد للمؤسسات الثقافية وللنشاط الثقافي. وكان الوضع المادي للسكان محدودا، مساكنها صغيرة كذلك مساحاتها العامة. انطلاق “الكمنجاتي” من رام الله التحتا أنتج موسيقيين متعددين من المنطقة نفسها، وبعضهم صار من عداد الأساتذة الموزعين على العالم. وبات في رام الله التحتا صانع كمنجات مهم جداً هو شحادة شلالدة. ففي العام الماضي كان عضواً مشاركاً في ورشة عمل في جامعة كريموندا الإيطالية. وفاز في عدة مسابقات دولية وعمره لم يصل الثلاثين بعد. تعلم شلالدة صنعته هذه من “الكمنجاتي” في حين تعزف شقيقته آلاء شلالدة الكمان. في هذه المنطقة المهمشة وغيرها العديد من قصص النجاح على الصعيد الموسيقي. وجود “الكمنجاتي” ساهم لاحقاً في انعاشها، فهي لفتت المؤسسات الأخرى للإقدام على ترميم المباني القديمة، وإلى مشاريع أخرى تنموية. وقد تميز وانفرد “الكمنجاتي” في فلسطين بترميم مقراته، والتي كانت قبله مهجورة وشبه مهدمة. وتتولى الترميم مؤسسة تُعرف بـ “مركز رواق للمعمار الشعبي” ومديره الحالي الأستاذ خلدون بشارة. بعد انطلاق عملنا في رام الله التحتا افتتحت خمس مؤسسات مراكز لها وفي مبان رممت بعد أن كانت مهجورة. والأمر نفسه تكرر في جنين حين افتتحنا مركزاً سنة 2007 وكذلك في دير غسّاني سنة 2008. نحن مؤسسة تقصد الأماكن القديمة والتي تحتاج إلى تأهيل وإعادة الحياة إليها، وهي باتت معروفة من خلال الموسيقيين الذين درسوا في “الكمنجاتي”. من تلك البلدات هناك موسيقيون محترفون، وكذلك من مخيمات قلنديا والأمعري والجلزون. وفي تلك المخيمات عملنا من ضمن شراكات مع المؤسسات الناشطة فيها. نحن مستمرون بنشاط، ولا يزال البرنامج الموسيقي الذي نقدمه مهما جداً على مستوى فلسطين والوطن العربي.
*هل اكتفى “الكمنجاتي” بتعليم الموسيقى للأطفال في فلسطين؟
**بل كانت للجمعية مشاريع كبيرة على مستوى العالم. فـ”الموسيقى الروحانية والتقليدية” من أهم المهرجانات الموجودة في فلسطين والتي تنظمها “الكمنجاتي” سنوياً، وهو ما نطلق عليه “رحلة الروح” توقيته مع الربيع وفي شهر نيسان/ابريل من كل عام. هو مهرجان متخصص كباقي مهرجانات الموسيقى الروحانية والصوفية في العالم كما مهرجان فاس، قرطاج والهند. هدف المهرجان تسليط الضوء على الأماكن الأثرية القديمة المهجورة وغير المعروفة من قبل الناس، مديره الفني ألان فيبير. شاركت فرق من مختلف أنحاء العالم في هذا المهرجان الذي أتاح لتلك العروض مساحات فنية جميلة. يقصد الجمهور المكان من خارج المنطقة، فقد نظمنا علاقات مع مكاتب سياحة، بحيث يقصد السياح تلك الأماكن والمهرجان معاً، مما يؤدي لبعض الانعاش الاقتصادي.
*وهل كان للكمنجاتي دور في الموسيقى المسجلة؟
**بالتأكيد. أنجزنا العديد من الأعمال الفنية كأسطوانة موشحاتنا التي أدتها الفرقة الوطنية للموسيقى العربية. ومؤلفات موسيقية متعلقة بمنهاج التربية والتوعية الموسيقية. وأنجزنا تسع سيمفونيات لبتهوفن عزفها الطلاب، متواجدة على موقع يوتيوب بعزف مباشر. شارك موسيقيون أوروبيون طلاب “الكمنجاتي” بعزف تلك السيمفونيات، وقد انتهى عزف التاسعة سنة 2018. بالتأكيد كان للكمنجاتي دور كبير في تعزيز الحياة الموسيقية والثقافية في فلسطين. هذا طبعاً إلى جانب وجود أسماء فنية تخرجت من جمعية الكمنجاني ولكل منهم مشروعه الخاص الذي يعيش منه مع آخرين يعملون معه. إذاً نحن حيال موسيقيين متمكنين من إدارة مشاريع موسيقية مستقلة.
*وماذا عن توسع وانتشار فروع “الكمنجاتي”؟
**من الضروري ذكر تجربتنا في لبنان الذي زاره رمزي أبو رضوان سنة 2008 لكونه يحمل الجنسية الفرنسية، فأهل الضفة يدخلون لبنان عبر تأشيرة وإقامة محددة. وخلال وجوده في لبنان افتتح رمزي مركزين للكمنجاتي في كل من برج البراجنة وشاتيلا. وفي سنة 2009 كانت شراكة مع بيت أطفال الصمود بشأن هذين المركزين لتعليم الموسيقى للأطفال كوننا مؤسسة متخصصة. عدد مراكزنا ستة في فلسطين، واثنان في لبنان. وهذان المركزان خرّجا أساتذة موسيقيين، من بينهم مديرة المشروع نور أبو ريا.
*بالعودة إلى أياد ستيتي الموسيقي والفنان قرأنا لك قولاً “الموسيقى مقاومة ناعمة”. كم هي مؤثرة وهل تكفي بمفردها في حال فلسطين؟
**لم أنس قولي هذا لإذاعة مونتي كارلو الدولية. لم أكن حينها أعي تماماً مفهوم المقاومة الناعمة، ليست هناك مقاومة ناعمة. المقاومة هي المقاومة، والموسيقى وسيلة تعبير مهمة. الموسيقى أحد روافد المقاومة الثقافية المتعددة فقط، وهي شيء جميل. وبالنسبة لنا في “الكمنجاتي” تزيد الموسيقى مساحة التعبير لدى الأطفال، وتقيم جسراً بينهم كموسيقيين فلسطينيين وبين العالم. كما أنها تشكل وسيلة من وسائل الوصول لعقول العالم، وإحداث تغيير في التفكير النمطي. نعرف أن الصهيوني سرق كل ما لنا بما فيه الفلافل والحمص والحطة الفلسطينية. اختم بالقول إن كل ما يقوم به الإنسان كي يثبت هويته ووجوده يعتبر مقاومة.
*وقرأت لك كذلك “الموسيقى توحد الشعب كي يتحرر”. كيف يتم تطبيق هذا القول في فلسطين؟
**يحتاج الشعب الفلسطيني للتماسك والوحدة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. الشعب الفلسطيني موحد اجتماعياً، إنما شريحة كبيرة من هذا الشعب تعيش مشاعر الحسرة على وضعنا السياسي المتشظي. للثقافة دور في توحيد الناس، فهي فعالية تجمعهم وتبث فيهم الأمل، وتمدهم بالطاقة الإيجابية. المجتمع المثقف قادر على استيعاب الفرق بين مجتمع ممزق وآخر موحد. والموسيقى أحد أهم اشكال الثقافة والفنون، وتساهم في توعية المجتمع وتحسين مزاجه إلى حد ما نحو النظرة المستقبلية. نحن مجتمعات متشائمة وخاصة في فلسطين المحتلة، وتلك المشاعر نابعة من واقع غير مبشّر. إنما وجود الثقافة في حياة الفرد تؤدي لتكوين نظرة إيجابية تجاه الحياة. حتى وإن كان الناس مختلفون فهم يجتمعون في مساحة مسرح لسماع عرض موسيقي، مما يشكل نوعاً من التواصل. إذاً الموسيقى والثقافة رافد إيجابي يقوي الشعب ويشحذ خطاه نحو تحرير الوطن.
*كيف يتعامل العدو الصهيوني مع حضور “الكمنجاتي” وهو الذي يحول دون أي عنصر ايجابي في حياة الشعب الفلسطيني؟
**ثمة هجوم كبير من “مونوتورينغ” وهي الرقابة الصهيونية على كافة المؤسسات الثقافية الفلسطينية وخاصة “الكمنجاتي”. يصفونها بجمعية تشارك في نشاطات وطنية وتتضامن مع مقاومين. لكنهم بالطبع يعتمدون مصطلحهم الذي ينطبق على كل صهيوني موجود على أرض فلسطين. فالاحتلال هو المجرم والإرهابي واللاإنساني واللاأخلاقي. هم استحوذوا كافة المصطلحات السئية من كافة لغات العالم، في حين أننا شعب صاحب حق، وصاحب الحق دائماً قوي. الهجوم دائم عليناً وكيفما أتيح لهم. وعندما يأتي أصدقاؤنا من أوروبا للمشاركة في نشاطاتنا ومشاريعنا الموسيقية، فهم يعيدونهم من مطار اللد. عدد لا بأس به من الأساتذة الأوروبيين يأتون للتعليم في “الكمنجاتي” ويعيدوهم من حيث أتوا. ليس “الكمنجاتي” وحسب يتعرض لهذا الهجوم بل أي مشاركة أوروبية في نشاط ثقافي في رام الله أو أي مكان من فلسطين يتخذون إجراء الإبعاد بحق الواصل إلى مطار اللد. هو نوع من الضغط لتقليص النشاط الثقافي فهم يعرفون مدى تأثير الثقافة في شعبنا. وهدفهم أن يبقى الشعب الفلسطيني ضعيفاً كي يحافظوا على قوتهم. هذه الضغوطات لا تتخلى عنها الصهيونية أينما استطاعت لها سبيلا.
*ما هي الحاجات الملحة لجمعية “الكمنجاتي” الطامحة دوماً للتوسع؟
**لتحقيق هدف تطوير الطلاب وقبول المزيد منهم نحتاج لمزيد من الأساتذة. بالتالي هذا يعني الحاجة لمزيد من الدعم المالي ولموارد ثابتة خاصة وأننا مؤسسة غير ربحية. نحن نسعى دائماً لموارد دخل ثابتة كما ورشة تصنيع الآلات التي باتت على مستوى عالمي. بالطبع هذه الورشة غير كافية لمؤسسة تضم بحدود 45 متفرغاً بين مُدرّس وإداري.
*من أين يأتيكم التمويل؟
**الأصدقاء الداعمون كثر منهم: مؤسسة التعاون وهي من أهم الداعمين في لبنان وفلسطين، مؤسسة عبد المحسن قطّان، وزارة الثقافة الفلسطينية “سيدا” السويد، الاتحاد الأوروبي “يو بي آي” النداء الفلسطيني الموحد “يو أن دي بي” وغيرها.
*هل بطاقات حفلاتكم في فلسطين مدفوعة الثمن؟
**بل مجانية ومنها مهرجان “الكمنجاتي” للموسيقى الروحانية. نتقاضى بدل بطاقة حين نستأجر مسرحاً، وغالباً يكون لفنان معروف وبدله متواضع.
*كيف صارت الموسيقى هوايتك ومهنتك إن صحّ التعبير؟
**درست المحاسبة في العراق بعد الفشل في دخول كلية الفنون، فدراسة الموسيقى كانت طموحي. كنت أعزف بمفردي وعندما عدت إلى فلسطين درست الموسيقى في جامعة بيرزيت. أنهيت البكالوريوس مؤخراً وسوف اتابع دراسة الماجستير في الجامعة نفسها.
*ومن فتح لك الباب باتجاه الموسيقى؟
**يعود الفضل بذلك للانتفاضة، وهذا دليل على مدى ارتباط الموسيقى بالمقاومة. كنت أسمع أغنيات مارسيل خليفة، وأغنيات العودة لفيروز، سميح شقير، فرقة صابرين، خالد الهبر، زياد الرحباني وغيرهم من الأصوات والأغنيات التي كانت تتناول وطني المحتل وتمجد نضال شعبه جذبتني وواصلت سماعها. كنا نعيش في الأردن وكان والدي محباً لهذا النوع من الغناء ونسمعه على الدوام. إلى جانب الغناء الوطني كنت أحب غناء أم كلثوم. بصراحة وشفافية فعزف مارسيل خليفة على العود شكل الجاذب الأساسي لي نحو الموسيقى. كنت طفلاً وعزفه يستهويني ويسحرني. تعلمت العزف على العود في الأردن لدى الأستاذ محمود رحّال. ثم ازداد تمرسي بالعزف منفرداً من خلال الفرق المدرسية وفرق المخيم الذي كنا نسكنه. نحن كأطفال كنا نبادر لإنشاء فرق موسيقية، وجميعهم لا يزالون أصدقائي حتى الآن. هكذا تعلمت الموسيقى. وعندما باشرت العمل في “الكمنجاتي” خضعت لدورات عدة في الموسيقى، ومن المفترض أن أكون واحداً من قصص النجاح في “الكمنجاتي” فهي مشجعتي لأكون أكاديمياً ومساعداً في خلق موسيقيين آخرين.
*في حفلك البيروتي قدمت لحناً لك وكذلك سماعي راست هل تتجه للتأليف؟
**يستند هذا في رأيي إلى ثقافتي الموسيقية. فأنا شديد التأثر بموسيقى مصر، وموسيقى بلاد الشام. وأحب عود مارسيل خليفة وهو من مدرسة مصرية شرقية عربية، وهذا المزاج في الجمل اللحنية يجذبني. كما أني شديد التأثر بأستاذي خالد صدّوق وهو من مدرسة مصرية وشامية. كما أنني متأثر بأستاذي في جامعة بيرزيت أحمد الخطيب. وعندما أستلم شهادتي الجامعية في شهر حزيران/يونيو سأبدأ في انتاج ما عندي من موسيقى.
*ما هو هدف زيارتك للكمنجاتي في لبنان؟
**كوني مدير المؤسسة فإن الإشراف المباشر على تطور “الكمنجاتي” في لبنان ضروري. مع العلم أن الاعتماد الأول والأخير على مديرة المشروع في لبنان نور أبو ريّا، لكن وجودنا إلى جانبها من حين لآخر يشكل نوعاً من الدعم وينشر فكرة وجود “الكمنجاتي” في لبنان. وكذلك التواصل مهم للغاية مع الأستاذ قاسم عينا في بيت أطفال الصمود حيث نعمل بالشراكة معهم، فهي مؤسسة كل الشعب الفلسطيني في لبنان.