نحو إشاعة ثقافة التعايش

ليس التعايش ثقافة متعالمة ولا هو ثقافة هوائية استهلاكية لا طائل من وراء تحقيقها، ولا سبيل لدوامها، بل هو التنبيه الذي فيه الارشاد والاجتماع الذي ليس فيه انشقاق، والتطلع المتوازن بلا تحريف ولا ارتداد. وقد يصح القول إن ثقافة التعايش ثقافة بديلة وذلك حين يتمكن التعايش من إعادة إنتاج الثقافة الأصولية باتجاه التجدد والانفتاح. وواحدة من الاستراتيجيات التي يمكنها أن تجلب هذا الطرح إلى منطقة التمكين الواقعي هي فاعلية اللاتمركز التي تحرر الذات من الفردانية والنخبوية والانوية والنرجسية. وليس غريبا إذا قلنا إن أهم معايب الثقافة عندنا اليوم أنها معيارية تحتضن المثقف أما ذاتا تابعة لمركز/ نموذج يتمحور حوله كوازع نضالي إيثاري ثوري وغيري، أو ذاتا متمركزة على نفسها متطرفة عن غيرها بوازع نفسي نرجسي يُصير المثقف كيانا متقوقعا منعزلا ومتعاليا في أبراج من عاج.

ولهذا كله تسعى ثقافة التعايش إلى دحض التابعية في الانسياق والمعيارية في الطواعية والتسليم، محاولة قلب تلك المركزية في التعاطي المتمحور حول الذات إلى تفاعل واندماج أهم سماته أنه دائم التغير بلا توابع ولا مركزيات، ينفض يديه من الركود وينفر من الجمود.

وعلى وفق هذه الرؤية الإدماجية والانفتاحية، يصبح للمثقف الأواب للتعايش منظور ائتلافي يرى العالم من زاويتين في آن واحد، الأولى هي زاوية الإيثار والغيرنة والثانية هي زاوية الأنا والذوتنة. وباستبعاد المثقف للتمركز واتجاهه صوب اللاتمركز ستجتمع لديه المتضادات وتتلاقى عنده الثنائيات بلا أي تصادم أو اضطراب ومن دون أدنى احتمال بالتشويش والفوضوية أو الانحياز.

 والسبب أن المثقف سيصبح مجموعة مثقفين بلا قطيعة ولا حدية. ولن يكون للعائمية أو الاستلابية من سبيل إلى فكره، لأنه سيغادر منطقة الرؤية الجزئية للأشياء إلى منطقة الرؤية الكلية، مستعيضا عن منظاره الأحادي بمنظار ثلاثي الأبعاد، يرى الأشياء من مختلف الزوايا والأركان. وهذا ما يدفع بالثقافة إلى المداومة بدأب، وهو ما وصفه تودوروف بالثقافة الحية التي تكون في تحول دائم.

ووفقا لهذا الطرح الانفتاحي يصبح المثقف مطالبا بنقد ذاته قبل نقد واقعه، وهو ما طالب به هابرماس داعيا المثقف إلى أن يقبل النقد والتعرية. وبهذا الوازع النقدي ستتطور أرضية الواقع المعيش فتكون إرادة الجميع فوق أية إرادة، وتسود فاعلية التسابق بلا هيمنة والتنافس بلا تفرقة، والاختلاف بلا رقابة أو تسلط. والأساس الذي تنطوي عليه هذه الإستراتيجية هو فكرة حضارية أساسها الشعور المشترك بالانفتاح والاندماج والإيمان الجماعي الصميم باللاتمركز مع نبذ الواحدية والفئوية.

 وبانتفاء فكرة التسلط الأحادي تنتفي مظاهر الهيمنة والسيطرة والمركزية، فتؤول السلطة إلى المجتمع. وحري بهكذا إستراتيجية ثقافية أن تسبغ على الحياة تحضرا، وتجعل المثقف مهيئا في كل مكان وزمان للاعتراف بإنسانية الآخر أيا كان ذلك الآخر مؤيدا أو معارضا غريما ندا أو صاحبا رفيقا. ولأن الفرد المثقف فرد واع داخليا ينتسب خارجيا إلى مجتمع تعددي، لذلك لا يمكن للنفور أو التعصب أن يستحوذا عليه.

 والسؤال هنا كيف يغدو المثقف واعيا داخليا وخارجيا؟ وما الذي يؤسس لهذا الوعي أهي الفطرة التي تدفع ببذرة الوعي إلى النماء والتطور؟ أم أن المسألة رهن بفعل مؤسساتي أو حاضن نظامي يعمل على إثبات هذا الوعي ويداوم على سيرورة فاعليته؟

إن التوعية الذاتية هي فطرة تنبع من الداخل كما ينميها الاكتساب من الخارج، لتغدو سلوكا سماته التفاعل والمساندة والانضباط بإرادة وتصميم. وكلما حرر الاكتساب الفرد من ذاتيته وعزز في الوقت نفسه كينونة الأنا فيه، كان الناتج فردا مندمجا ومتعايشا ومنفتحا سائرا في درب التحضر والمدنية والعصرية.

وما بين الفطرة والقوة يتجلى الفارق الشاسع بين مجتمعات إنسانية تتعايش في سلام دائم وتحيا في ظل بساطة حياتية، وبين مجتمعات لا إنسانية تعيش تعقيدات الولاء والانتماء متأقلمة مع انشطارات الهوية والمواطنة، قانعة بالتيه في دوامات التحزب وتشرذمات اللاانضباط.

وإذا كان المجتمع أفرادا وجماعات يقر بالتعادلية والموازاة، فإن مسألة الوعي ستغدو توصيفا ثقافيا لكنه ليس معياريا حيث لا مشروطية في المغالبة والانتماء ولا منازعات حول تبعية الحضور أو التواري.

هذا المنوال الذي عرفته شعوب العالم في طفولتها ظل سائدا فيها إلى أن غلبت القوة العقل وحلت فكرة الاستيلاء محل التعايش وتضعضعت فكرة الاكتفاء واستبدلت بفكرة الولاء والتبعية، واستحوذ الاستعباد على الانتماء وحل الإجلاء الذكوري محل الاحتواء الامومي حتى صار نظام الحكم أبويا فيه رئيس ومرؤوس وغالب ومغلوب.. فتراجعت فكرة التعايش أمام مركزية الغلبة التي كان من مظاهرها السيطرة بالقوة والدهاء. وهكذا تأسست فكرة الدولة التي بها تشوهت الفطرة وغادرت الإنسانية مثاليتها التي سعى أفلاطون إلى استعادة تأسيسها خياليا في مدينته الفاضلة.

من هنا تبدو المجتمعات المتعايشة ثقافيا مجتمعات لا تعنيها فكرة الدولة والأمة والدستور بقدر ما يعنيها التنظيم الإنتاجي والاعتراف بالتشارك الجماعي الواعي، وهذا ما يجعلها محصنة المواقع ومصونة الحقوق ليست بحاجة إلى جيش عرمرم ولا مؤسسات مدنية وغير مدنية وأنظمة وقوانين معقدة واحترازية وإنما كل الذي تحتاجه هو صناعة فكرية تستطيع مأسسة الوعي بمدارك حسية تنهض بكل ما هو ذاتي وغيري.

وبالتحصن الداخلي والتوعية الخارجية تصبح فكرة الانتماء والولاء حقيقة لا تحتاج إلى عوامل تعززها أو أدوات تحافظ عليها وتعمل على إظهارها.

واللاتمركز في الأساس طرح تفكيكي به راهن دريدا على فاعلية الهامش في قلب المركز وتقويضه ومصادرة فاعليته وبما يعطي للذوات المغلوبة مشروعية أن تصبح غالبة على مختلف المستويات اللغوية والميثولوجية والتاريخية والاجتماعية والسياسية.

والمزاودة على المركز تحتاج تفكيك فلسفة الوعي بما يسميه ادورنو الجدل السلبي ولا سبيل إلى أي ارتقاء ثقافي إلا بمغادرة عقلانية التفرد والأحادية ودمج فكرة وجود نموذج إتباعي بفاعلية الانفتاح التي فيها التطور ليس تراكميا حسب، وإنما هو تجديدي اقتراني يتصف بالاعتدال ويبتعد عن التقوقع متحرزا من الانجرار والانبهار.

إن اللاتمركز هو عمومية الثقافة التي هي أصل وفطرة إنسانية. والثقافة معرفة والإنسان بطبعه كائن معرفي، يمتلك العقل ويمارس التفكر ويجري حساباته معللا ويتأمل مستنتجا. فكيف بعد ذلك كله تَحتكر الثقافة فئةٌ تعد نفسها نخبوية وتحرم غيرها منها فتصفهم بالرعاع؟!.

ومثلما أن لا حيازة في العلم فكذلك الثقافة مشاعة، والمجتمعات الأكثر استقرارا واتزانا هي التي تسود فيها الثقافة معممة على الأفراد غير منحسرة في طبقة ولا متقوقعة في أشكال أو تمثلات بعينها. وعادة ما لا يتحقق ذلك إلا بوجود مهيئات بيئية ونفسية واجتماعية وعلمية تحث على المتابعة وتتيح إمكانيات الاطلاع بما يضمن فاعلية التشارك في صوره كافة.

ولعل الاعتراف بأهمية اللاتمركز في مجتمعاتنا العربية ما يزال مبكرا، إلا إن أول لوازم بذر ممكناته في الواقع العربي هو الإيمان الصميم والجوهري بأن التعايش ليس اختراعا ابتداعيا ولا هو انجرار اتباعي أو تحذلق اجتماعي يتمنطق خارج مواضعات الواقع المعيش؛ وإنما هو حاجة حياتية ومتطلب معيشي لا مناص من التعاطي معه تعاطيا اجتماعيا أمينا وبما يشخص سلبياتنا ويجسد تطلعاتنا المختلفة التنويرية منها والليبرالية والتحريرية والراديكالية والأصولية من دون اضطراب ولا تعجرف.

إن هذا الطرح المستقبلي للتعايش الثقافي هو ارتهان بإستراتيجية تسمح بفهم لوازم البذر ومتطلبات الغرس في أرضية كأرضية واقعنا العربي وتربته المتأزمة بالحروب المذهبية والنزاعات الفئوية وشروخات الهوية والانتماء وترسبات العرف والاعتقاد والوهم الشعبي وتبعات السياسة الداخلية والخارجية ومشكلات الحياة الاقتصادية واحتداماتها الاجتماعية، وفي مقدمة الاحتدامات (المرأة).

* كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية