طهران في مواجهة “العقوبات”: تقشف والتفاف وضغط مضاد!

عباس الزين
حجم الخط
0

منذ إعلان الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، ودخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ، بدأت طهران بإجراءات عملية استباقية في أكثر من اتجاه، تهدف إلى الحد من تأثير تلك العقوبات، التي يتفق الجميع، على إحداثها تصدعات كبيرة في اقتصاد البلاد. وتبدو قدرة إيران على المناورة ممكنة في أكثر من جهة، مستغلة الرفض الدولي المؤثر، للخيارات الأمريكية “الأحادية الجانب” والذي عبرت عنه كل من تركيا والصين وروسيا ودول أخرى، بانتظار ردة فعل الدول الأوروبية من خلال “الآلية” المعلنة مؤخرًا، “إنستكس” والتي تهدف إلى تسهيل التجارة مع طهران، بالإضافة إلى منظمة “أوبك”.

بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي كان الريال الإيراني أكثر المتأثرين بالقرار، وبدأت العملة الإيرانية مسلسل السقوط الحر مباشرة، واستمرت في السقوط على مدار الأشهر التالية لتبلغ مستوى غير مسبوق من الهبوط قبيل تطبيق المرحلة الأولى من العقوبات أوائل آب/اغسطس الماضي بواقع 100 ألف ريال لكل دولار في السوق السوداء. وعلى إثر التضخم الأخير في إيران وارتفاعه إلى نسبة 30 في المئة وفقدان النظام المالي أكثر من نصف قيمة العملة المحلية، تحاول الحكومة مواجهة العقوبات الأمريكية وما سببتها من أزمات اقتصادية من خلال التعديلات والتغييرات البنيوية في نظامها المالي، عبر حذف أرقام من عملتها لتقويتها وزيادة القدرة الشرائية للناس للحد من الانهيار الاقتصادي. وكان رئيس البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، قد أعلن مؤخراً أن “عملية حذف أربعة أصفار من العملة المحلية لن تكون سهلة وستستغرق عامين كاملين حتى يتم توزيع العملة الورقية الجديدة بدلا من القديمة”. تلك التحديات أكدها نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانجيري، بتحذيره من أن إيران تحت طائلة العقوبات تواجه خطرين رئيسيين، هما “البطالة وانخفاض القدرة الشرائية” معتبرًا أن “خلق الوظائف أولوية قصوى، من خلال منع سقوط الشركات في براثن الركود بسبب العقوبات”، في ظل ارتفاع معدلات البطالة إلى 12.1 في المئة.

وحول إجراءات الحكومة الإيرانية، يقول الدكتور عماد آبشناس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، والعضو السابق في “غرفة التجارة الإيرانية” إن “الحكومة الإيرانية تتخذ إجراءات تقشفية في الداخل كي تواجه العقوبات الأمريكية”. ويوضح في حديثه لـ”القدس العربي” أن “الحكومة قامت برفع سعر العملة الصعبة كي تستطيع لملمة السيولة النقدية الموجودة في البلاد واضعاف قدرة المواطن الإيراني على شراء البضائع الأجنبية”. ويؤكد آبشناس أن “إيران ضمن أربع دول في العالم في مجال الإمكانات البشرية والموارد الطبيعية، فحتى لو تم بناء جدران حولها فان المواطن لن يحتاج شيئًا من الخارج” مشددًا على أن “المشكلة الرئيسية تكمن في كيفية إدارة موارد البلاد”.

بالتزامن مع الحزمة الأولى من العقوبات، في آب/اغسطس العام الماضي حدد المرشد الإيراني علي الخامنئي، قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة الأمريكية، معلنًا انه “لا حرب مع واشنطن… ولا تفاوض” وقد سبق ذلك كلاما للخامنئي في تموز/يوليو يشدد خلاله على أنه “لا يجب وقف التفاوض مع الأوروبيين لكن لا ينبغي أن نبقى بانتظار مقترحاتهم”. وضمن هذه الدائرة يتحرك المسؤولون الإيرانيون المعنيون بالمواجهة، حيث طلب المرشد منهم “التوصل سريعا إلى حلول للتغلب على الأزمة التي سببتها العقوبات الاقتصادية الأمريكية”. وانطلاقًا من هذا الكلام يبدو واضحا أن نسبة تأثير العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، تتحدد من خلال مراقبة سير عمل الحكومة الإيرانية، ومدى التزامها بالخطوات التي تجنب البلاد المزيد من التداعيات السلبية، لا من خلال مراقبة خطوات واشنطن العدائية ضد طهران. لذا، فإن طلب المرشد المتكرر من الحكومة التصدي لتداعيات العقوبات، يأتي في سياق وضع الحكومة الإيرانية الحالية التي يقودها الرئيس حسن روحاني، تحت الاختبار، باعتبار انه في حال اشتداد الأزمة فإن أسباب ذلك داخلية تتعلق في طريقة المواجهة غير الفعّالة، أكثر منها خارجية والمتعلقة في العقوبات الأمريكية المتوقعة والمستمرة.

الاحتمالات في مضيق هرمز

فيما تبدو الأمور متجهة إلى المزيد من التعقيد، ومفتوحة على أكثر من احتمال، بعد قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بـ “عدم تجديد الاستثناءات التي كانت ممنوحة لبعض الدول في استيراد النفط الإيراني” فإن الترقب سيّد الموقف لجهة انتظار الخيارات التي ستذهب باتجاهها الحكومة الإيرانية. وفي هذا السياق، يرى البروفيسور الأمريكي الإيراني محمّد مرندي، المحاضر في جامعة طهران، أن “إيران لن تلجأ إلى إقفال مضيق هرمز إلّا تحت ظروف قصوى، أي إذا مُنعت السّفن الإيرانية من الدّخول أو الخروج إلى الخليج، حينها سوف تُمنع كلّ السّفن الأخرى من قبل إيران”. ويشير مرندي في حديثه لـ “القدس العربي”: “إذا تطوّر الموضوع إلى مواجهة عسكريّة، فكلّ شيءٍ على الجهة المقابلة من الخليج، بما فيها السّفن، منشآت النّفط والغاز، كلّها ستدمّر”، لكنه يستبعد في الوقت ذاته “الذهاب في هذا الاتّجاه”، متابعًا: “بغضّ النّظر عن أنّ الولايات المتّحدة تمتلك قوّة عسكريّة أكبر بكثير من إيران، إلا أن إمكانات إيران في الخليج الفارسي مُعتبَرة جدًّا، وأيّ حرب ستؤدّي إلى كساد اقتصادي عالمي بالغ”.

وحسب مرندي، فإن طهران “لا تتوقّع أن تذهب الأمور إلى هذا الحدّ، فلدى الأخيرة القدرة على إبطاء تجارة النّفط، في هذه الحالة، وبالتّحديد إبطاء صادرات النّفط لدول مثل السّعوديّة والإمارات عبر عمليّات الإيقاف والتّفتيش ووسائل أخرى، وهي من ضمن الخيارات القانونية المتاحة وهذا ما سينعكس على سوق النفط العالمية، حيث سيكون بإمكان إيران إبطاء سوق النّفط في المنطقة، وخلق صعوبات لخصومها”.

الالتفاف على العقوبات

تحتاج إيران لخطوات أكثر تأثيرا لمعالجة الأزمة الاقتصادية الداخلية التي سببتها العقوبات، لا سيما وأن خطوة إغلاق مضيق هرمز في حال حصولها ومنع حاملات النفط الأخرى من العبور كما هدد المسؤولون الإيرانيون على اختلاف مناصبهم، لا تكفي، بما أنها ردعية ذات مفاعيل خارجية وارتدادات داخلية متقلبة، لا تؤثر بشكل مباشر على تحسين الوضع الاقتصادي. لذا، فإن نجاح طهران بالالتفاف على العقوبات الأمريكية، ستكون الخطوة الحاسمة في تقليل تأثيرها على الوضع الاقتصادي، بالأخص وأنها كسبت خلال العقود الماضية خبرة كبيرة في الالتفاف على العقوبات ويمكنها الاستفادة من تلك الخبرات في المرحلة المقبلة.

وفي الوقت الذي دعا فيه مواطنيه لـ “تعزيز الإنتاج وصادرات المنتجات غير النفطية” لمواجهة العقوبات الأمريكية، أكد روحاني مؤخرا أن بلاده “ستواصل تصدير النفط رغم الضغط الأمريكي الرامي إلى وقف صادرات النفط الخام تماما”. ويرى مرندي، أن العقوبات “تضرّ المواطنين الإيرانيين العاديّين، فهي تمنع الشّعب من الاستيراد والتّصدير، وتجعل شراء كلّ شيء من الدّواء إلى الغذاء إلى السّلع صعبا جدا ومكلفا جدا، بالأخصّ أنّ كلّ العمليّات الشّرائيّة يجب أن تتمّ نقدا، حيث يصبح الموضوع أكثر خطورة على التّجّار”. ويلفت إلى أن “هذا يخلق مشكلةً أساسيّة للمصانع المنتجة والمستشفيات والجامعات”، مشددًا على أن “الهدف هو إلحاق الضّرر بالإيرانيين العاديّين، أي العقوبات ليست شيئا موجّها إلى جزء محدّد من الاقتصاد الإيراني، بل محاولة لجعل حياة الإيرانيين العاديّين أصعب ما يمكن”. ويؤكد أن “الإيرانيين بالفعل بدأوا بتفادي العقوبات استباقا: هم يصدّرون النّفط، يبيعون ويشترون السّلع ويصدّرون النّاتج الإيراني” مشيرا إلى أن “علاقة إيران التّجاريّة مع العراق مثلا جيّدة جدا، لذلك الأمر ليس كأنّه باستطاعة الأمريكيين بناء جدارٍ عالٍ وليس بإمكان الإيرانيين تجاوزه”. ويضيف مرندي: “إيران يمكنها الاستمرار بتصدير نفطها، لكنّها تبيعه في المياه الدّوليّة بأسعار مخفّضة، بمعدّل ثلاثة أو أربعة أو خمسة دولارات أقلّ للبرميل حاليا من خلال سفن قادرة على قطع إشارات التعقب في المياه الدولية”، معتبرا أن “طهران ستخسر بعض المال، لكن بما أنّ إنتاج النّفط واستخراجه ليس مكلفًا أبدًا، فلا تشكّل الخسارة صعوبةً بالغة”. ويذكر أن الحكومة الإيرانية بدأت بإشراك القطاع الخاص في بيع النفط عبر البورصة ابتداءً من تشرين الأول/اكتوبر الماضي بأسعار تشجيعية أقل من أسعاره العالمية. ولم تكشف السلطات الإيرانية عن هوية المشترين، إذ اكتفت وكالة “فارس” بالقول إنهم “تكتل من الشركات الخاصة” حيث ستبقى هوية المشترين سرّية، وفق رئيس “هيئة البورصة والأوراق المالية” شاهبور محمدي.

وحسب المدير العام لـ “شركة النفط الوطنية”، علي كاردر، فإن من “الممكن أن يقوم الأجانب بشراء النفط الخام الإيراني عبر البورصة”.

“جابهار” خارج العقوبات عامل ضغط؟

يضاف إلى ذلك، العلاقات الإيرانية الباكستانية المتنامية مؤخرًا وتأثيرها على الضغط الإيراني باتجاه تخفيف تداعيات العقوبات. فخلال الزيارة الأخيرة لرئيس وزراء باكستان، عمران خان، إلى إيران بدأ الحديث عن تنشيط التعاون بين مرفأ “جابهار” جنوب شرقي إيران، ومرفأ “غوادر” في جنوب باكستان. ويؤكد مراقبون أن هذا التعاون في غاية الأهمية، فقد أعلنت أيران استعدادها لتلبية حاجة باكستان من الكهرباء بعشرة أضعاف، وتلبية حاجتها من النفط والغاز. بدوره أعلن رئيس الحكومة الباكستانية استعداده للتعاون في مجال الطاقة. وقال روحاني خلال استقباله خان، إن “التعاون بين مرفأ جابهار في جنوب شرقي إيران ومرفأ غوادر في باكستان يمكن مضاعفته”، لافتًا إلى أن “طهران يمكن أن تسهل بناء سكة حديد تربط إسطنبول بإسلام آباد”. لكن الأهمية تكمن في أن مرفأ “جابهار” الإيراني، الذي أثبت حيويته خلال الحرب العراقية-الإيرانية، حين جعلته إيران منفذًا لتجارتها، إلى جانب كونه يشكل جزءًا مهمًا من الطريق التجاري، بين آسيا الوسطى والمحيط الهندي، هو الوحيد المعفى من العقوبات الأمريكية، وقد أعفت واشنطن المرفأ المذكور لتتمكن أفغانستان التي ليس لديها منفذ بحري، من إيصال صادراتها عبره إلى المحيط الهندي، من دون الاعتماد على باكستان فقط، واستكمال مشروع سكة خواف -هرات التي ستربط أفغانستان بالمحيط الهندي من خلال مرفأ “جابهار” الذي يبعد نحو 100 كلم فقط عن الحدود الباكستانية، ويعتبر المرفأ الإيراني الأكبر خارج الخليج.

لذا، فإن مشاركة طهران مع إسلام أباد، في استثمارات وأعمال مشتركة بين مرفأي “غوادر” و”جابهار” ومحاولة استغلال اعفاء المرفأ المذكور، والإبقاء على التزاماتها الاقتصادية والتجارية مع كابول، سيسمح لها بالالتفاف على العقوبات والضغط المضاد، لأنه في هذه البقع الجغرافية تحديدًا تتشابك وتتداخل المصالح الدولية فيما بينها. فمن جهة لا يمكن لأفغانستان التخلي عن مشروعها بالوصول إلى المحيط الهندي عبر مرفأ “جابهار” وكسر الاعتماد على باكستان، وواشنطن تعي جيدا أهمية هذا المرفأ الإيراني بالنسبة لأفغانستان أولا، ولتواجدها اللوجستي هناك ثانيا، وإلا ما كانت أعفته من العقوبات. ومن جهة أخرى، فإن مرفأ “غوادر” الباكستاني، يقع على طريق “الحرير الصيني” ويعتبر عصب الممر الاقتصادي لبكين نحو مناطق البحر المتوسط والقرن الأفريقي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية