من أجل الحصول على الحصة الأكبر العقوبات الأمريكية وطرق الالتفاف الإيرانية عليها

حسن فحص
حجم الخط
0

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية عليها، وبعد الكشف عن لائحة المؤسسات والشركات والأشخاص الذين تشملهم العقوبات والتي بلغت 700 شخصية ومؤسسة وبنك وناقلة نفط وخطوط طيران، بذريعة اتهامهم بدورهم ومساعدة النظام في الالتفاف على العقوبات السابقة، خرج النائب في البرلمان الإيراني أحمد أمير آبادي فرهاني ليقول في تغريدة إن “في لائحة الأسماء الجديدة المشمولة بالعقوبات الأمريكية نجد جميع الاشخاص والمؤسسات الناشطة في الالتفاف على العقوبات السابقة، والسؤال من أين حصل العدو على هذه المعلومات؟ يجب على المؤسسات الأمنية التدقيق في الأمر”.

ولم يبتعد وزير الخارجية محمد جواد ظريف عن هذا الموقف، بل كان أكثر مباشرة عندما عبر عن العقوبات بانها ” تحاصر الأنفاس الإيرانية”.

وعلى الرغم من هذه الحقيقة المرة التي لم يخفها مسؤولون في الإدارة الإيرانية، فإن الرئيس الإيراني خرج في الأيام الأخيرة وعشية انتهاء مهلة 180 يوما للاعفاءات التي منحتها واشنطن لثماني دول لاستيراد النفط الإيراني، ليؤكد في خطابات على مدى أيام أن بلاده “ستقوم بالالتفاف على العقوبات النفطية وستستمر بكل فخر في تصدير نفطها”. وهو ما حاول وزير الخارجية ظريف أن يعيد التأكيد عليه من واشنطن بأن “إيران تمتلك دكتوراه في الالتفاف على العقوبات” وآزره في ذلك وزير النفط بيجن نامدار زنكنه بالتأكيد أن بلاده ستستمر في تصدير نفطها وكسر العقوبات. وجميع هذه المواقف جاءت متأثرة بما أعلنه المرشد الأعلى للنظام آية الله علي خامنئي بقوله “أننا سنستمر في تصدير النفط وبالمقدار الذي نريده”.

والسؤال الذي يطرح هنا، في ظل إصرار واشنطن على تضييق الخناق على طهران لفرض عملية تفاوضية بشروطها، كيف يمكن لإيران أن تلتف على هذه العقوبات، أي الطرق ستتبعها لتحقيق هذا الهدف وكيف ستقوم بتصدير السقف الأدنى الذي حددته لنفسها والبالغ 800 ألف برميل يوميا؟

في الخطوة الأولى، ستسعى إيران لإعادة إحياء القنوات السابقة التي استخدمتها للالتفاف على العقوبات الدولية، مستفيدة من مبدأ ان العقوبات الجديدة هي أمريكية ولا تحظى بغطاء دولي أو تأييد من مجلس الأمن، لذلك فهي تراهن على استثمار استجابتها للرغبة الأوروبية خصوصا الدول الأعضاء في مجموعة 5+1 الراعية للاتفاق النووي، بالمحافظة عليه والتمسك به. وذلك من خلال دفع هذه الدول لتطبيق الاتفاق حول آلية التعامل المالي “إنستكس” البديلة لنظام “سويفت” وتحويلها إلى قناة مالية تستخدمها إيران وهذه الدول ليس فقط من أجل تسهيل عملية حصول إيران على المواد الغذائية والأدوية، بل إلى قناة تشمل كل التعاملات التجارية التي تحتاجها إيران تحت اشراف هذه الدول المالي.

أما في قطاع النفط، فان طهران لا تراهن على عودة الدول الأوروبية لشراء النفط الإيراني والبالغ نحو 20 في المئة من صادراتها، لذلك فإنها وفي ظل قبولها بتراجع مستوى صادراتها إلى ما دون المليون برميل يوميا، فانها تراهن على الأسواق الأساسية الأخرى التي يشكل النفط الإيراني جزءا أساسيا من مصادر الطاقة لديها، مثل الصين والهند وتركيا وباكستان وبعض الدول الصغيرة الأخرى، إلى جانب حصة صغيرة لكل من العراق خصوصا في الغاز وافغانستان معفاة من العقوبات لضرورات أمريكية والتي تبلغ 20 ألف برميل يوميا.

وإعادة إحياء القنوات القديمة، أي إحياء نظام تبادل النفط مقابل البضائع سيكون الآلية التي تعتمدها طهران مع كل من الصين والهند، واستمرار التعامل مع روسيا لتأمين ما يحتاجه السوق الإيراني، خصوصا وأن إيران سبق لها الاتفاق مع هذه الدول على استخدام العملة المحلية للدفع مقابل النفط الذي تحصل عليه من طهران، وأن توضع هذه الأموال في بنوك صغيرة لا ترتبط بنظام سويفت المالي وبالتالي تكون بعيدة عن الأعين الأمريكية، وتقوم هذه البنوك في تولي مهمة الدفع بدل البضائع التي تستوردها إيران من هذه الدول.

وسبق لإيران ان بدأت بتطبيق هذه الآلية مع العراق مع بدء فرض العقوبات الأمريكية ومنع تحويل الدولار إلى إيران، عندما توصلت إلى تفاهم مع الحكومة العراقية السابقة حول آلية دفع الديون المترتبة عن شراء بغداد للكهرباء الإيرانية والتي وصلت حينها إلى نحو 1.2 مليار دولار، دفعتها بغداد بالعملة المحلية الدينار العراقي.

وقد بلغ حجم الصادرات الهندية في مرحلة العقوبات الدولية ثلاثة أضعاف الحجم الطبيعي والصادرات الصينية الضعفين، والصادرات الروسية خمسة أضعاف، وان هذه الآلية حافظت على 30 في المئة من حجمها بعد التوقيع على الاتفاق النووي. ومن المتوقع أن تتضاعف بعد الانسحاب الأمريكي منه.

وإلى جانب العقوبات الأمريكية على البنوك الإيرانية وملاحقة البنوك الدولية التي قد تتعامل مع إيران، فإن هذه العقوبات طالت أيضا قطاع النقل البحري، خصوصا الجانب المتعلق بمسألة التأمين لحاملات النفط والسفن التجارية من وإلى إيران، وهذا ما يرفع مستوى المخاطر في التعامل مع هذا البلد، ويتضاعف على مستوى الشركات الصغرى، وفي ظل هذه الأوضاع فإن إيران ستكون مجبرة لتقديم محفزات تطال تخفيض أسعار النفط إلى جانب تأسيس شركات تأمين صغيرة في الخارج والتعاون مع شركات تأمين ثانوية خصوصا آسيوية لتوفير غطاء التأمين للحاملات التي تنقل النفط إلى الأسواق التي تستقبل المنتج الإيراني المهرب.

وقد تعمد إيران كما في السابق إلى رفع أعلام دول آسيوية وأفريقية صغيرة لتوفير حرية التحرك لبواخرها وحاملات النفط ونقل تسجيلها من إيران إلى بلدان أخرى ما يوفر لها التحرك بعيدا عن مراقبة الأمريكيين، إضافة إلى استئجار البواخر بأسعار مرتفعة جدا.

ومن الممكن ان تعمد إيران للجوء إلى عملية تخزين النفط في البحر وعلى حاملات نفط كبيرة وضخمة إلى جانب تخزين كميات منه في بعض البلدان، وهو أسلوب اعتمدته في الالتفاف على العقوبات الدولية السابقة.

وقد تلجأ إيران إلى استيراد ما تحتاج له من مواد تحت غطاء المواد المستثناة من العقوبات (الغذاء والدواء) واستخدام بعض البنوك الآسيوية الصغيرة والتعامل مع مطارات أوروبية وآسيوية هامشية لاستخدامها في شحن ما تحتاجه من بضائع.

وتعتقد إيران ان الرغبة الأمريكية في تصفير صادرات النفط الإيراني غير عملية في المدى المنظور، خصوصا لجهة حجم العرض والطلب في السوق ونقص الإنتاج في هذا القطاع، ما يعني وجود صعوبة في تعويض النفط الإيراني. إضافة إلى أن إيران تتميز بتعدد جيرانها والحدود البرية التي تربط بينها وبينهم، وهي دول كبرى مثل تركيا وباكستان ومن السهولة أيضا التعامل مع دول أخرى في مجال النفط. وهو ما يقلل التوتر الإيراني في إيجاد بدائل لتصريف نفطها والحصول على عائداتها. يساعدها في ذلك حجم الاحتياطي المالي من العملة الصعبة الذي تمتلكه والذي يعطيها امكانية الاستمرار في الحصول على المواد الرئيسية التي تحتاجها. إضافة إلى قيام وزارة النفط بتوفير الأرضية الضرورية لزيادة الاستثمارات في القطاع النفطي وتقديم عقود تشجيعية، ساعد فيها ان طهران قامت بعد الاتفاق النووي بتوفير ما يحتاجه قطاع النفط في مجال المصافي والبتروكيميائيات والاستكشاف.

وقد تلجأ إيران إلى تفعيل العمل في بورصة النفط التي انشأتها قبل أشهر مع بدء العقوبات الأمريكية، وستعمد إلى تسهيل بيع هذا المنتج إلى القطاع الخاص واستخدام المناطق الحرة لبيعه بعد توسيع المشاركة الخاصة في هذه المناطق. وستحاول استغلال حاجة الأسواق الدولية لمنتجات البتروكيميائيات والتي تلبغ حاليا نحو 60 مليون طن ومن الصعوبة للمستورد الأجنبي أن يجد بديلا لها من الأسواق الأخرى. ما يعني وجود صعوبة في فرض وتوسيع العقوبات لتشمل قطاع البتروكيميائيات.

في المحصلة، يبدو من البديهي إذا ما أرادت إيران تحقيق نجاح في الالتفاف على العقوبات الأمريكية ان كان عن طريق التعاون السري مع الشبكات المالية الدولية أو عن طريق تبادل النفط بالبضائع، فإن الثمن سيكون باهظا وأعلى من الوضع الطبيعي، ما سيحول إيران إلى سوق للشركات الصغيرة والتي تنمو على هامش أي عقوبات أو الاقتصادات التي تعاني من مستوى عال من الفساد. بانتظار أن تصل الأمور بين واشنطن وطهران إلى مرحلة يقتنع فيها الطرفان بضرورة الجلوس إلى طاولة المفاوضات على أساس الاتفاق النووي السابق أو اتفاق آخر جديد لا يمس جوهر السابق ويعطي لواشنطن الحصة الأكبر والأساسية من التعاملات التجارية مع إيران وتخفض مستوى ما يعتبره الرئيس ترامب غبنا تعرضت له أمريكا عند التوقيع على الاتفاق النووي وتقاسم الاستثمارات مع الدول المشاركة في الاتفاق على حساب الحصة الأمريكية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية