قبل أيام احتفلت «القدس العربي» بمرور 30 سنة على انطلاقتها الأولى، في نيسان (أبريل) 1989، وكانت لهذه المناسبة صفة شخصية عندي، لأنّ أوّل مقال لي في هذه الصحيفة نُشر بتاريـــــخ 6 نيسان (أبريل) من العام 1990؛ وكان تعليقاً سياسياً قصيراً بعنــوان «عشيّة البيريسترويكا الثانية»؛ ومنذئذ، وحتى الساعة، لم أتوقف عن الكتابة الدورية في أعمدة «القدس العربي» الثقافية والسياسية.
وإذْ أشير إلى هذا التفصيل تحديداً، وأقصد مساهمتي الأولى، فلأنني أعلّق بعض المغزى الخاصّ على ابتدائي في الصحيفة بمادّة سياسية وليس بمادّة ثقافية؛ وكان الحقل الثاني هذا هو اختصاصي المُعلن بمعنى ما، الذي كنت أخوض فيه منذ مطلع السبعينيات، في ميدان النقد والنظرية الأدبية والدراسات الثقافية. والمغزى، من وجهة نظري الشخصية بالطبع، ظلت تغذيه واحدة من أبرز سمات «القدس العربي»: احتضان الرأي الآخر، اليتيم أو ذاك الذي بات غريب الوجه واليد واللسان بعد «عاصفة الصحراء»، حين أخذت أعراف ما سُمّي آنذاك بـ«النظام العالمي الجديد» تحرق الأخضر واليابس في الإعلام العربي إجمالاً، وفي الإعلام العربي الخارجي بصفة خاصة.
كانت فورة العاصفة تلك تشتغل وفق منطق المنشار، فتأكل الأقلام في الرواح والمجيء، وتكسب كلّما رفعت أثمان التكسّب، حتى لاح مراراً أنّ القلّة القليلة التي لا يأتي عليها ذلك المنشار الجهنمي هي ــ وفق منطق البقاء الطبيعي ــ الأقلية المرشحة لانقراض وشيك ينبغي أن يكون مُطبِقاً ومحتوماً: إمّا أن تكون معهم (قلماً مكشوف الولاء سقيم الأدوات، أو قلماً مبطّن الولاء سفسطائي الأدوات… لا فرق)؛ أو لا تكون البتة، لأنك لست معهم (أمامهم أو خلفهم، على يمينهم أو يسارهم… لا فرق هنا أيضاً).
بدأت «القدس العربي» حاضنة أولى ــ وأكاد أقول: وحيدة ــ لكلّ ما هو ضدّ المنشار ذاك، في السياسة الدنيا التكتيكية، كما في السياسات العليا الستراتيجية؛ وفي الثقافة البسيطة القاعدية، كما في الثقافة المعقدة الكونية. وكان كتّاب هذه الصحيفة بمثابة أطياف عجيبة، تتعايش داخل نسق عجيب: ماركسيون وقوميون وإسلاميون، أبناء حداثة راديكالية أو تنوير عصري أو سلفية معتدلة، معارضون من كلّ طينة وتيّار وهوى، في السياسة والأدب والاقتصاد والمجتمع. قاسم مشترك أعظم كان يجمعهم على صفحات هذه الصحيفة: أنهم ليسوا ضحايا المنشار الإعلامي إياه، الأمر الذي كان يعني أيضاً أنهم محرومون من نِعَمه ومزاياه.
وحين كتبت مقالي الأوّل ذاك، بطلب من الصديق القاصّ والصحافي السوري الراحل جميل حتمل (1956 ــ 1994)، الذي كان مراسل «القدس العربي» في باريس؛ كانت الصحيفة ممنوعة من التوزيع في الأراضي الفرنسية، بسبب موقفها من حرب الخليج الثانية كما قيل لنا فيما بعد، ولأنّ فرنسا فرنسوا ميتيران كانت منخرطة في تحالف»درع الصحراء». كيف يحدث أن تضطر فرنسا، بلد فولتير واليعاقبة والأنوار وحقوق الإنسان والكومونة، إلى منع صحيفة تصدر من لندن، أيّاً كانت اتجاهاتها الفكرية والسياسية؟ هذا السؤال كان كافياً، في ذاته، لكي أجد نفسي متطوّعاً فورياً، ومتحمساً فخوراً، للكتابة هنا.
اعتبار آخر جوهري شدّني إلى أعمدة الرأي السياسي في الصحيفة، أسوة بالمادة الثقافية، أو أكثر أحياناً؛ هو أنها كانت المنبر الإعلامي العربي الوحيد ــ وأشدّد على المفردة، مجدداً: الوحيد ــ الذي فتح أعمدته، على وسعها، لنقد نظام حافظ الأسد، ثمّ وريثه بشار الأسد. في تلك الحقبة كانت الغالبية الساحقة من وسائل الإعلام، الصحف والفضائيات خاصة، في واحدة من منزلتين: إمّا ساكتة، كلياً، عن جرائم النظام المتعددة، داخلياً وعربياً وإقليمياً؛ أو مطبّلة له ومزمّرة لشخوصه، من الأسد الأب إلى ابنه، هبوطاً إلى زبانيته. وليس غريباً، استطراداً، أنّ الصحيفة بقيت، ما خلا فترة قصيرة لم تتعدّ الأشهر، ممنوعة من التوزيع في سوريا، وما تزال هذه حالها حتى اليوم.
ولقد تطورت «القدس العربي» كثيراً، بالطبع، وفي ظنّي أنّ تطوّرها اتخذ معدلات عالية لم يكن يتوقّعها روّاد الصحيفة الأوائل المؤسسون؛ أولئك الذين ظلوا صابرين وصامدين، طوال ربع قرن تقريباً، خلف مكاتبهم المتواضعة في شارع «كنغ ستريت». مصداقية الصحيفة تراكمت بمتوالية صاعدة، وهندسية أحياناً؛ وأرقام التوزيع ارتفعت وترتفع كلّ يوم؛ والقارئ تنوّع أكثر فأكثر، وأسبغ على مفهوم المنافسة المهنية طابع الانحياز الأخلاقي الصريح إلى صحافة مختلفة، متواضعة الإمكانيات ولكنها غير متواضعة الطموح. لم يكن محمود درويش هو الوحيد الذي يحرص على نشر قصيدة جديدة له في «القدس العربي»، بل كان سعدي يوسف حريص على هذا بالمثل، وكذلك كان أدونيس؛ إذا شاء المرء أن يضرب مثالاً من الأسماء الأبرز في الشعر.
واليوم، ربما أكثر من أيّ وقت مضى، بعد انكشاف الكثير من الأستار وانفضاح الأسرار وسقوط المزيد من الأكاذيب؛ تبدو «القدس العربي» أشدّ رسوخاً ومنعة، أرقى في المستوى المهني، وأعلى في الواجب الأخلاقي. خصومها يعترفون، وأصدقاؤها يبتهجون، وقارئها يمنح من الثقة ما يثلج الصدر فخراً ويثقل الكتفين مسؤولية.
ومن جانبي، أحـــــد كتّابها/ محاربيــــها القدماء، أحتفل بالذكرى التاسعة والعشرين لمقالي الأوّل على صفحاتها: أكثر اعتزازاً من ذي قبل، وأشدّ وفاء وانحيازاً و… عناداً!