محمد عبد الحكم ديابما زالت توابع ثورة 25 يناير المصرية تتوالى؛ كان آخرها حل جهاز مباحث أمن الدولة منذ أيام. وكشف مقال السبت الماضي سوء تقاليد وفلسفة وثقافة ذلك الجهاز المتوحش، ويصل فيه السوء حد نسج قصص لا علاقة لها بالحقيقة والواقع، وتلفيق تهم وهمية وباطلة لا تصدق. وهو الذي جعل مني قائدا لمجموعة مسلحة تعمل من جنوب لبنان ضمن وحدة سميت وحدة الشهيد أحمد بدوي قائد القوات المسلحة المصرية الراحل وذلك في مطلع ثمانينات القرن الماضي، مع أنني لم أزر الجنوب اللبناني في حياتي.ومنطق الأشياء يقول أن من يعارض حكما بضراوة ووحشية حكم مبارك المخلوع فإنه يركز كل جهده ضد ذلك الحكم البغيض. ومن الواضح أن التهمة اندرجت تحت بند العمل النوعي المسلح وليس النشاط السياسي المعارض. وإن كان ملف ذلك الاتهام أعد قبيل اغتيال السادات كما تنص وثائق أمن الدولة، فإنه فُتح مرة ثانية بُعيد الاغتيال.ومن يطلع على تلك الوثائق يجد أنه اتهام غريب، بعد اعتراف مرتكبيه. وهذا ذكرني بتهمة حوكم بها الأكاديمي وخبير الهندسة العالمي ممدوح حمزة أمام القضاء البريطاني؛ وبنيت محاكمته على معلومات ثبت عدم صحتها مستقاة من أجهزة الأمن المصرية، وكانت تهمة التآمر لاغتيال وزير الإسكان الأسبق محمد إبراهيم سليمان، وعدد آخر من الشخصيات الرسمية والحزبية وانتهت بالبراءة.من ناحية أخرى فإن التهمة التي حوكمت بها في القضية رقم 1/ محكمة قيم كان التلفيق فيها واضحا؛ حيث حدثت في وقت كانت فيه رغبة السادات ومبارك جامحة لتشويه صورة وسمعة بطل العبور الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي لدى الرأي العام؛ كانت التهمة هي الانضمام إلى الجبهة الوطنية المصرية في الخارج. وقد يجد الراصد شواهد تبرر ذلك التلفيق على العكس من تهمة العمل المسلح في الجنوب اللبناني، ويمكن التعرف على بعض الشواهد برصده العلاقة التي قامت بيني وبين الراحل البطل؛ فأنا ككثيرين من المشتغلين بالكتابة والمهمومين بالعمل العام كنت مشدودا إليه برغبة ملحة للتعرف على خفايا حرب 1973، وحين اقتربت منه لمست فيه تقديرا خاصا للشباب الذين ارتبطت بهم في ذلك الوقت، في ‘اتحاد الشباب الناصري’، وللفريق الذي عملت معه في صحيفة ‘الناصرية’، مطلع ثمانينات القرن العشرين، ونشرت الصحيفة أحاديث ومقابلات ومقالات للفريق الشاذلي رحمه الله، وكنت أجري الأحاديث والمقابلات بنفسي، وترتب على ذلك أن توطدت علاقتي به حين كان مقيما بالجزائر واستمرت بعد عودته لمصر. هذا الارتباط المهني والإنساني لا تقبل به الأجهزة الشيطانية فتصادر عليه بتلفيق التهم، بغض النظر عن صحة المعلومات من عدمها.لم تقتصر التهم عليّ وحدي وامتدت إلى أهلي وأصدقائهم، وتوضح التقارير عدم فهم طبائع وتقاليد الأسر الريفية أو ذات الأصول القروية، وموقفها من الحياة والمرض والموت، فمن يتربى في مثل هذه البيئة لا يتمنى الموت لخصومه فضلا عن عدم الشماتة في مرضهم.يقول ‘تقرير أخبار بتاريخ 19/ 11/ 1981 من الرائد/ محمد صادق قسم النشاط المحلي..تنظيماتالموضوع: حول الحالة بناحية بشتيل مركز امبابةالمصدر: أ/1 والتقرير يحمل رقم 10613/81الوقائع: وردت معلومات تفيد: ‘ أنه عقب اغتيال الرئيس الراحل/ محمد أنور السادات قامت أسرة المدعو/ عبد الحكم محمد دياب بناحية بشتيل مركز امبابة بالجيزة باطلاق الزغاريد رتوزيع المشروبات تعبيرا عن فرحتهم بهذا الحادث وأطلق بعضهم الطبول وقد اشترك في هذا العمل كل من عبد الحكم محمد دياب ويوسف عبد الحكم محمد دياب وحسام عبد الحكم دياب وعبد الفتاح أحمد عبد الكريم جار المذكورين. ‘ هذا ومن المعروف أن الأول والد المدعو/ محمد عبد الحكم دياب المقيم بليبيا منذ مدة طويلة والمنضم إلى الجبهة الوطنية بالخارج والتي يرأسها الفريق متقاعد سعد الدين الشاذلي ومن المتهمين المحالين إلى المدعي العام الاشتراكي مؤخرا وهذه الأسرة من العناصر المناهضة لنظام الحكم الحالي.التعليق: ورقمه مدون بخط اليد م ش/ 17432′ محمد عبد الحكم دياب ـ طليعي سابق موضوع عدة مكاتبات آخرها رقم 9177/81 في 1/ 10/ 1981 ومحال إلى محكمة القيم ضمن مجموعة الفريق متقاعد سعد الدين الشاذلي’.واختتم التقرير بعبارة جاري المتابعة وكان موقعا من لواء مفتش مباحث أمن الدولة بالجيزة واسمه منير محيسن.ومن الواضح أن معلومات كاتب التقرير توقفت عند ما قبل إبريل/ نيسان 1977، حيث تقدمت باستقالتي في نوفمبر 1976 وتركت العمل وغادرت ليبيا في ذلك التاريخ.وهناك تقرير أخبار آخر في 9/ 11/ 1982 من: المقدم فتحي المصري..فرع الجيزة، وموجه إلى الإدارة العامة، النشاط العربي؛ حول نشاط المصري محمد عبد الحكم دياب.المصدر: رقم المصدر غير واضح بتأثير الحريق الذي طال الملفات، ورقم التقرير: 14752/ 82ونصه: ‘وصلتنا المعلومات الآتية: (وتحتها رقم آخر م ش/ 17432 مدون بخط اليد)ـ قام المصري محمد عبد الحكم دياب أحد عناصر الجبهة الوطنية المعارضة لنظام الحكم بمصر والتي يقوم عليها الفريق متقاعد سعد الدين الشاذلي بإصدار مجلة اسمها الناصرية من روما..وتتناول الموضوعات التي تهاجم النظام بمصر وتشيد بمبادئ الناصرية.وعُلم أنه صدر العدد الأول من المجلة المشار إليها في شهر ايلول/ سبتمبر الماضي من روما بإيطاليا، ويشارك المذكور في إصدارها السوداني محمد اسحق.التعليق: ـ المصري محمد عبد الحكم دياب غانم/ من مواليد البحيرة سبق عمله بسكرتارية الشباب باللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي بمصر سابقا..ثم غادر البلاد إلى ليبيا في 1972.موضوع عدة مكاتبات آخرها برقم 3773/82 بشأن فحص شكوى ضد أسرته.أضيف سطر بخط اليد نصه: قد جرى درج المذكور على قوائم ترقب الوصول.وخُتم التقرير بعبارة: جاري المتابعةتوقيع: عقيد صلاح سلامة ولواء: مفتش مباحث أمن الدولة بالجيزة منير محيسن.ويتضح من ذلك التقرير عدم صحة المعلومات حول مكان إقامتي؛ لم يكن ليبيا بل بريطانيا، وكذلك عدم صحة عنوان صحيفة ‘الناصرية’ وكان لندن وليس روما، أما تاريخ صدورها فهو حزيران/يونيو وليس ايلول/ سبتمبر 1982؛ عن دار نشر تحمل نفس الاسم.أما عن الزميل والصديق الراحل محمد اسحق رحمه الله كان يتحرك ما بين روما ومالطا، وأصدر مطبوعة دورية ذات طابع تاريخي. وتعددت التقارير عن الفترة من 20/ 1/1981 حتى 17/3/1982. وفي أحداها يشير إلى أنه لم يستدل أن لأي من أفراد أسرته نشاط شيوعي بدائرة الفرع (أي فرع الجيزة).ماذا تحوي التقارير الأخرى بعد تلك الفترة؟ وماذا عن التحقيقات التي جرت معي بالمقر الرئيسي لمباحث أمن الدولة بلاظوغلي بالقاهرة، وركزت على اتهام أساسي هو ‘العمل على قلب نظام الحكم’، وقد أضحكني هذا الاتهام كثيرا عندما استمعت إليه للمرة الأولى. ولم تتطرق التقارير التي اطلعت عليها إلى ما نشر في الصحف الصادرة في السادس عشر من تشرين ثاني/نوفمبر1981 عن نص وقائع حكم ما عرف بقضية الشاذلي. فقد جاء في ‘الأهرام’ أن كل وثائق الإدانة كانت عبارة عن ‘التسجيلات التي قدمها مساعدو المدعي الاشتراكي، وهي عبارة عن شرائط تحوي البيانات والأحاديث التى أذاعها الفريق المتقاعد من إذاعات دول الرفض’. ومن غرائب القضية أن المحكمة رفضت الاستماع إلى مرافعة الدفاع؛ استنادا إلى إلمادة 37 في قانون إنشاء هذه المحكمة الاستثنائية، التي تقول: ‘إذا لم يحضر من أحيل إلى محكمة القيم بعد تكليفه بالحضور جاز للمحكمة أن تقضي في الدعوة في غيبته بحكم غير قابل للمعارضة وتفصل المحكمة في هذه الحالة بعد سماع أقوال ممثلي المدعي الاشتراكي’ وبعد أن استعرضت المحكمة وقائع القضية خلال الجلسة التي استمرت 4 ساعات أصدرت برئاسة المستشار أحمد رفعت خفاجي حكمها على تسعة عشر متهما على رأسهم الفريق الشاذلي وعدد آخر من بينهم الراحل عبد المجيد فريد، وحكمت أبوزيد أطال الله في عمرها، والراحلان محمود أمين العالم وغالي شكري، وكاتب هذه السطور.من هنا نعلم أن الاستبداد والفساد والتجاوزت بدأ مبكرا؛ معتمدا على المحاكم الاستثنائية، ومنها هذه المحكمة ‘المَسخَرة’ التي لا نظير لها؛ والمسماة بمحكمة القيم، والقانون الذي أنشأها وعرف بقانون العيب.إن ذلك أطلق العنان لعائلة مبارك المخلوعة؛ فملكت السلطة والثروة، وتحكمت في الأعناق والأرزاق، وأقصت من ينازعها النفوذ والسلطان. كانت أدواتها المال لشراء الذمم والأمن للبطش بالناس. وفي هذا المناخ استمد جهاز أمن الدولة تَجبّره، وما زال يعمل على هزيمة الثورة؛ فينشر الذعر بين المواطنين، ويدير حربا نفسية ضارية ضد الثوار، ويحرض على المطالب الفئوية والفتن الطائفية، ويعوق عودة الشرطة بكامل طاقتها إلى الشارع. ولديه التمويل الكافي من رجال أعمال جمال مبارك؛ يغطي به تكلفة استئجار البلطجية والصرف على أرباب السوابق والخطرين على الأمن وقوى الثورة المضادة، لكن يقظة المواطنين واعتماد الشعب على نفسه وتصديه لزبانية ذلك الجهاز أسقط الرهان على الفوضى والفتنة والاقتتال؛ وهذه أهم عقبة أمام عودة ذلك الجهاز إلى سطوته من جديد!!’ كاتب من مصر يقيم في لندن