يأتي هذا العمل المتميز«سفينة مالوف بالخط العبري» لليلى الحباشي؛ في إبانه. وهو كما وسمته صاحبته نقل وتحقيق لـ«سفينة» أي كنش يحوي مجموعة من الموشحات والأزجال والقصائد المغناة؛ وإن كان في تقديري أقرب إلى «التخريج»، أو لعله هذا وذاك في الآن ذاته.
فالباحثة اعتمدت مخطوطة عبرية هي «سفينة مالوف» منسوبة إلى التونسي الحاج الشيخ علي بن عبد ربه الفداوي، تعود إلى الثمانينيات من القرن التاسع عشر، واستأنست بالمنشورات المخصوصة بالمالوف والموشح والفن الأندلسي عامة، التي أصدرتها وزارة الثقافة التونسية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد بذلت الباحثة جهدا في تخريجها ونقلها إلى العربية، ذلك أن كتابتها بالعبرية، شابها على ما يبدو قدر من التصحيف، لأسباب قد يكون مردها إلى الأصل العربي، إذ يمكن أن يسهو الناسخ؛ فيغير الضمة إلى الفتحة أو الكسرة، أو ينقل الحاء إلى الخاء، والدال إلى الذال، وما إلى ذلك مما شاب كثيرا من المخطوطات العربية القديمة التي قلما سلم بيت فيها من تصحيف وتحريف، وبرئ من شبهة ولبس. يأتي هذا العمل في إبانه كما ذكرت، إذ يطرح التونسيون منذ ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 قضايا الهوية واللغة والدين وما إليها؛ وهي قضايا لا تخوض فيها الباحثة، إذ هي ليست من مشمولات عملها؛ ولكن هذا الكتاب يبين، بدون قصد من ناسخه العبري، ومن ناقلته إلى العربية، أن اليهود التونسيين كانوا قبل الفتح العربي ومنذ العهد الأندلسي جزءا لا يتجزأ من ثقافة بلاد المغرب، حيث كانت الأفكار مثلها مثل الأشياء، تتنقُل وترحل وتهاجر، وتلتف ويلوي بعضها على بعض؛ دونما حاجة إلى ختم أو إشارة إلى مكان صنعها أو تاريخه، وما إلى ذلك مما تحفل به الحضارة المعاصرة، وتشترطه المواثيق التجارية. كانت «الأفكار» كما الناس تنتقل ولا وسيط لها إلا نفسها، أو ربما من الشيء الذي تتمثله، أو من الجسد البشري الذي يحملها معه، وهي المحفورة فيه، في حله وترحاله.
كانت هناك «فصاحة» العربية، و«فصاحة» اللاتينية، واللهجات من أندلسية وعبرية و«رومانس» في شبه الجزيرة الإيبيرية، وغاليسية في «لوزيتانيا» (البرتغال) و«بروفانسال» في جنوب فرنسا، وما إليها من لهجات ولغات محلية رطنَ بها أهلها وغنوا فيها وبها.
كان المتوسط الذي لا نزال نقيم على ضفتيه أشبه بمنزل أو بيت تتردد فيه أصداء شتى من لغات نشأت على ضفافه، أو هي وفدت عليه مع من وفد من الغزاة والفاتحين. أصداء طواها النسيان، وأشياء عفى عليها الزمان، فهي تلوح كباقي الوشم، أو هي أشبه بشواهد القبور في «جبانة اللغة»؛ حتى أننـي، لكي أنتقل من نص عربي في موشح ابن قزمان أو القزاز، إلى نص إفرنجي أو خرجة من لاتينية أو إسبانية العصور الوسطى ـ أحتاج إلى عكاز الترجمة، كي أزيح غشاوة اللغة عن عيني، وأفهم، وأسلك إلى الأصل.
وهو ما لم يكن يستشعره هؤلاء الوشاحون الأندلسيون من عرب ويهود.
يثبت ابن حزم الأندلسي في مصنفه «جمهرة أنساب العرب» أن العرب الأندلسيين أو البربر الأندلسيين عامة وخاصة، رطنوا بلغة الإسبان، وتكلموها مع العربية؛ حتى أنه وهو يستقرئ في جمهرته شجرة النسب؛ لم يجد في كل الأندلس سوى قبيلة عربية واحدة حافظت على عربيتها وعادات أهلها.
ويقول السويسري دني ده روجمون أن الزجل الأندلسي كان رافدا من أهم روافد الشعر عند غيوم التاسع، وأن ظهور مفاهيم «الواشي» أو «العذول» كان من قبيل الرمز في هذا الشعر البروفنسي، ويلاحظ أن صورة «الحبيبة» أو «السيدة» مما أفضى إلى تقديس العذراء في القرن الثاني عشر، حتى أن لعبة الشطرنج التي كانت تحوي أربعة ملوك، تغيرت ـ بتأثير من ذلك ـ إذْ استُبدلتْ ملكتان بملكين ؛ لتكون أمام كل لاعب «سيدة» إلى جوار «الملك».
يثبت ابن حزم الأندلسي في مصنفه «جمهرة أنساب العرب» أن العرب الأندلسيين أو البربر الأندلسيين عامة وخاصة، رطنوا بلغة الإسبان، وتكلموها مع العربية؛ حتى أنه وهو يستقرئ في جمهرته شجرة النسب؛ لم يجد في كل الأندلس سوى قبيلة عربية واحدة حافظت على عربيتها وعادات أهلها.
ليس من مقاصدي أن أخوض في تفاصيل المالوف أو في خفايا فن التوشيح وكوامنه، وما يتعلق بقضايا نشأته. ولكنني أعرف أنها قضايا مطروحة لا تزال تثير ما تثير من الأسئلة الشائكة؛ وخاصة ما يزعمه بعض المستشرقين الإسبان عن «حق» كما يرجح الباحث التونسي سليم ريدان، من أن أصل الموشح في ألحانه، وليس في نصوصه الشعرية؛ يرجع إلى إرث إسباني سابق للإسلام. على أن هذا الكتاب هو في تقديري، من الأعمال القليلة التي يمكن أن يفيد منها الباحث في التوثيق لفن المالوف التونسي، ولكنني وددت لو شفعته ليلى بمعجم للمصطلحات، وكل ما يتعلق بالموسيقى والإيقاع. وربما توقعنا منها بحثا مستفيضا في نشأة هذا الفن، وفي المؤثرات التي اكتنفت وضعه؛ وهي قادرة على ذلك كما تدل عليه سيرتها العلمية المتميزة. وربما وددنا لو نصت في هذه «السفينة» على ما جاء موزونا منها على بحور الشعر العربي. والمسوغ لذلك هو إبراز هذه المراوحة في المالوف بين فصيح وعامي مأنوس. فالفصيح يحكمه الوزن والنحو، أي النحو المعياري الذي يتخذ من الفصحى، باعتبارها لغة مثالا أو لغة معيارية موضوعا له، على حساب الاستعمالات اللغوية الأخرى، ويعزز وشائج القربى بين مفهوم النحوية ومفهوم الصواب النحوي. و أما العامي التونسي في هذه»السفينة» فأساسه نطق بأسلوب مخالف للمألوف. ولعل في هذا ما يغري بالبحث في مصطلح «اللحن» لغة ونحوا وموسيقى للوقوف على سر هذه المزاوجة بين الأوزان العربية المعروفة وأوزان المالوف. ونحن نعرف أن من القدامى من ذهب إلى أن علم العروض وجد قبل الخليل، وأن الخليل تأثر فيه بآداب الأمم الأخرى (العروض الهندي السنسكريتي)؛ فما بالنا بالمالوف والموشحات التي ظهرت في بيئة كانت تخالطها عناصر وأمشاج، من مكونات عربية وغير عربية مثل العبرية ولاتينية العصور الوسطى.
حتى إذا انتقلنا إلى المالوف والموشح، استوقفتنا معضلة أوزانه. وكان ابن سناء الملك (القرن 12) أول من طرحها. ثم تلقفها واستدرك عليه، المستشرق الألماني هارتمان (القرن 19)، فالإسباني كورينطي، فسيد غازي، فالتونسي سليم ريدان الذي يقدم أطروحة «جديدة» أساسها رهان معرفي منه على ضرورة الربط بين الشعر والموسيقى. ومسوغات طرحه، أن المصطلح النقدي المخصوص بالموشح، يحفه غموض غير يسير؛ بسبب انتمائه إلى نظرية عمود الشعر، وعروض الخليل؛ أي إلى مجال غير موسيقي، والموشح، باستثناء الموشح الشعري الذي هو أقرب إلى القصيد منه إلى الأغنية «كان ثورة صامتة على الشعر»، ولا ينتظمه أي وزن من أوزان العرب المعروفة، وحتى المهملة. وعروضه ـ إذا جوزنا هذا المصطلح ـ ألحان موسيقية مصطفاة صاغتها ثقافات البحر الأبيض المتوسط، وتحديدا ثقافة الأندلس التي كانت مثاقفة تشكلت في سياق تاريخي مخصوص؛ إذ لم يواجه الإسلام نظما فكرية راسخة كانت لها سطوتها، مثل فلسفة اليونان وعلومها، أو آداب فارس وحكمة الهند. وإنما وجد المسلمون كما يقول موريس لمبار، رواسب من حضارات وثقافات كانت تشكل « نمط حياة» أو «أسلوب عيش»، لها أنساقها المعرفية لا شك. بيْد أنها لم تشكل عائقا يذكر في مجال الإبداع الفني، لارتباطه باليومي والمعيش الحي.
والعربية لغة مطردة مصقولة على نحو غير معهود، أو هي «لغة رياضية» كما يقول روجي ألان، محكومة بخطة الاشتقاق الوزني، وتطرد على نسق محكم من سلاسة الأوزان وسهولة المأخذ. وما أزال أتذكر وأنا طالب في السنة الأولى، قول المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير؛ في درس له أواخر الستينيات في الجامعة التونسية، وهي في أول حُدثانها؛ أن «الجذر التربيعي» هو كُنه اللغة العربية وأصلها. والعربية هي اللغة السامية الوحيدة التي ترتكز على وزن واحد، كما ذكرت في مقال سابق؛ تتولد منه فروع اللغة وأغصانها وأوراقها. ومن الميسور في كل الحالات تقريبا، إرجاع كل الكلمات العربية من أسماء وأفعال، إلى ذلك الجذر؛ ما جاء منها على وزن اسم الفاعل أو على وزن اسم المفعول أو المصدر أو اسم الآلة أو أفعل التفضيل، والأغرب الآسر، أن كل هذه الصيغ الاشتقاقية صيغ وزنية إيقاعية. وبسبب من ذلك سماها العرب أوزانا، لا في علم العروض فقط، وإنما في علم الصرف أيضا. وعددها لا يتجاوز العشرين. وربما شذ بعضها، ولكن بدون أن يخل بالقالب أو ينال منه. وهو رأي سلفستر دي ساسي أيضا، إذ يوضح ما تتميز به العربية من قابلية الجذر الواحد لأن تشتق منه صيغ كثيرة. وهذه في تقديره أمارة على غنى العربية، بل تجعلها أكثر سهولة. وهذا وغيره مما قد يحسر فكر القارئ العادي أو يكدّ ذهنه، قد يسوغ القول بضرورة قراءة المالوف في هذا الأفق اللغوي الأوسع، أو في مخبر يضم أساتذة الموسيقى وأساتذة الأدب وتحديدا الشعر.
٭ كاتب من تونس