حين رحل الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم احتل «ديوان الوطن المحتل» مساحة الرؤية، وعاد نضرا في ذاكرتي بغلافه الأسود وذلك اللون الأحمر الدموي المنثور في وسطه، عادت الكلمات لتعيد إيقاع خطواتي الأولى نحو الوطن إلى قلبي، تذكرت هذا الديوان وإحساس كبير بفقدانه يغمرني، تذكرته لأني عرفت فيه الشاعر سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق زياد، وظل اسمه من خلال هذا الكتاب مرتبطا باسميهما، وظلوا جميعا في ذاكرتي شعراء شبابا يقارعون الاحتلال بعناد اللغة وقوة المعنى، ورغم اختلاف التجربة الشعرية لكل منهم عن الآخر إلا أن خيطاً خفياً ظل يربطهم إلى بعضهم بعضا بقلبي، وظلوا في وجداني «شعراء الوطن المحتل»، رغم هجرة درويش واحترافه جدلية الوطن والغربة.
لا أعرف متى تم اقتناء الديوان في منزلنا، لكن وجوده كان راسخاً في المكتبة، وكان يشد عينيّ كيفما جالتا في المكان، وأذكر كيف كانت أصابعنا الصغيرة أنا وإخوتي تبحث في صفحاته عن قصيدة او بيت شعر يشعل فلسطين فينا، كنا نبحث عن الأشعار كي نحفرها على مقاعدنا المدرسية، كي نطرزها على الجدران، أو نكتبها على دفاترنا وكتبنا كفاتحة لحب الوطن، كان هذا الكتاب مرجعنا في أغلب مواضيع الإنشاء والتعبير، وكان هذا الديوان يبعث فلسطين في قلوبنا نبضاً حياً وبركاناً يشتعل شوقاً لوطن لم نعرفه، مازلت أذكر أطرافه المهترئة، وكيف كانت كلمات هؤلاء الشعراء الذين أصبحوا صنواً لفلسطين عنواناً لأحلامنا وآمالنا وغضبنا وحريتنا وتمردنا، أذكر كيف كان الشعر يأخذنا إلى ذواتنا وأنفسنا وكينونتنا في عالم كانت أولى أبجدياته فلسطين واللجوء، كنا نتلمس وجعنا في كلمات نُسجت تارة من نار وأخرى من حرير على خلفية من رخام.
تذكرت هذا الكتاب وشعرت أني أفتقده ليس اليوم فقط، بل من لحظة ارتحالي على صهوة قلق المكان، فليس الأصدقاء فقط من رحلوا أو رحلت عنهم، ولكن الكتب التي شكلت وعيي ورسمت كينونتي وأحلامي ضاعت في رحلات غربتي واغترابي.. لحظة سماعي خبر رحيل الشاعر سميح القاسم كنت أود أن أمسك هذا الكتاب بين يديّ وأعاود تمرير أصابعي على الكلمات لأستعيد وهجها في روحي.. كنت أريد أن أستعيد لحظات تشكل الوطن والحنين والهجرة في قلبي.. كنت أريد استعادة أماكن توقفي وأماكن مروري على الكلمات التي ربما كنت أفهمها أو لا أفهمها، كنت أريد أن أبحث عن عبث قلم الرصاص على الصفحات، ولكن للأسف، غياب الكتاب الذي تعشق بأحلامي وذكرياتي كان فقداً آخر ووجعاً فوق وجع.
حين قام الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب بجمع أشعار هؤلاء الشعراء الشباب عام 1968، لم يكونوا قد وصلوا إلى ذروة شعرية الكلام وبلاغته، لكنهم كانوا صوت الصامدين البعيدين هناك في وطن الذاكرة، كانوا صرخة الغائبين المغيبين في أرضهم، فمن خلال صفحات هذا الكتاب كنت أرسم ملامح فلسطينية العينين والوشم في مخيلتي منقوشة بكلمات محمود درويش، وشبّابة توفيق زياد المعبأة بأنفاسه الخضــــراء، وكنت أمضي وأنا أغني أغاني الدروب التي نثرها سميح القاسم في حماستنا من رؤاه وروعة دمائه… وحــــين رحل سميح القاسم اكتملت دائرة الفقـــد ورحل ما تبقى من محمود درويش وتوفــيق زياد.
حين رحل سميح القاسم شعرت وكأنني أفقد آخر الأوراق التي تشبثت بذاكرتي من ذاك الكتاب وفقدت الأمل بأن تمر أصابعي على ذاكرة الصفحات إلا شذرات من وجع، رحيل القاسم ذكرني بأني فقدت الكثير مذ فقدت دفء جدران بيتنا الأول، فقدت حميمية المكان حين لم يبق منه غير وهج الذاكرة، اعتدت أن أستغني عن كل عاداتي، تعلمت أن أسكن المدن وأبقي خيطاً شفيفاً يفصلني عن التعلق بها أو الالتحام بدروبها وحاراتها، صرت ظلاً عابراً في الأمكنة وشعرت بفداحة ثقب الروح الذي تملكني حين أشعل سميح القاسم ذاكرة المكان والكلمات التي خطت أولى أبجديات الوطن في وجداني، حين اكمل مسيرة رحيل الكبار ممن صاغوا حضور الوطن لحظة غياب الجغرافيا، فلماذا أيقظت كل هذا الحزن فيّ برحيلك، لماذا أيقظت بغيابك كل الرحيل الذي يسكنني، أيقظت وجع الذاكرة، فأنا عرفت فلسطين بقراءتي المتلعثمة لقصائدك هناك في بيت هجرتنا في دمشق، في ألفة جدرانها وحنين حاراتها، فكم صارت فلسطين بعيدة حين ابتعدت عني دمشق، وكم صار وجع الأمكنة وفقدها حريقاً يشعل الوجع…
رحلت كما رحلوا جميعاً إلى الغياب وظل وعد اللقاء في سحر الجليل يستيقظ كلما عنّ على البال الحنين، وجالت في النفس قصيدة، رحلت كما رحلوا وتركت أمانيك معلقة كتميمة برقابنا، رحلت وأشرعت نوافذ الذاكرة على وجع الغياب والحنين، رحلت بعد اكتمال طقوس الدوران حول روح الكلام، رحلت فاكتمل الوجع وامتلأت الذاكرة بالنقصان.
٭ كاتبة فلسطينية
سعاد قطناني