يمتنع رامز جلال طوال العام عن تقديم الأعمال الفنية ليدخر كل طاقته وموهبته للموسم الرمضاني الذي يراه فرصة لتقديم المثير والمختلف بعيداً عن مزاحمة المنافسين وطوفان الوجوه الجديدة الذي يتزايد عاماً بعد عام فيُفقده الأمل في تحقيق النجومية خارج اللعبة الخطرة التي يبتكرها ويجتهد في الانفراد بها، مراهناً على روح المغامرة ورؤوس الأموال المتدفقة من شركات الإنتاج العملاقة وحصالة الإعلانات العامرة بالملايين.
الحقيقة التي ينطلق منها رامز في الإصرار على تقديم برنامجه السنوي بمسميات وأجواء مختلفة، هي يقينه بوجود عمر افتراضي للفنان ومدى محدود لقدرته على أداء الأدوار والأنماط الصعبة، سواء في التجارب البرامجية التي تحتاج للياقة البدنية أو الصور الدرامية المرتبطة بمرحلة عمرية معينة، وعلى هذا الأساس يواصل الاستمرار في ما يهواه ويجيده ويضمن نجاحه باعتباره بضاعة مُصنفة ومختبره تمام الاختبار في سوق الدعاية والإعلان، وتتماشى مع المزاج الجماهيري الأعم الذي يبحث عن النوعيات غير التقليدية للتسلية والتي تسمح بمساحة واسعة من الطواف حول العالم ليعايش الجمهور أجواء أخرى تذهب به بعيداً عن همومه ومشكلاته اليومية الضاغطة والخانقة، وهي حالة أشبه بالحُلم الذي يهرب إليه جموع المشاهدين آملين في التمتع باستراحة قصيرة يلتقطون خلالها الأنفاس.
وإذا كانت هذه هي الأسباب المفترضة أو الحقيقية لاستمرار مقالب رامز جلال لعدة سنوات على التوالي، فمن الصعوبة بمكان تحليل الظاهرة البرامجية المستفزة بمعزل عن الظرف والمناخ الاجتماعي والثقافي الذي تنمو فيه، حيث لا تفسير للقبول بالتغييب الإرادي سوى وجود قوه أكبر منه تدفع بالجمهور للتجاوب مع الحالة التي تتفاقم وتزداد حده وخطورة.
والدليل على ذلك، العنوان الجديد لمقلب هذا العام “رامز في الشلال” إذ تتوافر كل مسببات القلق والتوتر والخوف ويوضع الضيف “الضحية” في بؤرة الخطر لتكون دلالات الرعب من شلال الموت هي فكاهة الحلقة ومبعث البهجة والضحك على النجم أو النجمة الذي يسوق القدر إحداهما في طريق مقدم البرنامج البهلوان الذي لم يقنع بالمخاطرة التي يواجهها ضيفه أو ضيفته، بل يتمادى في حبك المسرحية الهزلية باستخدام عبارات السخرية والاستهجان لاستعراض خفة الظل والظُرف المتناهيين ليهيئ المشاهد المغرر به للحالة الكوميدية المصنوعة والمُلفقة، والمتفق عليها في كثير من الحلقات، اللهم غير القليل من المفاجآت الضرورية لزوم ردود الأفعال الواجب رصدها والتركيز عليها حتى لا تنكشف اللعبة الخبيثة وتفسد الطبخة الكوميدية النيئة!
في الحلقة الأولى جاءت الراقصة المعتزلة فيفي عبده على متن طائرة هليوكوبتر لتكون هي مفتتح الحلقات وباكورة النجاح الدعائي للبرنامج الضخم، وحسب السيناريو تم تنفيذ المراحل والخطوات، وفي لحظة الذروة خرجت عبارات الرفض والاستنكار المعتادة ودللت صُفارة التغطية التي تحل محل الصوت على مضمون الكلمات والعبارات وأنبأت حركة الشفاه بما تقوله النجمة وما جرى حذفه في المونتاج، وهكذا تتكرر الحالة مع كل ضيف يفقد أعصابه تحت وطأة الخوف والتوتر أو يُتقن دورة التمثيلي وينفذ المطلوب منه في الخدعة المكتوبة إلى حد الاندماج والإيحاء بصدق الحالة.
ولم تقتصر الورطة على نجوم الفن والتمثيل، ولكنها تشمل أيضاً نجوم الرياضة وكرة القدم، في محاولة لاستثمار الأسماء الشهيرة واستقطاب الشريحة الكروية من جمهور الملاعب إلى ضالة الشاشة الصغيرة فلا تنجو فئه من عبث اللاهين وترزية البرامج المختارة في الشهر الكريم، ففي اليوم الثاني يأتي الدور على كابتن رضا عبد العال ليصبح هو بطل التمثيلية والشخصية المُراهن عليها شعبياً وجماهيرياً وتبدأ المراقبة الحثيثة لرد الفعل ويتبين الواقعي منها والمصطنع حسب القدرة على التمثيل، ولأن الشخصية الرياضية بطبيعتها ليست مُدربة على التقمص والاندماج فقد وقع عبد العال في المحظور وأخفق في أداء الدور بالقدر الذي يكفي لاكتشاف الملعوب.
ولعمل التوازن المطلوب وتحقيق درجة الإقناع جاءت حلقة المطرب اللبناني وائل جسار طبيعية إلى حد كبير، حيث الانفعالات وعملية التصعيد لم يشوبها ما يوحي بالخدعة، ومن ثم وصل إحساس جسار بشكل تلقائي ومباشر إلى الجمهور، وهي حرفة صُناع الحلقات ومنفذيها الذين يحرصون على اكتمال الحدث دون أن يتسرب الشك للمتلقي فيعزف عن المشاهدة ويفقد الثقة في البرنامج والبرامج المشابهة.