السعودية منعت حركة الملاحة والصيد وحولت مطار الغيظة الدولي إلى ثكنة عسكرية

عباس الزين
حجم الخط
0

منذ أكثر من عام تواجه محافظة المهرة، البوابة الشرقية لليمن، مطامع السعودية التي تسعى إلى وصول آمن إلى بحر العرب، ولو على حساب الشعب اليمني وثرواته، مستغلة غياب دولة يمنية قوية قادرة على منعها. وتصر الرياض على تكريس نفوذ عسكري وأمني في محافظة المهرة على وجه التحديد، على الرغم من أنها كانت خارج دائرة الجبهات المشتعلة طوال سنوات الحرب. فما الذي تريده السعودية من تواجدها العسكري والسياسي في المحافظة “الآمنة”؟

احتجاجات مستمرة

تكتسب محافظة المهرة أهمية كبيرة، حيث تعدّ ثاني أكبر محافظة يمنية من حيث المساحة بعد حضرموت، ويوجد فيها منفذان حدوديان مع عمان هما “صرفيت” و”شحن” وأطول شريط ساحلي في اليمن يقدر طوله بـ 560 كم، يتواجد فيه ميناء “نشطون” البحري الاستراتيجي. وتشهد المحافظة منذ نيسان/أبريل العام الماضي احتجاجات مستمرة، ضد الوجود العسكري السعودي فيها، وقد وقعت اشتباكات متفرقة بين القوات السعودية ورجال قبائل من المحافظة خلال الأيام الماضية، حيث لا يزال مواطنو وأبناء قبائل المهرة يتصدون لمحاولات القوات السعودية استحداث مواقع عسكرية ونقاط تفتيش في مناطق من المحافظة، حيث وجهت قبائل المهرة تهديدات متكررة للسعودية وميليشياتها تحذرها فيها من التصعيد أو محاولة السيطرة على مديريات وقرى المحافظة ونشر جنود سعوديين أو ميليشيات تابعة لها.

وجاءت تحذيرات القبائل مؤخرا بعد خرق السعودية لالتزاماتها بتسليم المنافذ الحدودية كما وعدت، إذ تحوّل الشريط الساحلي إلى معسكرات سعودية من الدمخ إلى حوف. وكانت الضغوط الشعبية قد نجحت في دفع السعودية إلى التراجع، قبل أن تعاود تصديها للمشاريع السعودية، إثر قيام الأخيرة بالانقلاب على الاتفاقات المبرمة. وتشير مصادر محلية إلى “وجود انقسام بين النخب والقوى السياسية من جهة التأييد والرفض للوجود السعودي، في حين أن الرفض الشعبي ضد أي تدخل أجنبي يحتل المشهد حيث أن هناك شخصيات بارزة تتصدر هذا الرفض بل وتطلق على التواجد السعودي صفة الاحتلال”. وتؤكد المصادر في حديثها لـ “القدس العربي” أن “لهذا الرفض حاضنة شعبية تتنامى كل يوم ضد التواجد السعودي، الذي أصبح يعطّل الحركة التجارية لأبناء المهرة من مختلف الشرائح، وخاصة الصيادين عبر منعهم من مزاولة أعمالهم”. وبالحديث عن الصدام المسلح، توضح المصادر أنه “على الرغم من احتمالية حدوثه، يحاول أبناء المهرة تفاديه، وحتى الطرفين المنقسمين، وذلك بسبب قوة الروابط القبلية والاجتماعية”. إلا أن السعودية تحاول جاهدة، حسب المصادر، العمل على إحداث “الصدام المسلح والذي لن يكون فقط بين الرافض للتواجد السعودي من أبناء المهرة، والقوة العسكرية السعودية، بل سيصبح بين أبناء المهرة أنفسهم”.

احتلال مطار “الغيظة”

تقول مصادر يمنية مواكبة، إن “السعودية تمتلك الكثير من الأوراق في محافظة المهرة ومنها الحدود الجغرافية المشتركة والعدد الكبير من أبناء المهرة ممن يمتلكون الجنسية السعودية”. وتؤكد المصادر في حديثها لـ”القدس العربي” أن “الرياض تعتمد على ولاءات بعض مشايخ وأعيان المحافظة وهو ما يسهل عملها في المهرة”. أما من الناحية العسكرية، فقد سعت السعودية مؤخراً، إلى “استمالة مشايخ القبائل ودعمهم بالمال لتشكيل أحزمة أمنية وبعض الكتائب بحجج متعددة، وإلى إرسال لواء سعودي كامل بحجة منع تهريب الأسلحة والمخدرات، بالإضافة إلى سيطرتها على مطار الغيظة”.

وكانت السعودية قد دفعت بتعزيزات عسكرية إلى المهرة، تحت ذريعة محاربة التهريب، إذ منعت حركة الملاحة والصيد في ميناء “نشطون” على بحر العرب، كما حولت “مطار الغيظة” الدولي في المحافظة، الذي يعد أكبر مطار يمني من حيث المساحة، إلى ثكنة عسكرية ومنعت الرحلات المدنية من الوصول إليه. ووصلت القوات السعودية إلى مطار “الغيظة” نهاية العام 2017 وبدأت بإطباق سيطرتها الكاملة عليه، بعد أن حولته لقاعدة عسكرية مركزية لها، خصصت فيها مقرات لميليشيات عسكرية تمولها، كما أنشأت سجونا داخلها. وعمدت السعودية إلى مراقبة بيانات المسافرين من وإلى المطار، بالإضافة إلى تركيب أجهزة تجسس للتنصت. وتشير المعلومات، إلى تواجد أكثر من 500 جندي وضابط سعودي داخل المطار، الذي بات مكدسا بالأسلحة. ووفق المعلومات، فإن القوات المتواجدة داخل القاعدة العسكرية المستحدثة، تنتمي للجيش السعودي والاستخبارات والجيش الملكي وميليشيات موالية.

“نشطون” بديلًا لـ “هرمز”

في نيسان/ابريل الماضي، ومع بداية الاحتجاجات الشعبية اليمنية في محافظة المهرة، ضد الوجود السعودي، كشف تقرير لمركز “أبعاد” اليمني للدراسات، عن سعي الرياض لـ “إنشاء ميناء نفطي في المهرة على ساحل البحر العربي، وهو الحلم الذي ظل يراود السعودية للتنفس جنوباً عبر المحيط الهندي من دون قلق من تهديدات إيران حول مضيق هرمز”. وذكر التقرير أنه “بعد خمس سنوات من تحويل محافظة خرخير (ضمن منطقة نجران جنوب السعودية) إلى مخزن للنفط الخام وإجلاء جميع سكانها، يمكن مد أنبوب نفطي وإنشاء ميناء في المهرة بتكاليف أقل، مقارنة بميناء المكلا”. لذا، فإن انتشار القوات السعودية على امتداد الشريط الساحلي للمهرة يأتي تمهيداً لمد أنبوب النفط، الذي سينطلق من منطقة الخرخير السعودية المحاذية للحدود اليمنية، مرورا بمحافظة حضرموت، وصولا إلى ميناء نشطون في محافظة المهرة، المطل على خليج عدن، وبحر العرب، ضمن المحيط الهندي.

وسعت السعودية خلال الأشهر المنصرمة، إلى تجنيد الآلاف من قبائل المهرة وحضرموت، بهدف تأمين خط الأنبوب من دون أن تتكلل مساعيها بالنجاح التام بسبب المعارضة الشعبية المتنامية. وعوضا عن ذلك، قامت باستحداث أكثر من 20 موقعا على المديريات الساحلية التابعة لمحافظة المهرة، وعملت على منع المواطنين من الاقتراب منها بحجة أنها مواقع عسكرية. وتوضح مصادر يمنية مطلعة على الخطط السعودية خلال حديثها لـ “القدس العربي” أن “التواجد السعودي لم يكن وليد اللحظة بل يُعتبر استكمالا لمشروع كُتب عنوانه في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات حيث أن السعودية تحاول اجتزاء مساحات شاسعة من المهرة وضمها لها، ولهذا قامت بتجنيس أبناء المهرة القاطنين قرب حدودها”. وبالتزامن مع التطورات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، وتهديدات إيران المتكررة بإمكانية إغلاق مضيق هرمز، تشير المصادر إلى أن “الرياض ترى الفرصة سانحة لإقامة مشروع مد الأنابيب من خرخير إلى المهرة، وخاصة بعد انطلاقة عاصفة الحزم لشرعنة تواجدها في أغلب المحافظات اليمنية، وحتى المحررة منها بحجة محاربة الحوثيين وفي ظل غياب الدولة اليمنية القوية”. ولفتت إلى أن “مشروع مد الأنابيب يعد استراتيجيا من أجل منع أي تهديد إيراني للسيطرة على خط الملاحة النفطية”. وتؤكد المصادر أن “هناك عوائق تضعها الرياض بالحسبان وهو ما يؤخر قيامها بالمشروع، وأهم هذه العوائق الرفض الشعبي لأبناء المهرة لأي قوة تحاول انتهاك سيادة أرضهم والمساس بخصوصيتها، حيث أن عددا من الشخصيات القبلية والاجتماعية البارزة في المحافظة قامت بمنع الشركات من القيام بأي خطوات على أرضهم”. ويضاف إلى ذلك، حسب المصادر “الدور العماني الذي يعتبر التواجد السعودي تهديدا لعمقه الاستراتيجي وذلك لما يربط المهرة وسلطنة عمان من علاقات قبلية، لا سيما وأن هناك قبائل مهرية تمتد إلى السلطنة في بنيتها الاجتماعية والاقتصادية”.

“قناة سلمان”

يتعدى المخطط السعودي في محافظة المهرة، تشييد أنابيب نفط، إلى مشروع بناء “قناة بحرية” والذي أطلقت عليه مجلة “المهندس” الصادرة عن الهيئة السعودية للمهندسين، عام 2015 اسم “مشروع القرن”. صحيفة “عكاظ” ذكرت بدورها في نيسان/ابريل 2016 أن السعودية أكملت “الخطوات الإجرائية لدراسة مشروع القناة البحرية، التي تربط الخليج العربي مروراً بالمملكة، إلى بحر العرب، للالتفاف حول مضيق هرمز، ما يمكّن المملكة من نقل نفطها عبر هذه القناة المائية الصناعية الأكبر في تاريخ القنوات المائية الصناعية الكبرى في العالم”. وتتلخص الفكرة الرئيسية في فتح قناة بحرية من بحر العرب انطلاقًا من ميناء “نشطون” في المهرة، مروراً بالحدود العُمانية واليمنية، وتمتد إلى داخل المملكة في الربع الخالي، ثاني أكبر صحراء في العالم. وكان مركز دراسات “القرن العربي” السعودي، قد نشر دراسة بعد أشهر من بداية “عاصفة الحزم” حول مقترح لما يسمى “قناة سلمان” أو “قناة العرب” لربط الخليج العربي ببحر العرب. وفيما تحرص السعودية وفق المعطيات، أن تكون القناة تحت سيادتها المباشرة، من دون الشراكة مع الدولة اليمنية، فإن الدراسة تعتمد على مسار رئيسي ومسارين احتياطيين. في الخطة الرئيسية تبدأ القناة من الخليج العربي وتحديدا الجزء التابع للسعودية على خور العديد، متجهة إلى بحر العرب بطول 950 كم، حيث تمتد حسب الدراسة، في الأراضي السعودية بطول 630 كم، وفي الأراضي اليمنية 320 كم، ويبلغ عرضها 150 مترا، وعمقها 25 مترا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية