يرصد المراقبون في روسيا وجود اختلاف في مقاربات موسكو والنظام السوري في الرؤية للتعامل مع ملف إدلب الذي شهد في الآونة الأخيرة تصعيدا خطيرا، بعد هدوء نسبي شهدته في الأشهر العشرة الماضية. ففيما يحث النظام السوري حلفاءه على التعجيل في الشروع في عملية واسعة النطاق في منطقة إدلب لتخفيف التصعيد، لإخراج كافة التشكيلات المسلحة غير النظامية من المحافظة، وتصفية التواجد التركي هناك، فإن موسكو تقف في المرحلة الحالية ضد إجراء مثل هذه العملية، لأنها كما يرى مراقبون، محفوفة بعواقب وخيمة ونتائج ستكون مأساوية من جانبها الإنساني والسياسي فضلا عن أنها تهدد مصالحها.
وطرحت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في مؤتمرها الصحافي الأسبوعي الأربعاء الماضي بيانات تعكس قلق موسكو من التطورات حول إدلب، وقالت إن المعارك مع المتشددين بالقرب من المحافظة، أسفرت عن مقتل أكثر من 30 عسكريا من القوات الحكومية، وهناك ضحايا بين المدنيين. وحسب معطياتها فإن المسلحين يخططون لشن هجوم على محافظتي حماة وحلب. أما بالنسبة لوزارة الدفاع الروسية فقد أعربت عن قلقها إزاء تطور الوضع في منطقة تخفيف التصعيد في إدلب، وعلى وفق تقديراتها فإن من وصفتهم بالإرهابيين لا يكتفون بالاستمرار بشن الهجمات، وانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، بل ويستعملون الطائرات بدون طيار أيضا لتوجيه إطلاق النار. وسجل الجانب الروسي هجمات من قبل المقاتلين في إدلب على القاعدة الجوية في حميميم، من دون أن تسفر عن خسائر.
ويرى تقرير لمعهد الشرق الأوسط في موسكو: «إن المشكلة الرئيسية التي تمنع قيام القوات الروسية بعملية عسكرية واسعة النطاق في إدلب تكمن في إنها ستدفع موسكو إلى إعادة النظر في مجمل استراتيجيتها على المسار السوري، والقائمة على إعادة اللاجئين بصورة جماعية إلى أماكن إقامتهم الدائمة، وبمجمل العلاقات المتبادلة مع أنقرة، وإيصال صفقة تصدير صواريخ أس ـ 400 إلى تركيا حتى نهايتها المنطقية، على خلفية الضغوط الأمريكية على أنقرة، وتجاهل المجتمع الدولي وبالدرجة الأولى الأوروبي والدول العربية المتمكنة، دعوات موسكو بتقديم المساعدة للنظام السوري في عمليات إعادة الأعمار. ويضاف إلى ذلك عقد اجتماع اللجنة الدستورية، وإجراء انتخابات عامة. بمعنى تغيير مجمل مقاربة موسكو الحالية للمشكلة السورية، التي تروج لها الآن وزارة الخارجية الروسية».
ويشير المراقبون إلى إن التصريحات من وزارة الدفاع الروسية التي دعمت تحركات قوات النظام المحدودة، تدلل فقط على إن موسكو باتت تميل إلى إجراء عملية قتالية موضعية في هذه المنطقة. وينم بيان وزارة خارجية النظام السوري وتحرك سلاح الجو عن إن دمشق تشعر بخيبة أمل شديدة من نتائج الاجتماع الأخير في صيغة «أستانا» في كازاخستان، حيث جرت دعوة بضرورة تطهير إدلب.
وفي رأي مختلف القراءات إن موسكو غير مستعدة الآن للتحرك وفق هذا السيناريو. وبهذا الصدد يشيرون إلى بيان فلاديمير بوتين. فالرئيس الروسي لم يستبعد القيام بعملية واسعة النطاق ضد الإرهابيين في إدلب، بيد انه يعتقد بأنه ينبغي موازنة جميع المخاطر. وقال بوتين في مؤتمر صحافي في 27 نيسان/أبريل: «سنحتاج إلى مقارنة ما يحدث للسكان المحليين الواقعين تحت نير المنظمات الإرهابية في هذه المنطقة (إدلب) مع العواقب المحتملة الناجمة عن الفعاليات القتالية النشطة». وأضاف «من حيث المبدأ، لا أستبعد هذا (إمكانية مثل هذه العمليات) ولكن اليوم نحن مع الأصدقاء السوريين نعتقد أن هذا غير مناسب بسبب العنصر الإنساني».
المراقبون يرون أن دمشق وعلى خلاف الموقف المعلن لموسكو تصر على حل ملف إدلب فورا وبالكامل، ولكن موسكو تجنح إلى الحل التدريجي. ففي حديثه عن الوضع في إدلب شدد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين على ضرورة مكافحة الإرهابيين، ومعظمهم متواجدين في هذه المنطقة «إذا قاموا بالهجمات، التي تحدث بين فينة وأخرى من هناك، فسوف يتلقون ضربة انتقامية من جانبنا» معربا عن قناعته «بأنهم شعروا بذلك» في إشارة على ما يبدو إلى الغارات الجوية الكثيفة التي شنتها القوات الجوية الروسية، وسلاح الجو السوري.
وفي تقدير بعض الخبراء إن هذا البيان يحدد بدقة متناهية سقف جميع عمليات قوات النظام السوري المحتملة المدعومة من القوات الجوية الروسية. وبعبارة أخرى فإن الكلام يدور عن الضغط بأقصى حد على الجماعات الإسلامية في منطقة تقاطع إدلب وحلب، وفي الوقت نفسه لا يدور الكلام من حيث المبدأ عن القيام بعملية واسعة النطاق داخل إدلب. ويقول تعليق لمعهد الشرق الأوسط «إذا أخذنا خطة العمل هذه كأساس، يصبح من الواضح أن الكرملين يحاول تحقيق توازن بين علاقاته مع دمشق وأنقرة» ويضيف «ومثل هذه التكتيكات تعني فقط مسار التحرك وفق ما يسمى بالمبدأ الكرواتي»: أي الضغط الموضعي التدريجي على المسلحين لإخراجهم من المناطق المرابطين فيها. ونقلت وكالة «تاس» عن الممثل الرسمي للرئيس الروسي بشأن التسوية السورية الكسندر لافرينتوف قوله بصدد نتائج مباحثات المشاركين في «أستانا» في 25 و26 نيسان/أبريل الماضي «أننا في هذه المرحلة نقف ضد أي عملية واسعة النطاق ولا نرحب بها، فالمقاتلون يمكن يستخدموا هناك عددا كبيرا من المدنيين كدروع بشرية، ولا يجوز في أي حال من الأحوال السماح بذلك». وأشار لافرينتوف إلى أن «هيئة تحرير الشام تسيطر الآن على 90 في المئة من إدلب» وأضاف «فأي عمل علينا القيام لتصفية وجودهم في المنطقة؟» واعترف «هناك 35 ألف مقاتل، يتمسك عدد غفير منهم بوجهات النظر الإرهابية، وبينهم عدد كبير من أعضاء داعش السابقين، بما في ذلك الذين تغلغلوا إلى إدلب بعد انتهاء العملية القتالية في شرق الفرات، حينما هُزمت القوى الأساسية لداعش بمساعدة قوات الدفاع الذاتي الكردية». وحسب المعطيات الروسية هناك حوالي 3000 من المقاتلين يسيطرون على الوضع في إدلب. وعلى حد قول لافرينتوف «لا أحد معني في أن تتحول منطقة إدلب إلى منطقة آمنة للإرهابين» في إشارة إلى أن روسيا معنية في ظروف مناسبة بإخراج المتشددين من إدلب سلما أم بالطرق العسكرية.