الخبير الاقتصادي توفيق كسبار الذي عمل لسنوات طويلة في مصرف لبنان وفي صندوق النقد الدولي هو من الخبراء القلائل الذين حذّروا باكراً من تداعيات السياسات المالية والنقدية المُتعبة في لبنان، وكان يُنظر إليه على أنه من «الخبراء المعارضين» إلى حد تخوينه في أحيان كثيرة، رغم مقارعته بالرأي المستند إلى الأرقام الموثّقة رسمياً.
على الرغم من تشاؤمه، يعتبر كسبار أنه ما زال بالإمكان إنقاذ لبنان من شبح الانهيار بخطوات إصلاحية فعلية. وحين تسأله عن وصفته لذلك، يختصرها بإجراءين: أولهما، اجتماع لأركان الدولة والإعلان عن الالتزام بنسبة محددة سنوياً بدءاً من موازنة العام 2019 لتخفيض العجز لإعطاء الثقة. أما الثاني، فمساءلة مجلس النواب للسياسة النقدية، وهو أمر لم يحصل منذ عقود.
ويتوقف عند التسريب الصوتيّ لأحد مدققي الحسابات الأجانب العاملين مع صندوق النقد الدولي، الذي كان من ضمن فريق «باريس 2» و «باريس 3» وإشارته إلى أنه «إذا طبّقت الدولة اللبنانية القوانين القائمة مع قليل من الإصلاحات، ولا يقول ضرائب إضافية، بإمكانها الحصول على إيرادات تتراوح سنوياً بين 6 إلى 8 مليارات دولار، ليشير إلى أن هذا التصريح كان يجب أن يكون الموضوع الوحيد على طاولة مجلس الوزراء، لأنه يُعطي دلالة على كثرة الهدر والفساد وعلى تقاعس السلطات المعنية.
بالنسبة إليه ثمة فوارق بين «سيناريو لبنان» و «سيناريو اليونان». صحيح أن التشابه بين البلدين يتأتى من كونهما دولتين عاشتا لسنوات فوق طاقتهما، ولكن اليورو هو عملة اليونان، وبالتالي لا تستطيع تخفيض سعر عملتها، وكان لدى الأخيرة المجموعة الأوروبية لمساعدتها، فيما لا يمكنه التكهن بالقرار السياسي الدولي حيال لبنان، فهذا ليس في مجال اختصاصه.
وهنا نص الحوار:
■ بداية، كيف تصف لنا المشهدين الاقتصادي والمالي في لبنان؟
■ يمكن القول إننا في حالة ترقب، حيث مخاطر الانهيار المالي والنقدي تزداد، وعادة هذه المخاطر تتجلّى بهبوط سعر صرف العملة الوطنية. في كل بلدان العالم، ما عدا البلدان التي تطبع عملة صعبة، مثل أمريكا واليابان، المخاطر المالية والاقتصادية عندما تتعاظم، تنعكس مباشرة على سعر صرف العملة الوطنية، وبالتالي تزداد المخاطر.
■ ولكن لبنان يعتمد سياسة تثبيت سعر صرف عملته الوطنية؟
■ إذا استمرت السلطة بسياستها هذه، المعتمدة منذ أكثر من 25 عاماً، لا يمكن لها أن تحافظ على الاستقرار. كل مخاطر الانهيار النقدي والمالي تعود تقريباً، إلى سبب واحد، وهو أن الدولة تنفق أكثر من قدرتها لسنوات عديدة. كيف لنا أن نعرف ذلك؟ أولاً عندما يكون العجز متواصلاً في ميزانية الدولة، والعجز في الميزانية اللبنانية ليس عجزاً عادياً، يعني أنه ليس بسبب الإنفاق على البنى التحتية أو نتيجة نفقات استثمارية، بل إن غالبيتها نفقات جارية. أعطي مثلاً على ذلك أنه منذ العام 1993 ولغاية 2018، حسب الأرقام الرسمية، زهاء 8 في المئة فقط من كل نفقات الدولة، التي هي بحدود 244 مليار دولار، ذهبت إلى النفقات الاستثمارية، والباقي كله نفقات جارية بما فيها الهدر.
النقطة الثانية، وهي المؤشر الأهم، تتمثل في عجز ميزان المدفوعات الذي يعكس الحالة الشاملة، أي «الماكرو اقتصادية». عندما يكون ميزان المدفوعات بحالة عجز فهذا معناه أن الأموال التي تخرج من البلد أكثر من التي تدخل إليه. في لبنان العجز مستمر منذ العام 2011 ما عدا فائض بسيط تحقق عام 2016، بعد الهندسات المالية لمصرف لبنان. هذا الواقع خطير ومختلف عن السابق، لأنه منذ استقلال لبنان ولغاية 2010، أي لفترة 70 عاماً تقريباً، بما فيها سنوات الحرب، لم يعرف لبنان عجزاً في ميزان المدفوعات لأكثر من سنتين متتاليتين، في حين أن العجز الحالي مستمر عملياً منذ العام 2011، وهذا دليل على أن الدولة تعيش بأكثر من طاقتها.
■ عندما تقول إن 8 في المئة مما تمّ صرفه كان نفقات استثمارية، هل هذا يشمل القروض والهبات وعملية إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية وحرب تموز 2006؟
■ لتبسيط الأمور، 8 في المئة من نفقات الدولة مهما كانت مصادرها ذهبت للمشاريع الاستثمارية. بالإمكان مراجعة الأرقام الرسمية المنشورة بوزارة المال. فمنذ سنة 1993 ولغاية 2018 أنفقت الدولة اللبنانية من خلال الموازنة ما يقارب 244 مليار دولار، 8.4 في المئة فقط بما فيه الهدر ذهبت كنفقات استثمارية.
■ تشير إلى أن العجز في ميزان المدفوعات مستمر على التوالي منذ 2011، ما هي الأسباب؟ هل من الأسباب تداعيات الأزمة السورية لجهة تعطّل حركة التصدير البري؟
«انتفاضة المحظوظين» قادت تحركات الشارع اللبناني لا النقابات
■ هذا خارج الموضوع تماماً، الأمر لا يرتبط فقط بحركة التصدير. منذ الاستقلال ولغاية يومنا هذا، لبنان يستورد كل عام أكثر مما يُصدّر، إنما حركة رؤوس الأموال والتحويلات هي التي كانت تُعوّض ذلك نتيجة الخدمات السياحية التي كان يؤديها والتي تنعش حركة دخول رؤوس الأموال والتحويلات، وتؤدي إلى فائض في ميزان المدفوعات. مهما كانت الأسباب لا يمكننا أن ننكر أننا «نعيش» بأكثر من قدرتنا.
■ المنحى السياسي الذي انتهجه لبنان في السنوات الأخيرة، ألم يكن من الأسباب التي أدت إلى فرض حصار غير معلن عليه، وإلى انسحاب رؤوس الأموال منه؟
■ لا شك في أن رؤوس الأموال التي تدخل والتحويلات ليست بنفس القوة التي كانت في الماضي، ولكن جزءاً كبيراً منها غاب بفعل الوضعين الاقتصادي والمالي المترديين. أي مستثمر يرى أن دولة تنفق أكثر من طاقتها بكثير وبشكل متنامٍ على نفقات جارية، وترفع الرواتب والتوظيف في القطاع العام وإنتاجية اقتصادها ضعيفة، لا يتحمّس لإيداع أمواله فيها. هناك سبب اقتصادي بحت يعود إلى السياسات الاقتصادية المالية والنقدية، يعني السياسات المتعلقة بالموازنة وسياسات المصرف المركزي، هذه أساساً أدت إلى هذا الوضع القائم.
■ وما الأسباب التي ساهمت في دفع الوضع إلى شفير الهاوية؟
■ العجز يعتبر سبباً رئيسياً، وهو يزداد بشكل كبير في السنوات الأخيرة، خاصة أنه ليس نتيجة نفقات استثمارية. هذا يضم هدراً وفساداً كبيرين. ولا يجب أن نغفل السياسة النقدية الخاصة بمصرف لبنان. على الأقل منذ العام 2003، نحن نستدين من المصارف بفوائد عالية جداً، وازدادت بشكل قوي منذ الهندسات المالية التي جرت عام 2016، ما أدى إلى حاجة متنامية للدولار ولعجز متنام في ميزان المدفوعات، فإذاً لا يجب أن نلوم فقط السياسة المالية التي تتمثل بنفقات الدولة وإيراداتها، بل أيضاً – حسب رأيي – يجب أن نلوم السياسة النقدية المتّبعة منذ العام 2003 ولغاية الآن، حيث وصلت أسعار الفائدة التي مستويات عالية جداً.
إذا نظرنا إلى الأرقام الرسمية التي ينشرها مصرف لبنان نفسه عن الوضع المصرفي نجد أن إقراض المصارف للقطاع الخاص أصبح باتجاه انحداري. منذ أواخر العام 2017 إلى آخر شباط 2019، واستناداً إلى الأرقام الرسمية، خفضت المصارف قروضها الممنوحة للقطاع الخاص ما يوازي 10 مليارات دولار، هذا لم نره من قبل! لماذا تفعل المصارف هذا الشيء؟ لأنها تستفيد أكثر من إقراض مصرف لبنان. هذا عامل أساسي ومهم جداً.
الدولة أنفقت 244 مليار دولار منذ 1993 منها 8% فقط على المشاريع الاستثمارية
■ البعض يعتبر أن السياسة الهندسية لمصرف لبنان هي لكسب الوقت أو بمعنى آخر لتأخير الانهيار بانتظار لحظة سياسية معينة… (مقاطعاً)
■ يجب التساؤل عن الكُلفة. لم يكن هناك من داع لذلك، بل إن الهندسة المالية فاقمت الأمر. هنا تقبع المشكلة، فمنذ القيام بهذه الخطوة والوضع يسوء أكثر وأكثر. مثال بسيط على ذلك، في أول شهرين فقط من العام الحالي، حسب أرقام مصرف لبنان، بلغ العجز في ميزان المدفوعات زهاء ملياري دولار. هذه الأرقام المخيفة لم نرها من قبل. لا يجوز أن يقول المصرف المركزي أنه يقوم بهذه الخطوات لكسب الوقت. ميزان المدفوعات يعطي النتيجة الصافية التي تلخّص كل العلاقات التجارية والمالية بما فيها التصدير والاستيراد.
في عام 1975 عند بداية الحرب في لبنان كان دين الدولة اللبنانية صفراً. في ثمانينيات القرن الماضي، أي بعد زهاء 10 سنوات من بداية الحرب، كان ميزان المدفوعات لا يزال في الغالب إيجابياً، ورغم مضي عدة سنوات من الحرب لم تستدن الدولة إلا القليل.
■ إلى ماذا تعزو الأسباب؟
■ رغم لومنا لها، كانت الدولة اللبنانية تتّبع آنذاك سياسة مالية محافظة جداً، وكانت هناك محاسبة. المواطنون لا يعرفون هذا الشيء، ولكن هذا مُثبت رسمياً، حتى عندما خرج لبنان من الحرب في آخر العام 1992 كان مجمل القروض التي تقع على عاتق الدولة لا يتجاوز الـ3 مليارات دولار، منها فقط 10 في المئة بالعملات الأجنبية.
■ بعض الخبراء كان يحذّر من مغبة السياسات المالية والاقتصادية المتّبعة، ولكن كان ثمة نكران، وفجأة باتت السلطة بمختلف أطيافها تتكلم عن مخاوف الانهيار لأن الدين تخطى الـ85 مليار دولار؟
■ وضعنا يشبه الرجل الثري المترف الذي يتناول شتى أنواع الطعام بغير حساب، متجاهلاً الآثار السلبية التي تُشكّلها على صحته، ولا يزاول الرياضة، فهو لا يشعر بأية عوارض في البداية، لكن فجأة تأتيه دفعة واحدة. الأمور بدأت بالتفاقم بعد العام 2011. لا يوجد وضع مالي ونقدي إلا وله حل، لكن المشكلة أن السلطة اللبنانية لم تفعل شيئاً، بل استمرت في نمط تصرفها وإنفاقها. ومثال ذلك مؤتمر «سيدر» الذي انعقد لدعم لبنان منذ عام ونصف العام تقريباً، الكل أجمع هناك أن على لبنان أن يُخفّض العجز زهاء 500 مليون دولار سنوياً، لكن الدولة اللبنانية أصدرت موازنة العام 2018 وأقرّتها بعجز ارتفع من 4.8 مليارات دولار في قانون موازنة عام 2018 إلى حوالي 6.5 مليارات دولار فعلياً، يعني تصرّف الدولة اللبنانية «احتقر» مقررات «سيدر». هذا يعطي صورة واضحة عن نظرة الدولة اللبنانية للإصلاح.
■ إذاً، على ماذا يستند المسؤولون اللبنانيون في إعطاء إشارات حول إصلاحات فعلية عبر خطة مالية شفافة؟
■ كل المسؤولين، ابتداء من الرؤساء الثلاثة والوزراء والنواب، يُصرّحون عبر الإعلام منذ أكثر من سنة، بأننا نعاني من أزمة اقتصادية، والكل يتكلّم عن الفساد ومكافحته، ولكن لغاية الآن لم يتغيّر شيء. ما يقومون به لن يوصل إلى شيء في أحسن حالاته، هذا معناه في السياسات المالية «صفر عمل» حتى الآن. يجب خفض العجز على الأقل 2.5 مليار دولار. في الإصلاح هناك شق سياسي مهم جداً، عندما يقوم بلد ما بإجراءات تقشفية إصلاحية أهم سؤال يُطرح: مَن هم الذين سيتحملون عبء الإصلاح والتصحيح؟ عندنا استسهلوا الحلول التي تأتي بالمال السريع: خفض الرواتب، والضرائب على الفوائد!
الطبقات الفقيرة الممثلة بالنقابات لم يعد لها صوت، لاحظي أن من يتحرّك هم موظفو مصرف لبنان والضمان الاجتماعي والمصارف والمرفأ وأساتذة الجامعة اللبنانية، هؤلاء في معظمهم دخلوا القطاع العام عبر دعم من السياسيين، ويعيشون بترف، أنا أسمّيها «انتفاضة المحظوظين». رواتب المدراء ونواب المدراء في مصرف لبنان تعادل ضعفي راتب رئيس الجمهورية، الحُكم يخافهم لذا أنا أستبعد القيام بإجراءات إصلاحية توزّع الأعباء على مختلف الفرقاء حتى تصبح مقبولة. أكثر من 10 آلاف موظف تم إدخالهم إلى القطاع العام نتيجة تدخلات سياسية، فلماذا لا يخرجونهم ولماذا لا يتكلمون عن الأملاك البحرية مثلاً؟
الوضع اللبناني بحاجة للإصلاح الفعلي سواء مع مؤتمر «سيدر» أو بدونه
■ اقفال مزاريب الهدر الحقيقية في الدولة هو عملياً ضرب لمصالح القوى السياسية…
■ أنا دائماً أستند إلى الأرقام الرسمية. إيرادات الدولة من الضريبة على القيمة المضافة ومن الجمارك لعامي 2009 و2010 لم تتغير منذ ذلك التاريخ رغم ازدياد الناتج زهاء الثلث وارتفاع الواردات. هذا شيء غير معقول، لأنه من هذين القطاعين يمكننا الحصول على مليار و300 مليون دولار إضافية سنوياً، فكيف إذا أضفنا الأملاك البحرية والمقالع والكسارات والمرفأ، وأوقفنا الهدر الحاصل في قطاع الكهرباء. هذه الأمور لا يتكلمون عنها لأنها مرتبطة مباشرة بالمصالح السياسية.
هناك تسريب صوتي لأحد مدققي الحسابات الأجانب العاملين مع صندوق النقد الدولي، كان من ضمن فريق «باريس2» و «باريس3». لقد قال بالحرف الواحد: «إذا طبّقت الدولة اللبنانية القوانين القائمة مع قليل من الإصلاحات، ولا يقول ضرائب إضافية، بإمكانها الحصول على إيرادات تتراوح سنوياً بين 6 إلى 8 مليارات دولار». هذا التصريح كان يجب أن يكون الموضوع الوحيد على طاولة مجلس الوزراء، لأنه يعطي دلالة على كثرة الهدر والفساد وعلى تقاعس السلطات المعنية.
■ تقاعس أم تواطؤ؟
■ بإمكانك تسميته بما تشائين.
■ كيف لهم إذاً أن يُقنعوا القائمين على مؤتمر «سيدر» بصوابية الإجراءات التي يتّخذونها، خاصة وأن البلد موضوع تحت المجهر؟
■ لقد أعطيتك المثل الصارخ، فبعد مؤتمر «سيدر» زادوا العجز بدلاً من أن يخفضوه. على كل حال، أنا برأيي «سيدر» ليس مهماً، فمعه أو بدونه الوضع بحاجة للإصلاح الفعلي.
■ لكن نحن بحاجة لرقابة معينة؟
■ أكرر بأن «سيدر» ليس مهماً، لأن الأمر المتردي تخطاه بأشواط. أموال «سيدر» تحتاج إلى سنين عديدة حتى تصل مكتملة. سأختصر الأمر: «الوضع المالي والاقتصادي يتردّى بسرعة، فإما أن تقوم السلطة بإجراءات وتشدّ الحزام بشكل قوي وليس عبر خطوات هامشية، وإلا فإن شبح الانهيار يخيّم علينا. هذه هي المعادلة ببساطة». مؤتمر «سيدر» نُظّم لمساعدتنا عبر قروض بقيمة 12 مليار دولار، ولكن أعتقد أن السلطة غير مهتمة، هي تهتم فقط بالمحاصصة.
■ رئيس الحكومة سعد الحريري صرّح بأن البلد بعيد عن الإفلاس، ولكنه قبل ذلك بأيام حذّر من سيناريو شبيه بـ»سيناريو اليونان… أين نحن برأيك؟
■ »سيناريو اليونان» يختلف عن» سيناريو لبنان». اليورو هو عملة اليونان، وبالتالي لا تستطيع تخفيض سعر عملتها، ناهيك عن أنه جاءتها مساعدات بمئات المليارات من المجموعة الأوروبية. التشابه بين البلدين يتأتى من كونهما دولتين عاشتا لسنوات فوق طاقتهما، وفي عجز متواصل مع توظيف كبير في القطاع العام وبرواتب مرتفعة، هذه هي نقاط التشابه فقط. اليونان لم تلجأ إلى تخفيض قيمة عملتها الوطنية كسبيل لتخفيض قيمة الرواتب، وهذا إجراء تقوم به كل الدول، لأنها أرادت البقاء ضمن منطقة اليورو، مع أن كثراً نصحوها بتركه.
■ كلامك هذا يجعل اللبنانيين في حالة خوف على ما تبقى لهم من مدخرات؟
■ أنا أتحدث عن احتمالات، وليس عمّا يجب أن يحدث. المسؤولون بدأوا منذ أكثر من سنة بالاعتراف بهذا الأمر، مع أنهم كادوا يحاكمونني بعد الدراسة التي أنجزتها عن احتمالات الانهيار، والتي نُشرت في آب 2017.
ثمة فوارق بين «سيناريو لبنان» و «سيناريو اليونان» وأثينا كان لديها المجموعة الأوروبية لمساعدتها
■ بعض الخبراء وصف مسودة الموازنة بأنها «جبانة» وبأنها نسخة معدلة عن سابقاتها لأن بعدها حسابيّ وليس إصلاحيّ… فكيف ستكون مقاربة «انتفاضة المحظوظين» وفق تسميتك، هل باستثناء هؤلاء؟ ومَن يضمن أن الآخرين في القطاع العام لن يخرجوا إلى الشارع؟
■ في كل بلدان العالم، لكن هنا بشكل أقوى، الفرقاء الذين ستتضرر مصالحهم نتيجة الإجراءات التصحيحية يستعرضون قوتهم، وهذا ما حدث عندما «نزلوا» إلى الشارع رافضين المساس برواتبهم. ثمة تراجع عن تخفيض الأجور. الاجتماعات في مجلس الوزراء هي للبحث في كيفية التعويض عن تخفيض الرواتب والأجور، لكن بغض النظر عن هذا، فإن تباشير الأرقام بمشروع الموازنة تُظهر بأنها «جبانة». يجب أن يكون التصحيح أقوى حتى نستعيد ثقة الأسواق المالية في لبنان والخارج بالليرة وبالأسواق اللبنانية، لأنهم لا يرون أن هذه الإجراءات كافية لضبط الأوضاع. تحسين الأوضاع يحتاج إلى أدوية تكون فعاليتها أقوى وجرعتها أكبر، خصوصاً أن مشروع موازنة العام 2019 هو مشروع موازنة لنصف العام فقط. أهم مؤشر عن مستقبل الأوضاع ومخاطر تدهور الأوضاع المالية والنقدية هو العجز المقدّر في الموازنة عند مناقشتها للتصويت عليها، هل تم تخفيضه كفاية لتعزيز المصداقية والثقة؟
■ كخبير اقتصادي، ما هي «وصفة الإنقاذ» التي تقدمها للحكومة؟
■ أقترح القيام بإجراءين محددين واضحين، أرددهما دائماً في كل كتاباتي بما فيهم دراستي التي أشرت إليها: وهو أولاً، أن يجتمع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، وأن يَصدر إعلان صريح وعلني بأن مشروع موازنة العام 2019 سيخفض العجز على مستوى سنوي 2.5 مليار دولار على الأقل، لنعود إلى مستوى الـ4 مليارات دولار على الأقل الذي كان في العام 2017، ولكن ليس على سنة واحدة، إنما على عدة سنوات. وفي العام 2020 يصبح 3.5، و3 مليارات دولار في العام 2021. هذا الإجراء يعطي صدمة إيجابية قوية جداً للأسواق. أما الثاني فهو مساءلة السياسة النقدية بالنسبة للفوائد المرتفعة جداً التي يدفعها مصرف لبنان للمصارف التي أدت منذ أكثر من 15 سنة إلى خسائر متراكمة.
■ طلب إخضاع المؤسسات والمصالح المستقلة لوزارة المال، حسب المادة 60 من مشروع الموازنة هل يُشكّل جزءاً من هذه المساءلة؟
■ علاقة وزارة المالية بمصرف لبنان يحددها قانون النقد والتسليف. والمادة 60 في مشروع الموازنة لا تأتي على ذكر سياسة مصرف لبنان. هي تقول بإخضاع موازنته، بمعنى أن لمصرف لبنان نفقات سنوية، أي موازنة نفقات من رواتب وأجور وفوائد، وأن هذه تخضع لموافقة وزير المال، وهذه بحد ذاتها لا تعني شيئاً، لأنه لم يجرِ التعرّض لا من قريب ولا من بعيد للسياسة النقدية المستقلة، لا أحد يقترب منها وهي مكرّسة بقانون النقد والتسليف. أضف إلى ذلك أنه حسب القانون لمفوّض الحكومة الحق بمراجعة هذا الشيء. الكلام عن إخضاع سياسة مصرف لبنان أو حتى موازنته لوزارة المال ليس له أي تأثير. أقول موازنة النفقات فقط، ولا أحد يتكلم عن السياسة النقدية.
■ هل كان يجب أن يطال المصالح المستقلة؟
■ المصالح المستقلة والمؤسسات العامة يجب أن تخضع للمراقبة لأن أغلبها لا نعرف شيئاً عن وضعه المالي، ولا يُقدّم بياناته المالية. مصرف لبنان هو المصرف المركزي وعنده وضع خاص حسب القانون. الذي يحكم علاقته بالدولة اللبنانية هو قانون خاص اسمه «قانون النقد والتسليف». المؤسسات العامة الأخرى مثل الكهرباء وغيرها هي مؤسسات عامة عادية، وحتى هذه لا تُقدّم حساباتها للدولة منذ أكثر من عشر سنوات. هذه بالتأكيد نحن بحاجة للتدقيق بها أكثر. هناك زهاء 70 مؤسسة عامة، لا نعرف الكثير عن أوضاعها.
■ كيف تتم مراقبة مصرف لبنان؟
■ قانون النقد والتسليف هو الذي يحكم علاقة مصرف لبنان بالدولة، ولم يقترب أحد منه، وليس هناك مسّ، لا من قريب ولا من بعيد، باستقلالية مصرف لبنان وبسياسته النقدية. أما بالنسبة للرقابة أو المساءلة، فسأقول لكِ شيئاً: أنا عملت بمصرف لبنان أيام الحرب مع الحاكم السابق ادمون نعيم، ذهبنا خلالها 3 مرّات إلى المجلس النيابي في مقره المؤقت آنذاك على المتحف. وظيفة المجلس النيابي أن يُسائل السياسة النقدية المتّبعة، هذا أمر بديهي في كل بلدان العالم. الحاكم مع نوابه ذهبوا إلى المجلس وتم طرح الأسئلة عليهم وانتقادهم، لأن النواب يريدون معرفة ماذا يحدث. الحاكمية الحالية المتواجدة منذ العام 1993 لم يُطرح عليها سؤال واحد!
■ لماذا لم يحصل ذلك برأيك؟
■ لا أدري، عليكِ بسؤالهم. المسؤولون في كل البنوك المركزية، تُطرح عليهم الأسئلة حول ماذا يفعلون وتصوّراتهم وحول أسعار الفائدة… هذا أمر طبيعي. المطلوب مراجعة سياسة مصرف لبنان حول هذه الخسارات المتراكمة، والفوائد العالية.
■ تعتبر أن هناك خسارات؟
■ نعم هناك خسارات. منذ تأسيسه ولغاية 2002 حتى أيام الحرب، كان مصرف لبنان ينشر تقريراً سنوياً فيه جدول يُبيّن حساب الأرباح والخسائر، هذا الأمر توقف منذ العام 2002، ويجب إعادة نشر هذا الجدول.
■ وإذا لم تتم المراجعة النقدية… إلى أين سنتجه؟
■ سيسوء الوضع أكثر، وأنا لا أستطيع التنبؤ بذلك.
■ وهل سنرى تحركاً معيناً للمجتمع الدولي تجاه لبنان؟
■ هذه قرارات سياسية دولية، أنا لست مطلعاً عليها، لكنه احتمال قائم. عندما يرى المجتمع الدولي بأن ليس من مصلحته انهيار الوضع الذي تكون له أبعاد سياسية، قد يطلب من بنوك مركزية صديقة كدول الخليج أن تضع ودائع كبيرة بالمصرف المركزي، هذا يعزز الثقة، لكنه موضوع سياسي لا أستطيع الحكم عليه.