الحلاج يخرج من قبره

حجم الخط
18

يقف الفن في مواجهة التطرف بعد أن استنفد العنف ذخيرته، ويلجأ أصحاب الأوراق الأخيرة إلى إخراج ورقة الثقافة بعد فشل الأوراق المسنّنة الجارحة. من هذا الباب فتح قبر الحلاج، وأخرج للجمهور الرمضاني بحلة بهية، عسى أن ترمم جراح مجتمعات بأكملها، دفنت حية على مدى قرون، وأقحمت في حروب لا معنى لها.
يخرج الحلاج مرتديا جسد الفنان غسان مسعود، ليذكرنا بفترة حساسة في تاريخ الدولة الإسلامية العظيمة، تاريخ لا نريد أن نتذكّره، ليس فقط لأنه مليء بالأخطاء الجسيمة التي مارسها الأجداد القدامى ضد أنفسهم وضدنا، بل لأن تلك الأخطاء كانت تدفن لا لتموت بل لتتكرّر… يعود الحلاج بعد أحد عشر قرنا، بدون أن نسامحه تماما، كون ورثة التطرف يحافظون في قلوبهم على الحقد القديم نفسه. رغم هذه الفترة الطويلة بين زمنه وزمننا. ولعل الأسئلة التي تُطرح حول عودته الآن، وربطِ الأمر بأفكار استعمارية، أمر يكشف التناقض الإدراكي الذي نعيشه اليوم، وكأن تخلفنا الذي تجاوز ألف عام زمنيا، لا يزال جاثما على أدمغتنا، لكن كونه عاد فهذا يعني من جهة أن صحوة فكرية ما تلوح في الأفق، عساها تستمر، وتحلل عقد ألسنتنا لنتحاور، ونتناقش في أمور دنيانا كما يفعل العقلاء في أوطان تحترم نفسها.
يقال أن لا مجال لمداواة جرح إلا بالكشف عنه وتنظيفه وتطهيره، وجرحنا العقلي يعود لتلك الأيام الموغلة في التاريخ، حتى إن ما وصلنا يبدو مجرّد مخيال أسطوري، لأن العقل لا يتصوره أنه حدث بحذافيره تلك. في وصف العذاب الذي تعرّض له الحلاج، يبدو الأمر برمته جنونا شخصيا، انصب عليه من محيط لم يفهم لغته، وقد تساءلت مرارا بيني وبين نفسي إن كان الرّجل متهما في تلك الأيام بالجنون والشعوذة والسحر، فهل يعقل أن ينكّل به إلى ذلك الحد؟ لقد عاش في غير زمنه، وتكلّم بلغة سبقت أيامه بمئات السنين، أما اليوم فالمأساة فمعكوسة، لغة الحلاج تبدو بسيطة، حتى حين قال «ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه» لا نرى في مقولته ما يربكنا أو يربك إيماننا، فمعجزات الله منثورة حولنا، وهي تحيلنا إلى عظمة الخالق مباشرة، وكل تلك الطلاسم التي نطق بها، ينطق بها يوميا شعراء القصيدة النثرية المعاصرة، وكل أفكاره نطق بها شعراء وكتاب وفنانون برزوا عبر العالم أجمع من ثقافات مختلفة. فماذا لو عاش الحلاج في أواخر القرن العشرين بأفكاره القديمة نفسها؟
في برنامج أمريكي يجلس شاب في العشرينيات من عمره، ويروي حكاية تواجده في مكانين في الوقت نفسه، وكيف أنه يخرج من جسده ويدخل بيت أستاذه ويسرق أسئلة الامتحان، ليساعد صديقه، أمام دهشة الجميع التي تزداد، كلما قدم أحد أقاربه شهادة عن تجربته معه، يقف العالم عاجزا أمام حالة الشاب، لكنه مادة دسمة للبرامج التلفزيونية، وقد سئل ألا يخاف أن يُقحم في أمور مخابراتية؟ السؤال في حد ذاته مُربك، لكنه يفسر غموضا شاب قضية الحلاج، فإذا كان فعلا يخرج من جسده ويسافر في لحظة من أرض إلى أخرى، فمعنى ذلك أن حالته تلك أرعبت الحكام، ووضعتهم أمام خيارين، إما أن يستفيدوا منه أو يقتلونه، أمّا الطرح الأغبى فهو هل فعلا كان يتميز بصفات خارقة، أم أن أتباعه ومعجبيه في ذلك الزمن أساءوا له من حيث لم يدروا فأقحموه في صراع معهم؟

قيل إنه تاثر بالبوذية خلال إقامته في الشرق، وقيلت أشياء أخرى، ورد أغلبها لتفسير تدينه المغاير للسائد، ولعل هذا ما جعل المستشرق لويس ماسينيون يرى فيه مسيحا جديدا كونه قرأ مسيحيا كل عذاباته وطريقة قتله.

فنحن إلى هذه اللحظة، نؤمن بكرامات القديسين، والصالحين، وأولياء الله هنا وهناك، فلا غرابة في الأزمنة الغابرة أن يكون الوهم باسطا سيطرته على تفكير الناس، وأن تكون قصة الحلاج أغلبها خرافات نسبت إليه، وأنه دفع حياته ثمنا لأن لا أحد استوعب خطابه. فقط يبدو لي أن إنصاف الرجل بعد هذه القرون، والتهليل بأفكاره، ليس مؤشرا جيدا، كما قد يعتقد البعض، فإذا كانت ملكة الاستيعاب عندنا تحتاج لكل هذه السنوات لنبلغ مرحلة طرح أفكار الحلاج مع إمكانية التسامح معها، فهذا يعني أن الأمل في إصلاح أمتنا بعيدٌ، وقد يحدث بمضاعفة هذا الزمن مرات نحو المستقبل… المشكلة الحقيقية إذن ليست في مدى صدق تلك الأفكار التي تفوّه بها، أو كذبها، ولا في غرابة شخصيته، فزمننا يعج بالشخصيات المجنونة والدجالة والكاذبة، ومع هذا تواصل حياتها بشكل عادي، رغم الانتقادات اللاذعة التي تلاحقها، وبما أننا نسامح الدجال والكذاب والمشعوذ، فلماذا لم يحظ الحلاج في زمانه بذلك التسامح؟
يقودنا السؤال إلى البحث عن خيوط العداء التي حيكت ضده، فهل يعقل أن تنبع من توجهه نحو الزهد وفهم أسرار الخالق وما خلق؟ ففي النهاية عاش حالة خاصة مع نفسه، ومسألة الانتقال من المعنى الخارجي الظاهر المرئي إلى المعنى الباطني العميق غير المكشوف، لم تكن مخيفة لأي سلطان، إن الذي اهتز آنذاك هو الكيانات الضعيفة التي امتلكت زمام الدين، ولا أدري إلى أي مدى يمكن للعمل الدرامي التلفزيوني أن يلامس هذه الحقيقة، لأن فكرة التأسيس لعلم ديني بامتياز، صعبة الطرح تلفزيونيا في مسلسل يعرض في شهر رمضان، حيث المتفرج لم تعد تشده هذه النوعية من الأعمال، اسم الحلاج في حد ذاته، قد لن يهم هذا الجيل، وقد لن تهمه قراءة التاريخ العربي برمته، ربما قد يهمه ذاك الحراك الجغرافي الذي عاشه الحلاج، كمكمل لتقدمه الروحي، واختباره للتصوف في أولى رتبه، لكنه لن يكون بحجم الانغماس في رحلة صوفية، بل رحلة لإثبات الذات.. لا أدري إلى أي مدى سينجح العمل الدرامي لاستقطاب جمهور، يعيش في خصام مع اللغة العربية الفصحى، ومع ماضيه الشائك، هل يمكن لدائرة درامية رسمت حول أقطاب الصراعات السياسية والنسائية والدينية أن تنجح لجذب نظر من يتوق فقط للحياة؟
يحق لنا السؤال، كما يحق لنا أن نعبر الإجابات كلها إلى ما هو أفضل منها، وهو إعطاء قراءات جديدة لكل ما حدث للحلاج، بدون محاكمته ثانية، وإلا سندخل في التفاهة نفسها التي ظلت تتهم الرجل، بدون قراءته وفهم ما انطوت عليه أفكاره.
لقد قيل إنه تاثر بالبوذية خلال إقامته في الشرق، وقيلت أشياء أخرى، ورد أغلبها لتفسير تدينه المغاير للسائد، ولعل هذا ما جعل المستشرق لويس ماسينيون يرى فيه مسيحا جديدا كونه قرأ مسيحيا كل عذاباته وطريقة قتله، وثباته أمام الهمجية التي تعرض لها على دين من الحب والتسامح، لكن تراه توقف عند فتوى إهدار دمه؟
في اعتقادي هي تلك الفتوى التي رفعت من شأنه، وهي التي جعلت أتباعه يكتبون تاريخه بعيونهم التي رأوه بها، وبكلام نسب إليه، بعد حرق كتبه التي لا نعرف حقا هل وجدت، بطبيعة الحال يصعب استقراء الماضي البعيد، لكن ألا يمكننا الوقوف عند هذه الفرضية؟ والتعامل معها بالعقل؟ لأن الإصرار على تكفير الرجل لا يشير سوى إلى جنوننا، وفقداننا الكامل لعقولنا.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية