يطلب من الحراك الجزائري ما لا يطلب من غيره. هكذا يبدو الأمر عند قراءة ما تطلعنا عليه وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. ففي كل رمضان ومنذ ظواهر الإفطار العلني، التي انتشرت في العديد من الدول المغاربية، ها هو إفطار الطالب المريض في جامعة “بوزريعة” يعيد إثارة قضية الحريات، وإن كانت الفتوى قديمة بأن لا حرج على المريض، وحتى غير المريض الإفطار لسبب مثل السفر، الذي نعرف، فهناك من استفزه المنظر قد يكون ذلك بسبب انفعال ديني أو غير ديني لسطوة تقاليد الصيام في البلد. لكن التعليقات جاءت لتفجر كل المكبوتات وتلوم الحراك، الذي لا يمكنه ايقاف ما أسموهم بـ”المدعوشين”.
يطلب من الحراك، الذي بدأ منذ أشهر أن يحل عقبات السنين وتراكم الثقافات الصلبة. يُطلب أن يوقف رعونة المتزمتين والشباب المتهور. ولولا كل هذا لما استمر الحراك، إنها “تغنّانت” (تعنت والأخذ بمثل معزة ولو طارت) الجزائري، الذي تدفعه للتطرف في الحب والكراهية والتدين والانتفاضة في المسيرات ورفض النظام جملة وتفصيلا. وهي من تعيده في رمشة عين لما كان عليه. اللوم على من يصنعون تماثيل الحراك، التي تذوب مع أول أمطار الخريف أو يلتهمها جشع من لا يشبعون السلطة.
هل يطلب من الحراك أن يلغي كل تلك العلاقات القديمة المتشنجة بين النساء والرجال، بمجرد خروج النساء في المسيرات والرقص والجمال، الذي بدا مبهرا؟ فهل كان سيحدث ذلك بدون تدجين الفضاءات وتسييرها تسييرا داخل نظام السلطة الذكورية، وحماية ذكور الحراك لإناثه بطوق آمن. على المتنورين والمثقفين وأصحاب الرأي أن يطرحوا الأسئلة العميقة للمجتمع، وليس أن يدخلوا في هستيريا الانفعال بحراك جذري على هوى الإيديولوجيات المختلفة. أما الترفع والعلو وإما السقوط الحرّ.
مشاعرنا هنا ومشاعرهم هناك
كاد يكون أضخم مسلسل مغاربي، لو صدق الوعد وانضم ممثلون ليبيون إلى جيرانهم الجزائريين والتونسيين، وربما تحققت معجزة انضمام المغاربة والموريتانيين. مسلسل مشاعر كان سيغزو مشاعرنا بالفعل لو صدقت رؤيا المغرب، أسميه عربيا مؤقتا، حتى يتم الاتفاق على تسمية خارج التسميات المفروضة من خارج قواعدنا. مشاعر مسلسل تونسي جزائري بطاقم تركي متكامل، من مخرج ومديري تصوير واضاءة ومهندس ديكور وتجميل وكوافير، ممن أبدعوا من “قيامة أرطغرل” و”مهند ونور” و”وادي الذئاب”. كما أوكلت مهمة الإخراج للمخرج التركي الألماني محمد جوك، لكن لا يظهر اسم السيناريست في أي من المنشورات، ولا حتى في “جنيريك” المسلسل كالعادة، فقط تكتفي وسائل الإعلام بعبارة: كما أسهم الأتراك في كتابة السيناريو. لحظة يا جماعة الخير معقول هذا؟ حتى لو كان سيناريو مشتركا لأفصحوا عن هؤلاء الشركاء، لكن يدخل كاتب أو كتاب السيناريو لأضخم وأطول مسلسل في المنطقة عوالم الاغفال غريبة القصة؟
حسان كشاش برز متزنا مرتاحا في الدور كأنه يليق به فهو شبيه في قوة الأداء وفي بعض الملامح لكرم مطاوع، وكذلك أداء مريم بن شعبان متميزا بينما سارة لعلامة جميلة، لكن دورها مسطح وحوارها وإن أريد له أن يكون من مناطق على هامش المدن، فيه ضجيج لا يصلح لكل المشاهد، أي أنها لم توفق في لهجة الحوار. “كأنها تقرأ من الورقة”. ربما الحلقات المقبلة تبين فيها مواهبها المعتادة. لكنها الخطوات الأولى في مشوار المئة حلقة.
“أولاد مفيدة” في تونس: مشاهدة
طيبة بعدما ينام الأطفال
ما زال مسلسل “أولاد مفيدة”، يثير الجدل، بسبب مشاهد العنف والجنس، التي يتضمنها، منذ أجزائه الأولى، التي تعرض على قناة “الحوار” التونسي، لصاحبها وكاتب سيناريو المسلسل سامي الفهري. فقد قامت حملة هجوم واسعة من طرف رواد مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بمقاطعته، لما يسببه من إهانة للتونسيين على حد تعبيرهم، كما هددوا بمقاضاة القناة، التي يرون أنها تقوم ببث السموم في بيوت التونسيين، مما اضطر الى تدخل الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري، والذي وجد الحل البارع للقضية، فقرر تأخير بثّ المسلسل إلى بعد العاشرة ليلا، حتى لا يراه من هم أقل من إثنتي عشرة سنة. تطور ملحوظ في قوانين حظر المشاهد الفتاكة بالأخلاق من ثمانية عشرة سنة إلى إثنتي عشرة سنة.
على الأمهات الإكثار من حكايات الغيلان المرعبة، التي تجعل الأطفال ينامون أو يتظاهرون بالنوم خوفا وتغطية الرؤوس. وأكثر ردود الفعل من طاقم العمل جاء على لسان بطلة المسلسل وحيدة الدريدي، على صفحتها على الفيسبوك قائلة: لأننا الشعب الملاك… أهلا وسهلا، بلهجة السخرية”.
وأضافت متسائلة “هذا من ينقد المسلسل متعللا برمضان، هل يصوم فعلا في هذا الشهر عن العنف والغش والنفاق”. وتواصل مفصلة في مضمون الانتقادات وتحيلها للواقع، الذي هو أمر من مشاهد المسلسل الخادشة للحياء وللذوق العام، من كلام بذيء، استهلاك للمخدرات بين القُصر، تناول الكحول…الخ
لرد الكرة في شبكة المجتمع، التي تتمزق بفعل كل تلك المشاهد والآفات. الكل محق والكل مذنب، لأن لا أحد يمتلك الحلول، فقط هناك تشريح دام لظواهر مؤذية حد الغثيان والصرع أذكتها وسائل التواصل وتكنولوجيا مثبطة للمهارات ومخدرة للهمم.
للأمانة فإن لعنة العنف والجنس وكل ما يحيط بهما تطال كل الدراما الرمضانية، فكأنها تغرف من مصدر واحد، هي عولمة الأذواق والمشارب الفكرية واستعمال الوسائط التكنولوجية، وبقيت المجتمعات المحافظة، أحيانا شكليا فقط، تتخبط بين كل ذلك، وتقرع بين الحين والآخر نواقيس الخطر الصدئة!
العدوى تنتقل لـ”أولاد الحلال” في الجزائر
مسلسل “أولاد الحلال”، الذي يعرض على قناة “الجزائرية”، حامت أيضا حوله الانتقادات انطلاقا من أنه النسخة الجزائرية لمسلسل “أولاد مفيدة”، أو أنه سيناريو مسروق من “أولاد الحلال” المصري (1978). لكن الممثل الرئيسي في المسلسل ومخرجه نفى الاتهام بكونه هو من قام بالمعالجة الدرامية وبأنه لا يشاهد الأفلام المصرية؟
“أولاد الحلال”، من إخراج الممثل التونسي نصر الدين السهيلي وسيناريو الكاتبة المعروفة رفيقة بوجدي، وطاقم تقني تونسي، صور في مدينة وهران وباللهجة الوهرانية حول قصة أخوين تربيا في الملجأ، يبحثان عن أصلهما فعرفا أن والدهما قتل والدتهما بسبب الشك في سيرتها… في النهاية هم أولاد حلال، لكن أولاد الحرام لم يتركوا لأولاد الحلال شيئا.
الايجابي جدا في هذه الدراما أنها تجمع بين البلدين في غياب مشاريع جادة تجمعهما، يسعى الفن لأسباب كثيرة أن يكون همزة وصل بين الأشقاء، ونرجو أن تمتد ظاهرة التعاون والتفاعل بين كل الجيران والأشقاء وأن تظهر الخبرات والمهارات الفنية الكامنة للخروج من الاتهامات وأزمات السيناريوهات المتكررة ونمطية مشاهد الدراما الرمضانية، ليصبح الفن هادفا بناء حتى لا نضطر لإغماض عيوننا، ليس خجلا، ولكن نغمضها عن الظواهر الأساسية والمشاكل العميقة، التي تعصف بمجتمعاتنا في هذا الزمن الذي لم يعد حبيبنا. والصراعات الداخلية تمزقنا.
كاتبة من الجزائر