فيلم من المجر حرر «ماريش» من عبودية تواصلت لعشر سنوات

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: «أومين كابتشيرد» أو (امرأة في العبودية) فيلم وثائقي للمجرية برناديت توزا- ريتر اعتمدت خلاله الأسلوب الإستقصائي، فكانت وجهاً لوجه مع «ماريش» المستعبدة طوال أكثر من 10 سنوات.
نجحت ريتر في اقناع المرأة، التي استساغت الإستعباد ووجدت له مبرراته المادية، وربما الإنسانية، بمهمة التصوير داخل منزلها. كانت لتلك «السيدة» – إن صح التعبير – شروط بأن تعرف كل ما تقوم به ريتر، التي أخبرتها بأنها بصدد مهمة اجتماعية، وأن لا تظهر في الصورة. حضر صوتها، سيجارتها، أوامرها ومطالبها، وحضرت أظافرها ذات الطلاء المتقن.
كانت «ماريش» في الثالثة والخمسين من عمرها حين بدأت كاميرا ريتر تصويرها في عملها داخل المنزل، وفي المصنع. امرأة ارتضت عبوديتها بعد فقدانها الأمان من أي إنسان أو مؤسسة عامة أو أهلية. بعد شجارات وتعنيف متواصل من زوجها هربت مصدومة ومذعورة.
وجدت نفسها لدى تلك المرأة، التي عرضت عليها الإيواء والطعام مقابل كافة أعمال المنزل والعائلة. لكن ماريش تعمل ليلاً 12 ساعة في مصنع مقابل 150 يورو. أجر تسلمه لـ»السيدة» التي بررت فعلتها «بالكاد يكفي بدل سجائر و20 كوب قهوة في اليوم!»، سألتها المخرجة مرّة إثر عناء يوم طويل، إن كانت قد تناولت الطعام؟ «لم أجد الوقت بعد»، هو الرد. أظهرها الشريط المصور بعفوية تامة تتناول طعاماً من بقايا صحون العائلة.
في عبوديتها تلك وجدت «ماريش» الطمأنية المجبولة بالتعب. انقطعت عن أي صلة بالخارج، سوى تواصل محدود مع ابنتها، التي اشترطت أن تعيش معها في منزل خاص بهما، وليس في العبودية.
تركز الكاميرا على «ماريش» والعالم الصغير المحدود، الذي تتنقل بينه. إمرأة تتلقى الأوامر بفعل هذا أو ذاك. تنفذ، تلف سجائرها، تدخن وتترك المنزل إلى المصنع ليلاً. استفاقت أكثر من مرّة من النوم والكاميرا ترصدها. دائما ظهر رأسها في وضعية الذي يستلقي ليستيقظ بعد قليل. مكانها كنبة أقل من طولها تقع في ممر. سألتها طفلة العائلة «لماذا ليس لك سرير كما سريري»؟
المرأة المستعبدة بطلة الشريط عاشت حواراً هادئاً ورقيقاً مع المخرجة، فيه العديد من الأسئلة. لماذا ارتضت عبوديتها؟ لماذا لا تتصل بالشرطة؟ لماذا لا تترك تلك المرأة الشريرة، التي لم تتردد عن ضربها في أحيان كثيرة؟ الخوف يكبلها. والقهر العميق أقفل على كل تفكير إيجابي لديها. ربما كان صوت ربة المنزل الآمر وعنفها يسكن عقلها وجسدها النحيل.
كان ضرورياً أن تنجح المخرجة في تحرير «ماريش» من عبوديتها وتحريضها لنيل حقوقها، وليس فقط نقلها للمتلقين كحالة أو عينة بشرية. فقد تمكنت وعبر التكرار من إيقاظ حوافز للحياة مجدداً لدى تلك المرأة. كان يوم ثلاثاء يشكل نهاية الشهر، قررت ماريش تنفس الحرية والتمرد على العبودية. أنجزت في الصباح كامل مهمات العائلة اليومية، بما فيها تحضير الملابس. رحلوا، فرتبت الأسرة. وفي لفتتة رمزية استعانت بلاصق سريع لترميم اليد المكسورة للسيد المسيح مصلوباً. أعادته إلى مكانه المرتفع. وكانت آخر مهامها في مكان استعبدها لعشر سنوات ويزيد.
في الباص صورتها المخرجة تتوجه نحو حياة جديدة لم تبتسم كانت في خوف. أخرجت من حقيبتها 150 يورو هو أجرها الشهري، وقالت «بعد عشر سنوات من العمل هذا ما بقي لي». أول ما فعلته كان كذلك فعلاً رمزياً داست الهاتف بقدمها، وكأنها تسحق معه كامل سنوات إنسحاقها كبشر. استرجعت إحساسها بإنسانيتها وفاجأت المخرجة في لقاء لتناول الطعام معاً بهدية، وكانت تتزين.
في انعتاقها وجدت ماريش مساعدة اجتماعية، وعملاً حكومياً. استأجرت منزلاً وسكنته مع ابنتها وحفيدتها. والأهم أن دوام عملها ثماني ساعات في اليوم. نهاية تريح المتلقي الذي عايش تلك الحالة عبر صورة مقنعة وطبيعية للغاية. حيث أخبرتنا المخرجة في شريط مكتوب بأن حالات العبودية في هنغاريا تبلغ 22 ألفاً، وفي أوروبا مليونا و200 ألف، وفي العالم 45 مليوناً.
فيلم من النوع الشجاع والدليل القاطع، نال العديد من الجوائز في مهرجانات الأفلام الوثائقية حول العالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية