الجزائر-“القدس العربي”:دخل حراك الجزائر أسبوعه الرابع عشر ليواصل صنع الإعجاب والإشادة بسلميته وتحضره، وما تم تحقيقه حتى الآن، بصرف النظر عن تحفظ عموم الجزائريين ورغبتهم في تحقيق التغيير الذي طالما تمنوه ويرونه اليوم أقرب من أي وقت مضى، الأمر الذي يجعلهم يتمسكون بالشارع، ويصرون على مواصلة الضغط على النظام إلى غاية الاستجابة إلى كل مطالبهم، حتى وإن كان طول المدة التي استغرقها الحرك قد بدأ يلقي بظلاله على عزيمة وإرادة المتظاهرين، فضلا عن محاولات التفرقة والتقسيم التي بدأت تعطي ثمارها، لكن الأمور تتسارع ولا أحد يعرف إلى أي مرفأ سترسو.
خرج الجزائريون مرة أخرى إلى الشارع في إطار المظاهرات التي ينظمونها كل جمعة، ومرة أخرى رفعوا مطالب التغيير الحقيقي، وتمسكوا بضرورة رحيل الباءات الثلاث، وفي مقدمتهم رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي، وبعدهما يأتي معاذ بوشارب رئيس مجلس الشعب، وعند حلول كل يوم جمعة نتساءل عما حدث خلال الأسبوع الذي مضى، ونبحث عن مدى التقدم الحاصل، ونفتش عن بداية خيط الحل للأزمة القائمة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وهو ما تنطبق عليه ما قاله ألفونس كار، كلما تغير الوضع كلما بدا أن لا شيء تغير.
الشعارات المرفوعة هي نفسها، المطالبة بالتغيير، والانتقال إلى الجمهورية الثانية، ورحيل الباءات الثلاث، ومحاسبة كل من نهبوا المال العام، وكذا مطالبة المؤسسة العسكرية بالوفاء بالتزاماتها فيما يتعلق بمرافقة الشعب لتحقيق جميع مطالبه، مع التأكيد على سلمية الحراك واستمراره إلى غاية الاستجابة إلى المطالب المرفوعة.
ملتقى طرق
الجزائر في ملتقى طرق تتداخل فيه الكثير من الاتجاهات ويتعرض لتجاذبات مختلفة، الأمر الذي يعتبر من جهة حالة صحية، ومن جهة ثانية لا تبعث على الارتياح، فالمتابع للنقاش السياسي الدائر، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام يدرك حجم الخراب الذي تسبب فيه نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خلال عشرين سنة من الحكم، فالشعب الذي نزل إلى الشارع وما زال يحلم بالتغيير، وبجزائر جديدة وبجمهورية ثانية، لكن لا يوجد اتفاق حول كيفية تحقيق هذه الأحلام الجميلة، فالحراك ما زال حتى الآن دون قيادة، ودون ممثلين، وكل المعارضين الذين كانوا لسنوات يقفون لنظام بوتفليقة ويتحملون في سبيل ذلك المضايقات والتهديدات والتحرشات، يجدون اليوم أنفسهم متهمين ومطاردين من حراك راح الكثيرون من المشاركين فيه ضحية تحريض وتشويه مقصود لمعارضين حقيقيين نزهاء، حتى وإن كانت تصرفات بعضهم في الفترة الأخيرة دخلت أيضا في شعبوية من نوع آخر، شعبوية خطيرة، وفلتان قد يؤدي إلى فوضى وفتن لها أول وليس لها آخر، وتهم العمالة والخيانة أضحت تطال كل اسم يطرح لأداء أي دور في المرحلة الحالية أو المقبلة.
أما أحزاب المعارضة فما زالت في شتات، فحتى الأحزاب والشخصيات التي كانت تجتمع بشكل دوري أحجمت عن ذلك لأسباب غير معلنة، ربما لأنها شعرت أنها تصرخ في واد سحيق، فلا الحراك يعترف بها، ويقبل بأن تتكلم باسمه أو تتفاوض نيابة عنه، ولا قيادة المؤسسة العسكرية المتمسكة بخريطة طريق في إطار الحلول التي يوفرها الدستور، تريد أن تتفاوض معها بشكل مباشر، ولا هذه الأحزاب قبلت بأن تجلس إلى رئيس الدولة المؤقت، ليس لأنها بالضرورة لا تعترف به، بل لأنها تخشى رد فعل الحراك، وتفضل مسايرة موجته بعد أن فشلت في ركوبها أو تحويلها، وبالتالي خرجت الأحزاب من المعادلة في الفترة الحالية، بل إن بعضها دخل في صراع ديكة، وتلاسن وتراشق بالتصريحات والاتهامات، مثل ما حدث بين حركتي مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية المحسوبتين على تيار الإخوان، فكل حزب يتهم الآخر بأنه التقى وتفاوض مع السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق ومستشاره، والذي تحول من شخص يتمسح الناس ببنطاله إلى رجل منبوذ يحاول كل واحد التقى به أو تعامل معه التنصل من ذلك، وتبرئة نفسه.
معركة القضاء
المعركة الأخرى التي تدار رحاها في القضاء تجري على محورين، البليدة وسيدي أمحمد بالعاصمة، الأولى توجد بها المحكمة العسكرية التي تتولى ملف المؤامرة المدبرة من طرف ما يسمى بالقوى غير الدستورية، وعلى رأسها السعيد بوتفليقة والفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق وعثمان طرطاق (بشير) القائدين السابقين لجهاز الاستخبارات، والذين تم توقيفهم منذ حوالي أسبوعين، قبل أن تلتحق بهم لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال.
المتهمون الأربعة يواجهون تهمتين خطيرتين، قد تصل عقوبتها إلى حد الإعدام، ورغم أن القضية ما زالت قيد التحقيق، إلا أن محامي لويزة حنون استبق الأمر ونشر اعترافات على لسان موكلته، قالت فيها إنها التقت يوم 27 آذار/مارس الماضي مع السعيد بوتفليقة والفريق توفيق، في إقامة تابعة للدولة، أي حوالي أسبوع قبل استقالة الرئيس بوتفليقة، مع التأكيد على أن حنون حضرت اللقاء التشاوري لإبداء الرأي، بصفتها رئيسة حزب ونائبة في البرلمان.
أضحى أكيدا أن أشياء كثيرة وقعت خلال الأيام التي سبقت استقالة الرئيس بوتفليقة، بعد الإنذار الأخير الذي وجهه قائد أركان الجيش، وأن الأحداث تسارعت بشكل كبير، قبل أن يصل الأمر إلى استقالة الرئيس تحت الضغط، وأن البلاد كانت على شفا صدام لا أحد يمكن تصور نتائجه وانعكاساته، لكن بدأت خيوط “المؤامرة” تتضح، وهي أن القوى غير الدستورية ظلت تناور إلى آخر لحظة للبقاء في السلطة، وكانت تحضر لإقالة قائد أركان الجيش وتحويله إلى قربان على أمل تهدئة الشارع، وأنهم كانوا يستعدون لتزوير قرار الإقالة، بل يكونون قد فعلوا، ولكن قيادة الجيش تفطنت للأمر، وحالت دون وقوعه.
من جهة أخرى بدأت عجلة التحقيقات مع كبار المسؤولين السابقين تتحرك من جديد، وهذه المرة أضحى أكيدا أن هؤلاء متابعين في إطار قضايا فساد، وأن أغلبيتهم متهمين بتبديد المال العام، واستغلال المنصب، والاستفادة غير الشرعية من قروض وعقارات، وكم كانت صورة هؤلاء مثل أحمد أويحيى وعبد المالك سلال رئيسي الوزراء السابقين، اللذين كانا نموذجين صارخين صادمين للغرور والعنجهية واحتقار الشعب، حتى وإن كان سلال يحاول القيام بذلك بنوع من خفة الدم، التي جعلت منه أقرب إلى بهلوان منه إلى مسؤول سام، وكذا عبد القادر زوخ محافظ العاصمة السابق، الذي انفجر ضاحكا قبل بضعة أشهر عندما سأله صحافي عن أنباء بشأن إقالته من منصبه، وكذا الوزير السابق عمارة بن يونس الذي لم يتمالك نفسه مرة فقال: “ينعل بو اللي ما يحبناش” ( ونحن تعود على بوتفليقة وأنصاره) وكم كانت صورهم وهم يدخلون المحكمة مطأطأي الرؤوس والمواطنين الذين تجمعوا على بعد أمتار يصرخون” كليتو البلاد يا السراقين. في انتظار ما ستؤول إليه هذه التحقيقات التي يبدو أنها ستطال العشرات والعشرات من كبار المسؤولين السابقين التي تعد أكبر عملية تطهير في تاريخ الجزائر.