خامنئي يرفض مفاوضات “حافة الهاوية” ويترك الباب موارباً مع ترامب

نجاح محمد علي
حجم الخط
1

سرب الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني عبر قنواته الخاصة، معلومات الاستخبارات الإسرائيلية الموساد التي سربتها بدورها إلى وكالة المخابرات الأمريكية “سي آي أيه” عن لقائه (العادي والمكرر) مع قادة فصائل عراقية توصف بأنها موالية أو حليفة لإيران ضمن خطته للإيقاع بين جناح الحرب المتشدد في الإدارة الأمريكية والرئيس دونالد ترامب.

سليماني يملك علاقات شخصية واسعة بمختلف الأطراف الفاعلة في الصراعات الإقليمية بحكم موقعه كقيادي في الحرس الثوري وعمله في الملفات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي الإيراني خصوصاً العراقي والسوري وفي اليمن أيضاً، التقى قيادات بارزة في الحشد الشعبي خلال تواجدها في محافظة الأهواز لتقديم الإغاثة للإيرانيين عند تعرضهم لسيول وفيضانات. وتم تسريب معلومات “مدروسة” عن “كواليس” للاجتماع لكي يدفع سليماني بالفريق المتشدد داخل الإدارة الأمريكية نحو التحرك الفوري والدفع باتجاه التصعيد مع إيران باعتبار أن جماعات عراقية محددة ستنفذ عمليات خطف لدبلوماسيين وضباط وجنود أمريكيين وتهدد بالتالي المصالح الأمريكية في العراق. وهذا الأمر هو ما يفتش عنه الفريق الأمريكي المتشدد، بومبيو وبولتون برايان هوك، أي مبرر شن الحرب على إيران إذ وصل إلى ترامب أن سليماني أخبر قادة الفصائل العراقية بضرورة الاستعداد للحرب، وسرب ذلك ليصل بالتالي إلى ترامب ليكون هذا اللقاء سبباً في رفع مستويات ودرجات التهديد للقوات وللقواعد العسكرية الأمريكية في العراق إلى أقصى درجة.

فخ الشجرة

ما كان يريده سليماني هو زيادة الهوة والتباين في وجهات النظر من المسألة الإيرانية وطرق حلها بين الرئيس الأمريكي الطامح بولاية رئاسية ثانية ومستشاريه المتشددين الراغبين في التصعيد وتغيير نظام الجمهورية الإسلامية عبر سيناريو الحرب وتحريك الداخل. ويبدو حتى الآن أن هذا التباين برز على السطح حين نُقل عن مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية على دراية بالمحادثات التي أجراها ترامب مع مستشار الأمن القومي جون بولتون، ووزير الخارجية، مايك بومبيو قوله إن ترامب كان غاضباً على مدار الأسبوع إزاء ما رآه تخطيطاً حربياً يتجاوز أفكاره الخاصة التي لا تتجاوز حدود الضغط بالعقوبات والحشود العسكرية وتفادي الانجرار إلى مواجهة عسكرية وهذا ما أشارت له صحيفة “نيويورك تايمز” بقولها الخميس إن الرئيس دونالد ترامب أبلغ القائم بأعمال وزير الدفاع باتريك شاناهان بأنه لا يريد خوض حرب مع إيران.

وطوال الأسبوع كان الرئيس الأمريكي في تصريحاته وتحركات وزارة الدفاع وكأنه فوق الشجرة لا يستطيع النزول منها حتى في لقاء وزير خارجيته بومبيو في سوشي مع نظيره الروسي وإشاراته الغامضة (المقلقة) التي لم تطمئن موسكو حول نوايا ترامب من المسألة الإيرانية.

رفاق ترامب الجمهوريون الذين يسيطرون على أغلبية المقاعد في مجلس الشيوخ لم يسعدهم هذا الوضع وباتوا في حرج أمام منافسيهم الديمقراطيين على أعتاب التحضير لانتخابات 2020 الرئاسية، ومن هنا تجري الاستعدادات في الكونغرس لكي يدلي مسؤولون من إدارة ترامب بإفادات سرية بشأن الموقف مع إيران، وذلك بعد أن طلب مشرعون من الحزبين مزيداً من المعلومات، إذ سيحضر وزير الخارجية مايك بومبيو ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد والقائم بأعمال وزير الدفاع باتريك شاناهان جلسة عصر الثلاثاء المقبل أمام مجلس الشيوخ بكامل هيئته، وهذا في حد ذاته إحراج لترامب أمام مؤيديه وخصومه، إذ يشكو أعضاء الكونغرس منذ أسابيع من أن إدارة ترامب لم تطلعهم على معلومات كافية بشأن التصعيد الحالي مع إيران، بل إن بعض الجمهوريين يقول إن الإدارة لم تطلعهم على أي شيء بشأن تلك القضية.

وليس هذا وحسب فقد أفاد مسؤولون في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، بأنهم يتوقعون أيضاً إفادة الأسبوع المقبل مع بومبيو.

بروفة

وإلى جانب الايقاع بين الفرقاء، كان الهدف من وراء تلك التسريبات إحراج ترامب أكثر عندما يظهر وكأنه لا يفي بأهم وعوده الانتخابية وهو عدم الخوض في حروب جديدة وسحب قواته من المنطقة، وها هو يعلن الانتصار على تنظيم “الدولة” في العراق وسوريا لكنه يبقي على قواته في العراق ويعرض حياة جنوده للخطر.

لقد ارتفعت في العراق في الآونة الأخيرة أصوات تطالب بسحب القوات الأمريكية ووصل الأمر إلى التهديد باستهدافها واستهداف السفارة الأمريكية، وهذه المرة لم يأت التهديد من حلفاء إيران (كعصائب أهل الحق مثلاً) الذين لجأوا إلى البرلمان وطالبوا بسن قانون يلزم الحكومة بإخراج هذه القوات لأن عملها انتهى، وإنما جاء من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي كانت واشنطن (خطة مارتن انديك) تراهن عليه لاحتوائه (بواسطة السعودية) وزعامات شيعية أخرى، ليكون المخلب في مواجهة النفوذ الإيراني داخل العراق.

ويمكن القول في ضوء التصعيد الأخير وتسريبات رافقتها تطمينات حقيقية قدمها السفير الإيراني لدى بغداد ايرج مسجدي لنظيره البريطاني جوناثان ويلكس خلال لقائهما الخميس في مبنى السفارة الإيرانية حول سلامة قوات التحالف ومنها بالطبع القوات البريطانية والأمريكية، وأن أي خطر لن يتهددها من قبل إيران.

اللقاء جاء بعد أن عدلت بريطانيا من تصريحها بشأن عدم وجود خطر يهدد هذه القوات في العراق، ويتفهم الإيرانيون أنه جاء (مجاملة) للأمريكان ومع ذلك فانهم التزموا بمبدأ التفاهم الذي على أساسه تم تشكيل الحكومة العراقية الحالية وانتخاب عادل عبد المهدي رئيساً لها ولا بأس من التذكير هنا بتصريح جوناثان ويلكس نفسه عندما غرد على تويتر 20 أيلول/سبتمبر الماضي قائلاً: “دعوت سعادة السفير الإيراني إلى نقاش صريح حول آخر المستجدات في العراق واتفقنا على أن الحكومة القادمة يجب أن تحسن خدماتها المقدمة وتوفر الوظائف إلى الشعب” فهما لم يتفقا فقط على اسم رئيس الوزراء وهو عادل عبد المهدي في خضم الجدل مع بريت ماكغورك ممثل الرئيس الأمريكي آنذاك حول المرشح المطلوب، وإنما حددا مهام الحكومة ووظائفها المقبلة، وهذا يعني دعمها بالكامل.

ومع أن انتخاب عادل عبد المهدي تم بعيداً عن المرجعية العليا وهو لم يكن خيارها بالمرة، إلا أن المرجع الأعلى السيد علي السيستاني شدد خلال لقائه مؤخراً ممثلة الأمم المتحدة في العراق جینین ھینیس بلاسخارت، على العلاقات المتوازنة للعراق مع جميع دول الجوار من دون التدخل في شؤونه الداخلية أو المساس بسيادته، رافضاً أن يكون محطة لتوجيه الأذى لأي بلد آخر.

ومن هنا فإن كل ما يتسرب خارج هذا الإطار، يرفضه رئيس الحكومة العراقية كما يرفضه التفاهم الإيراني البريطاني في العراق، ويرفض بالتالي زعزعة الأمن والاستقرار فيه من أي جهة كانت بما لا يمنح واشنطن الذريعة لاتهام إيران بالمباشر أو بالواسطة.

ومن هُنَا يمكن الإشارة إلى الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس حسن روحاني بالرئيس العراقي برهم صالح وتأكيده له أن إيران غير معنية بأي نشاط تقوم به فصائل عراقية خارج إطار الدولة العراقية، وترافق ذلك مع التصعيد الجديد في المنطقة المتمثل بتفجيرات الفجيرة الذي يهدد بعرقلة الملاحة وبالتالي تصدير النفط عبر بحر عمان ومضيق هرمز، وباستهداف طائرات مسيرة منشآت نفطية حيوية في العمق السعودي وتحديد نقل النفط عن طريق البحر الأحمر وباب المندب.

وبينما ظل الفاعل في تفجيرات الفجيرة مجهولاً لغاية في نفس يعقوب ولأنه ليس من مصلحة الأطراف المعنية الإفصاح عنه، أعلن أنصار الله في اليمن مسؤوليتهم عن عملية ينبع قرب الرياض ووصفوها بالعملية العسكرية الكبرى، وأنها تشكل انتقالاً لمرحلة جديدة من التصعيد ضد السعودية سيكون عنوانها الأبرز، الاستهداف الاقتصادي المفتوح حتى تكف السعودية عن استهداف اليمن، وهناك قائمة بأهداف حساسة واستثنائية وأكثر مما يتوقع السعوديون وسيتم استهدافها لاحقاً .

رسائل

الحرب بين واشنطن وطهران تظل مستبعدة خصوصاً أن هناك أطرافاً إقليمية ودولية سارعت إلى القيام بوساطات في محاولة لجر الطرفين إلى مائدة المفاوضات والحوار المباشر الذي يريده ترامب ويلح عليه وترفضه طهران ولا تغلق الباب نهائياً أمامه بالتأكيد على مطالب واقعية مشروعة وليست شروطاً تندرج في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 (2015) وهو آخر قرار دولي حول المسألة النووية الإيرانية وقضى بتأييد الاتفاق النووي ورفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

ورغم أن خامنئي رفض المفاوضات المباشرة مع إدارة ترامب الحالية كونه نقض الاتفاق النووي ولا يمكن الوثوق به ثانية، ويراهن على فشله في الانتخابات المقبلة إلا أنه لا يمانع بالمطلق من الإبقاء على شعرة معاوية معه، ربما يحسبها ترامب (بعقلية التاجر) ويذعن بالتالي إلى القرار 2231 ويتخلص من مستشاره للأمن القومي جون بولتون الذي يتعامل مع إيران وكأنه عضو في منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة المتهمة منذ زمن الشاه بأعمال إرهابية ضد أمريكا نفسها، وينسجم مع الإجماع الدولي خصوصاً الأوروبي المؤيد للاتفاق النووي، وللعمل مع الجمهورية الإسلامية في ملفات إقليمية ودولية خطيرة كان يفترض فتحها معها بعد الانتهاء من الاتفاق النووي.

فمتى ينزل ترامب من الشجرة خصوصاً أن الإجماع في القيادة داخل إيران هو أن لا يمنح الفريق المتشدد الذريعة لشن حرب على بلادهم وستبقى طهران في الاتفاق النووي ولن تنسحب عنه ولن تحقق بذلك رغبة الفريق الذي دفع الرئيس الأمريكي إلى الانسحاب منه ويحرضه على مهاجمة إيران؟

ومتى يعزز المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يرأسه الرئيس الإيراني جبهة الداخل ويبدأ روحاني أولى خطوات الوحدة بين الفصائل السياسية في البلاد لتجاوز الظروف التي قال هو إنها ربما تكون أصعب من الأوضاع خلال الحرب مع العراق في الثمانينيات؟!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية