ترامب لا يريد الحرب مع إيران فمن يدفعه نحو التصعيد؟

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك-“القدس العربي”:بينما كانت حاملة الطائرات الأمريكية العملاقة أبراهام لنكولن تبحر نحو الشرق الأوسط تعرضت الأحد الماضي 12 مايو/أيار أربع سفن تجارية في ميناء الفجيرة لهجمات غريبة فاتهمت دولة الإمارات والسعودية إيران أنها وراء العمليات.  لقد رفعت تلك العملية الغامضة حدة التوتر ولغة التهديد والوعيد لإيران من بعض صقور الإدارة الأمريكية. ومما رفع منسوب التوتر ما أشارت إليه معلومات الاستخبارات الأمريكية من أن إيران وضعت صواريخ على قوارب صغيرة في الخليج العربي مستندة في المعلومات الاستخباراتية إلى صور لم يتم نشرها ولكنها وصفت لصحيفة “نيويورك تايمز” المخاوف لدى الإدارة أن هذه الصواريخ المحملة في القوارب قادرة على ضرب القوات الأمريكية وحلفائها. والواضح أن هناك جدلا قائما لم يحسم بعد داخل الإدارة الأمريكية بين أنصار المواجهة بزعامة جون بولتون، مستشار الأمن القومي، والقيادات العسكرية وممثلي الحزب الديمقراطي ومعهم جماعة من الحزب الجمهوري في الكونغرس الذين لا يريدون المواجهة.

إن ما يجري من تصعيد مع إيران يذكرنا باللغة والخطابة والتحريض لغزو العراق عام 2003 تحت حجة وجود أسلحة دمار شامل. في تلك المرة كان نائب الرئيس ديك شيني ووزير الدفاع رامسفيلد ومجموعة من المحافظين الجدد يقودون حملة التوجه إلى الحرب أما هذه المرة فيقود الحشد ضد إيران مستشار الأمن القومي بولتون، الذي لعب دورا محوريا في غزو العراق حيث كان نائبا لوزير الدفاع لشؤون نزع السلاح وشؤون الأمن. ويلف حول بولتون مجموعة الصهاينة في الإدارة الحالية من بينهم نائب الرئيس مايك بينس ووزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الرئيس وصهره جارد كوشنر ومبعوثه للشرق الأوسط جاسن غرينبلات وسفيره في إسرائيل ديفد فريدمان.

لقد أكد ترامب في حملته الانتخابية أنه سيسحب القوات الأمريكية من كافة الحروب العبثية “التي يقتل فيها الأمريكي في بلاد قد لا نعرف أين تقع على الخارطة”. لكن يبدو أن جون بولتون، الذي يحظى بثقة الرئيس، هو صاحب الكلمة النهائية في مسائل التصعيد مع كوريا الشمالية وفنزويلا وكوبا والآن إيران.

وفي هذا السياق تحركت إلى المنطقة حاملة الطائرات أبراهام لنكولن إضافة إلى قوة دفاع جوية تتضمن القاذفات العملاقة ب- 52 والمزودة بصواريح ذات رؤوس نووية.

وحسب جريدة “نيويورك تايمز” فإن بولتون ينوي إرسال قوة عسكرية إلى الشرق الأوسط تصل إلى 120000 جندي وهو ما تم نفيه من ترامب مؤخرا واعتبرها من “الأخبار الكاذبة”.

ويختلف الحزبان الرئيسيان في الكونغرس الأمريكي تقريبا على كل شيء إلا إذا تعلق الأمر بإسرائيل ومصالحها في المنطقة.  أما الموضوع الإيراني فالأمر مختلف لسببين: أولا لأن الاتفاقية حول برنامج إيران النووي كانت من إنتاج الحزب الديمقراطي والرئيس باراك أوباما حيث اصطف الحزب خلف الرئيس رغم الحشد الجمهوري وأنصار اللوبي الإسرائيلي وخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي في 2015 في الكونغرس محرضا ضد التصديق عليها.

والسبب الثاني أن الحزب الديمقراطي حاليا يعمل على الإطاحة بترامب ولا يجد سبيلا لانتقاده والتحريض ضده والعمل على تعطيل كل برامجه إلا واتبعه تخوفا من احتمال إعادة انتخابه لدورة ثانية قد تجر من الويلات على الولايات أضعاف ما جرته دورته الأولى.

لكن الطريقة التي يعارض فيها أعضاء الحزب الديمقراطي كل ما يقوم به الرئيس تبدو هادئة عندما يتعلق الأمر بإيران خوفا من اغضاب اللوبي الإسرائيلي مثل “أيباك” والمجموعة الصهيونية المحيطة بالرئيس برئاسة نائب الرئيس بنس، ووزير الخارجية بومبيو وصهره جارد كوشنير ومستشاره للشرق الأوسط جاسن غرينبلات وسفيره لدى إسرائيل ديفيد فريدمان.

وقدم عضوان في مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي محاججة هادئة في مقال رأي في “واشنطن بوست” في الخامس من مارس/آذار الماضي ضد دق طبول الحرب التي يقوم بها ترامب وحاشيته ضد إيران وهما توم أودال عن ولاية نيو مكسيكو وريتشارد دوربن عن ولاية إلينوي، مشيرين إلى أن الحرب على العراق قد شنت بناء على إدعاء كاذب “وها نحن مرة أخرى نتجه نحو نزاع آخر غير ضروري في الشرق الأوسط على أساس المنطق الخاطئ والمضلل”. ويضيف الشيخان أن مسؤولية الكونغرس الآن أن يكبح جماح اندفاعة ترامب نحو الحرب فليس من حق أمريكا أن تغير أنظمة الدول الأخرى بالقوة إذا ما اختلفت معها كما حدث في العراق.

وترى رئيسة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي إن ترامب ليس من حقه، وليس جزءا من مسؤولياته أن يتجه نحو مواجهة في الشرق الأوسط دون موافقة الكونغرس.  وقالت في اجتماع الأربعاء مع أعضاء حزبها من الديمقراطيين “يجب علينا تجنب أي حرب مع إيران”.

من الذي يدفع للحرب؟

 

الحقيقة أن الذي يدفع إلى مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة هي إسرائيل وجماعتها. وقد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأربعاء “أن إسرائيل كانت تزود واشنطن بمعلومات استخبارية حول الهجمات الإيرانية المحتملة في الخليج وفي العراق وأن رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، الذي يروج لطموحات إيران الاستراتيجية هو الذي اقترح فكرة الحرب مع إيران، وأفادت مصادر الصحيفة أن “الصور التي أظهرت تحميل صواريخ قصيرة المدى على زوارق صغيرة سريعة في المياه الإيرانية التي استخدمها مستشار الأمن القومي جون بولتون لإقناع الرئيس بإرسال مجموعة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن والقوة الجوية الضاربة إلى مياه الخليج. هذه الصور، والتي تم توفيرها من قبل إسرائيل، استخدمها بومبيو لإقناع حلفاء الولايات المتحدة بنوايا إيران العدوانية.

لقد بدأ التحضير لمواجهة محتملة منذ دعا وزير الخارجية بومبيو لعقد مؤتمر وارسو في شباط/فبراير الماضي وضم لأول مرة وفودا عربية مع إسرائيل. وتعمد منظمو المؤتمر أن يجلسوا الوفود العربية على طاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لترويض العقول العربية على مشاهد التطبيع العلنية.  وقال بومبيو في المؤتمر: “لا يمكنك تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط دون مواجهة إيران. هذا ليس ممكنًا”. أما نتنياهو فقد كان أوضح في موضوع الحرب مع إيران فقال مفتخرا بأن الدول المشاركة “تجلس مع إسرائيل من أجل تعزيز المصلحة المشتركة للحرب مع إيران”.

حتى الرئيس نفسه عاد وتراجع عن موضوع الحرب اللازمة حسب مصادر “نيويورك تايمز” في تقرير نشره الخميس كل من مارك لاندلر وماجي هابرمان وإريك شميت. وأبلغ القائم بأعمال وزير الدفاع، باتريك شاناهان، بأنه لا يريد الدخول في حرب مع إيران بينما بدأ كبار دبلوماسييه البحث عن طرق لنزع فتيل التوترات، حسبما قال مسؤولون في الإدارة. وبعث بيان ترامب، الذي جاء خلال اجتماع عقد صباح الأربعاء الماضي في قاعة الإحاطة، رسالة إلى مساعديه المتشددين بأنه لا يريد أن تتوسع حملة الضغط الأمريكية المكثفة على الإيرانيين وتتحول إلى صراع علني”.

إذن من الذي يريد الحرب والمواجهة؟ لقد كشفت مصادر صحافية الجمعة أن إسرائيل تقف وراء تزويد الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية مبالغا بها بصدد نشاطات إيران في مياهها الإقليمية في مياه الخليج العربي وتدريبات ومناورات عسكرية للقوات النظامية وغير النظامية الإيرانية في الأراضي الإيرانية، بصدد توفير الذرائع لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمضاعفة الضغوطات على طهران ورفع وتيرة التوتر وإشعال مواجهة عسكرية قد تؤدي لحرب أمريكية إيرانية شاملة.

لكن هناك محللون آخرون يقولون إن الضغط المستمر على إيران قد يهدف بدلاً للحرب إجبار إيران على الموافقة على اتفاق نووي أكثر صرامة من القائم الآن، أو إلى تهيئة ظروف حرجة بدرجة كافية للإيرانيين الساخطين ليطيحوا بحكومتهم.

وتنقل صحيفة نيويورك تايمز عن عاموس يادلين، وهو رئيس متقاعد للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ومدير معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، قوله إن “لا أحد يفكر في تغيير النظام عسكرياً، بل في إضعاف النظام والاقتصاد الإيراني وجعل الشعب الإيراني يغير النظام وهذا هو، في النهاية، الهدف النهائي”. فهل سينجح معسكر تجنب الحرب في الأيام القليلة المقبلة؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية