سيظل هذا الكتاب من أهم، إن لم يكن أهم، الكتب الأوروبية والأمريكية، التي تناولت الحداثة الرقمية بفضاءاتها الْبَعْد ما بعد حداثية، ومباحثتها، إذ قدمت سياقات جديدة من الاشتغالات الثقافية المتباينة التي لا غنى عنها لباحث أو متتبع أو دارس. هذا ما يقوله هاني الصلوي في تقديمه لكتاب «الحداثة الرقمية.. كيف فكّكت التكنولوجيات الجديدة ما بعد الحداثة وأعادت تشكيل الثقافة» لمؤلفه آلان كيربي، الذي أنجز ترجمته إلى العربية الروائي والمترجم الراحل زين العابدين سيد، وصدر عن دار أروقة في القاهرة. تأتي نظرية الحداثة الرقمية في سياق ما يُعرف بنظريات بعد ما بعد الحداثة، وهي نظريات ظهرت بعد إعلان عدد من مُنظّري ما بعد الحداثة انتهاءها، وانبثاق مرحلة أخرى جديدة، وعلى رأس هؤلاء المفكر الراحل إيهاب حسن في مقاله الشهير «تجاوز ما بعد الحداثة».
موت الحداثة المزعوم
سبعة فصول فقط تكوّن مادة هذا الكتاب، يتحدث كيربي في أولها عن الموت المزعوم لما بعد الحداثة، وما بعد حداثة الأطفال، وعن قتل ما بعد الحداثة ووأدها وتتابعها. وفي ثانيها يتحدث عن النص الحداثي الرقمي، والمضاد اللفظي للحداثة الرقمية المبكرة. وفي ثالثها يسرد تاريخ ما قبل تاريخ الحداثة الرقمية، ويتحدث عن فن البانتومايم. أما الفصل الرابع فيخصصه كيربي للحديث عن الحداثة الرقمية والجيل الثاني من استخدامات الإنترنت: غُرف الدردشة، لوحات الرسائل، المدونات، الويكيبيديا، اليوتيوب، والفيسبوك. وفي الفصل الخامس يُحدث كيربي القارئ عن جماليات الحداثة الرقمية، وعن ميلاد السرد غير المُتناه.ثم يأتي الفصلان السادس والسابع، وفيهما يتحدث كيربي عن ألعاب الفيديو والسينما والتلفزيون، وعن بدعة التوحد وعودة الرواية الكبيرة السامة.
البُعد الرقمي
ينطلق آلان كيربي، كما يقول الصلوي في مقدمة الترجمة، في تقديم رؤيته للحداثة الرقمية، وتحليله للمرحلة وفنونها ومآلاتها من موقعه كناقد ثقافي، وبموسوعيّة ذكية، وربما كانت هذه بعض ميزاته عن غيره في مناقشة البعد الرقمي. في الحداثة الرقمية جمع كيربي بين التحليل الثقافي للظاهرة الرقمية ومباحثتها رقميًّا على المستوى الذهني، أو عرضها بشكل مبسط، بدون أن يتورط في تقديم نصوص تعبّر رقميًّا بشكل وافٍ عن المرحلة. الصلوي يذكر كذلك أن الحداثة الرقمية في رأيي كيربي ما هي إلا منظور ثقافي للقرن الحادي والعشرين، وما يؤكد أهمية هذه الأطروحة أن تقوم بدراسة الحياة الرقمية في بُعدها المجتمعي المتأرجح بين عدم القدرة على التخلي عن الحياة غير الرقمية، بما في ذلك الاعتماد على الصيغ القديمة لممارسة الحياة اليومية والكتابة والعمل، ومحاولة الصعود للمجتمع الرقمي الإجرائي ثم المحض، هنا يقدم كيربي خصائص تكنولوجية للحداثة الرقمية، وُجدتْ في معظمها، بصيغ أكثر تطورًا، لحظة ما بعد الحداثة، وهو لم يلتفت إليه، فالتكنولوجيا عنده هي سمة بعد ما بعد حداثية، بينما هي سمة ما بعد حداثية منذ ظهور قرية ماكلوهان الكونية، في بداية ما بعد الحداثة، وفكرته عن كون الوسيط هو الرسالة. كذلك ناقش كيربي، في كتابه هذا، الرقمية من عدة مناحٍ، بدون أن يقف على البعد الثقافي للقضية مفردًا، فالحداثة الرقمية تُعتبر ثورة في كتابة النصوص شكلا ومحتوًى، وقيمًا نصية جديدة، وتقدم أيضًا أنواعًا من المعاني والمكونات والاستخدامات الثقافية. الصلوي يرى كذلك أن استعمال آليات النقد الثقافي التي تنتمي إلى مرحلة أسبق، لم يمنع كيربي من تقديم نظرية ذكية وشاملة حول بعد ما بعد الحداثة الموسومة عنده بالحداثة الرقمية.
يرى كيربي أن اليوتيوب هو شكل حداثي رقمي يتجلى فيه قدر كبير من العفوية، وهو تنظيميًّا آلية لتقديم فقرات فيلمية قصيرة نسبيًّا تتاح بشكل مجاني: يمكن تحميل مقاطع خاصة عليه ومشاهدة مقاطع أخرى.
منطق ثقافي سائد
كيربي يعرف الحداثة الرقمية، كما عرّفها فريدريك جيمسون، بأنها منطق ثقافي سائد، ونمط مهيمن، وليس وصفًا شاملا لكل الإنتاج الثقافي المعاصر. إنه مجال القوة الذي يجب أن تتخذ فيه الأنواع شديدة الاختلاف من الاتجاهات الثقافية، بما فيها الأشكال الناشئة والقديمة من الإنتاج الثقافي، طريقها. كذلك ينتاب كيربي، مثله مثل جيمسون، شعور بأنه ما لم نكوِّن شعورًا عامًّا بمهيمن ثقافي ما، فإننا سنرجع القهقري إلى رؤية التاريخ الراهن على أنه عداء متبادل واختلاف عشوائي، وأهداف لعرض فكرة ما عن نمط ثقافي. كيربي يرى أن الأفق قد تغير بعد عشرين عامًا، وأصبح مجال القوة الثقافية المهيمنة والنمط المنهجي مختلفًا: ما كان في الماضي بَعْد حداثي، أصبح الآن حداثيًّا رقميًّا. كيربي يعدد أوجه العلاقة بين الحداثة الرقمية وما بعد الحداثة في خمسة أنواع: اعتبار الحداثة الرقمية وريثة لما بعد الحداثة، تعايش الحداثة الرقمية في سنواتها الأولى مع ما بعد الحداثة، اعتبار أن العديد من أوجه قصور الحداثة الرقمية ينبع من تلوثها بأسوأ سمات ما بعد الحداثة الفاسدة، اعتبار الحداثة الرقمية رد فعل ضد ما بعد الحداثة، وقد تبدو الحداثة الرقمية قريبة تاريخيًّا مما بعد الحداثة.
كيربي الذي يخاطب في كتابه هذا جمهورًا هجينًا ومتنوعًا، يرى أن الحداثة الرقمية تنطوي على مضامين فلسفية بعيدة الأثر، بالإشارة إلى قضايا مثل الفردية والحقيقة والمعنى والتمثيل والزمن، لا يتعرض هنا لها بشكل كبير، مثلما لا ينكر أن هذه القضايا الجدلية ظهرت بداية في مقال له نشر عام 2006. هنا يسعى كيربي إلى التأكيد على حالة انهيار ما بعد الحداثة وسقوطها منذ منتصف التسعينيات، كما يناقش السمة الأبرز للحداثة الرقمية ونصها الجديد، ويعرض أيضًا للتاريخ السابق، أو القبْلي لسماتها في الفترة التي سبقت ظهور أساسها التكنولوجي.
اليوتيوب
وبعد الحديث عن المدونات وبوستات الفيسبوك وغرف الدردشة، يرى كيربي أن اليوتيوب هو شكل حداثي رقمي يتجلى فيه قدر كبير من العفوية، وهو تنظيميًّا آلية لتقديم فقرات فيلمية قصيرة نسبيًّا تتاح بشكل مجاني: يمكن تحميل مقاطع خاصة عليه ومشاهدة مقاطع أخرى. كما يرى كيري أن صداقات الفيسبوك ليست صداقات بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهي مجرد صداقات إلكترونية تتكون عبر لوحة المفاتيح أو الشاشة، لأن المرء لا يتواجد روحًا وجسدًا كما يقال، هي فقط مجرد حسابات، ولا يتم تداول أفكار ملموسة وواضحة. وهذا يعني أن الفيسبوك يدعم الصداقة ولكنه لا يقدمها. ويتساءل كيربي في كلمته الأخيرة في الكتاب قائلا ما الذي يتحتم أن نفعله بشأن الحداثة الرقمية؟ هل يجب الاحتفاء والتغني بها وقبولها أو رفضها؟ ومن جهة أخرى مَن هم الذين يمكن أن تُنسب الحداثة الرقمـــية إليهم؟ وما الغرض منها؟ هذه الأسئلة هي الخاتمة، وإجاباتها ستكون في المستقبل. وأختتم هذه السطور بمقولة لـ»ليبوفتسكي» افتتح بها كيربي أحد فصول كتابه، وتقول: «منذ عشرين عامًا كانت فكرة بعد الحداثي نفثة هواء طازجة، توحي بشيء جديد من نوعه وبتغيير هائل في الاتجاه، ولكنها تبدو الآن مصطلحًا عفا عليه الزمن إلى أبعد تقدير».
٭ كاتب مصري