إن كان هناك ما يثير في حياة الكتاب فهي قوة التقمص لعيش دور الراوي الشاهد على الأحداث، وهذا دور ليس بالهيِّن أمام زخم الأحداث المتواردة في رأسه.
الكاتب الذي يُسأل أين أنت من بين شخصياتك؟ كاتب يعرف تماما أنه يملك قدرة خارقة على التلوُّن، لتقمصها كلها ساعة شاء، وخلعها ساعة شاء أيضا، إذ أن الكتابة بروح واحدة تبدو غبية، وضعيفة، وتفتقر للإبداع.
ذلك الصوت المنبعث من جوف المخيلة، لا يكفُّ عند كاتب مهوس بمعجزات اللغة وغرائبيتها على قول الأشياء، بل يعمل حتما على تحميلها مكنونات العالم كله. أكثر من خيط في صنارة واحدة، هي بالضبط تقنية اصطياد الأفكار المتناحرة على البروز عبر مخيلة الكاتب، وملكته الإبداعية، ضجيج مُشَكَّل من أكثر من صوت يملأ رأسه، ولا أدري بأي قدرة يفصل بينها ويستوعبها جميعها. خلال رحلة الكتابة ينطلق الكاتب من نقطة في نفسه، ثم لا شيء يوقفه إلاّ إذا فقد طعم الحياة نفسها، وشردت مفرداته بعيدا عنه. خلال فترات الكسل التي تنتابه من حين لآخر، لا يتوقف عن التفكير في شخصيات وأحداث، يبلغ به الأمر حدّ العيش حياة مزدوجة بين ما يدور حوله وما يدور في رأسه، ومع هذا لا يبوح، وإن باح قد يبدو مختلا عقليا، كيف لشخص في كامل قواه العقلية أن يخفي تحت جلده شخصيات لا وجود لها، ولعل هذا ما دفع البعض لوصف حالة الكتابة بالشيزوفرينيا.
يعتقد الكاتب أيضا أن ما يرويه يطابق الواقع، أو شيئا كأنه حدث، والأمر لا يتوقف عند حدود ما يعتقده، بل يتجاوزه إلى تأكيد النّقد ذلك، والقراءات المتنوعة التي تتناول المكتوب وكأنّه حدث حقيقي، قد يتفق البعض أن العمل سيئ، لكن لا أحد في ما سبق نفى أحداث رواية. يأتي الآن من يدّعي أن ما هو مبني على الخيال مقبول سلفا ليكون ظلاًّ للواقع، وهذا يخفف من نبرة إنكاره، ويزيد من قدرة قبوله، لكن هل فعلا هو مجرّد ظل؟ أم أنه أكبر من ظل، وأقرب إلى نسخة طبق الأصل؟ يبحث القارئ عن الحقيقة في ذلك المتخيل الشاسع، ومع هذا يجدها، فكيف يحدث ذلك؟
في تصور نجيب محفوظ مثلا، المتخيل أكثر الأساليب نجاعة لضغط الواقع واختصاره في قصّة، ويقابل المتخيل في مفهومه المختزل في تصوره القصصي، القابل للتأويل وتعدد القراءات، أما عملية التحويل تلك وما يخضع له الواقع من إعادة بناء وصياغة فهذا ما يرتبط ارتباطا وثيقا بموهبة الكاتب وفرادته عن غيره. عند سارتر يبدوالأمر مشابها، وإن كان يرى أن الصورة في المتخيل تسبح في فضاء مفتوح يرتبط مباشرة بالقدرة على الإدراك، فيما في الواقع لا يمكنها أن تأخذ أكثر من معنى، إنها تشكيل مرتبط بالعين المجردة وبإمكانية الرؤية لا غير. قدرة الكاتب لخلق واقع مواز لما يعيشه ويراه تكمن في عملية نسج هذا المتخيل، ومنحه أبدية البقاء عبر القول. بالطبع صورة الشيء ليست الشيء نفسه. أمّا الشيء فهو بحاجة لحواسنا الخمسة للتعرف عليه ومعرفة طبيعته، أما صورة الشيء فهي لا تحتاج سوى لذخيرة العقل من الإدراك، وهذا ما يجعل مهنة الكاتب صعبة. ليس سهلا أن نصف سيدة جميلة مثلا، هل نبدأ بقوامها الرشيق أم بعينيها الجميلتين أم بملامحها الجذابة أم بحركاتها المغرية؟ ثمة هدف يسكن الواصف قبل البدء بعملية الوصف تلك، ففي مخيلته أهداف عدة منها، إيجاد الوصف المتناسق بين الشخصية داخل نصه، وشخصيات أخرى تعيش معها في فضائه القصصي، وفي الوقت نفسه إيجاد ما يناسب الذائقة الجماعية لجمهور القراء إن صح التعبير، إذ لا يمكن تلفيق وصف منفر لسيدة يفترض أن تكون جميلة.
صورة الشيء ليست الشيء نفسه. أمّا الشيء فهو بحاجة لحواسنا الخمسة للتعرف عليه ومعرفة طبيعته، أما صورة الشيء فهي لا تحتاج سوى لذخيرة العقل من الإدراك، وهذا ما يجعل مهنة الكاتب صعبة.
في نص قديم لكاتب معروف، لا أذكر اسمه الآن، يصف الكاتب لحظة حميمة بين بطله وحبيبته، وفجأة يوقف الوصف الرومانسي لتلك العلاقة ليخبرنا أن بطله خانته أمعاؤه فقام ليتغوّط! إلى أي مدى يمكن لهذا المشهد البائس أن يشبه الواقع؟ قد نجيب كثيرا.. ولكن أين المخيلة هنا لجعل مسار القصة مقبولا؟ لقد توقفت عن قراءة الرواية هنا، كون مخيلتي استحضرت كل أنواع القرف في لحظة واحدة، فتغلب الغثيان الإدراكي عندي على الرغبة في القراءة، أفلا يحدث هذا أيضا؟ لمن ولما يجب أن ينتصر الكاتب؟ للواقع بكل بشاعته أم للمتخيل مع عمليات تجميل؟
طرحت هذا السؤال على نفسي أيضا، وأنا أقرأ قصائد شعرية من ثلاثة مقاطع، سميت بشعر الهايكو، هبت رياحها علينا من عالم نجهله، ما حجم المتخيل فيها؟ أم أنها مجرّد ومضات لغوية تحمل ما أمكن من الحكمة؟ وهل يمكن لنص شعري أن يخلومن جماليات المتخيل ويحافظ على شعريته؟ يلعب الكم اللغوي دورا مهما لبناء المتخيل، وهذه أيضا لعبة الكاتب، لهذا يتميز الشاعر عن الروائي، وكلاهما يتميز عن كاتب القصة القصيرة أو المسرح..
تحدث لغة الكتابة فارقا في تشكيل صفات الكاتب، وتصنيفه، وترتيبه على سلم القراءة وسلالم أخرى يضيق المقام لذكرها. الكاتب قد يكتب بلغة عصية على اختراق المخيلة، تصطدم بجدرانها، وقد تخترقها بعنف غير مقبول، وهذا ما يجعل الكاتب يقف أمام القارئ عاريا أحيانا، وأحيانا أخرى متأنقا بما صنعه من هالة حول نفسه…
في الغالب لا يكون الكاتب شعبيا إلاّ حين يقول الأشياء ببساطة مخيلة قارئه، بلغة غير تراكمية، وكلما بنى عالمه السردي أو الشعري بما هو مألوف عند الأغلبية فسيكسب الأغلبية طبعا. لهذا السبب ربما لم ينجح عندنا أدب الخيال، نحن لا نرى أبعد من المحسوسات المتوفرة أمامنا، ولو أن جول فيرن نشر قصصه عندنا لما نالت استحسان أحد، وقد ينتهي به الأمر بتعليقه وجلده حتى التوبة عن أفكاره الجهنمية، ولكن القدرة على التخيل لدى قرائه في الشق الآخر من العالم، لم تكسبه القبول فقط، بل تجاوزته إلى الاستثمار في أفكاره العجيبة، وتحقيقها ولو بعد سنوات طويلة.
يحدث أن أتأمل بعض أفلام الخيال العلمي القديمة، وأستغرب كيف أننا في حينها كنا نعتبرها ضربا من اللامعقول المستحيل تحقيقه، فيما أصبحت اليوم جزءا من الماضي.. وأنا طفلة كنت أعتقد أن بلورة الساحرات التي ترى الناس عن بعد شيء غريب، اليوم يبدو الأمر بسيطا جدا حين يراقب الشخص بيته عن طريق كاميرات متصلة بهاتفه، بحيث يمكنه أن يرى بيته وما يحدث فيه، وهو في بلد آخر مسترخٍ على شاطئ المحيط. وحدهم الكتاب وصناع القصص صدقوا خرافاتهم في البداية، لكن المخيلة الجبارة لقراء أذكياء، أعادت تركيب تلك الأفكار الغريبة بإحداثيات حقيقية قابلة للتطبيق.
السؤال الأخطر الآن : متى رأى ما رأى ذلك الكاتب من عجائب وغرائب ليرويها بكل تلك الثقة؟ أليست ثقته تلك هي التي تجعل القارئ في الغالب يصدق ما يقرأه، ويمضي جاهدا لبناء شيء جديد، سواء في عقله أو في واقعه؟ أليست عدوى التخيل أقوى من أي عدوى أخرى؟
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين