هل انتهت مرحلة “الصبر” اليمني كما وضفها أمين عام حزب الله اللبناني وتابعه فيها زعيم حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي، والتي شكلت استراتيجية هذه الجماعة في مواجهة الائتلاف المحور السعودي في الحرب على هذه الجماعة والتصدي للنفوذ الإيراني في اليمن؟ وهل دخلت الجبهة السعودية اليمنية مرحلة جديدة من التصعيد، هذه المرة على خلفية ارتفاع حدة التوتر بين الولايات المتحدة حلفائها في الشرق الأوسط من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى؟
لم تكن الإدارة الأمريكية بهذا الوضوح في الحديث عن التمدد الإيراني في المنطقة والدول العربية، فوزير الخارجية مايك بومبيو وقبل أكثر من سنة قدم لائحة بالمطالب الأمريكية من إيران قبل الوصول إلى قرار الانسحاب من الاتفاق النووي، والتي لخصت هواجس ومصادر قلق حلفائه في المنطقة، فبالإضافة إلى الدور الإيراني في العراق والنفوذ المتزايد في سوريا وامتداده في لبنان وما يشكله من تهديد لأمن إسرائيل، فان التركيز الأمريكي انصب على الموضوع اليمني لما له من أبعاد استراتيجية تهدد أولا الطرق الدولية لامدادات النفط في بحر العرب وخليج عمان ومضيق باب المندب إضافة إلى طرق التجارة العالمية في هذا المضيق. وثانيا لما باتت تشكله الحرب اليمنية من إحراج للإدارة الأمريكية وتحوله إلى مادة للصراع السياسي الداخلي، وثالثا فقد تحولت هذه الحرب إلى استنزاف مستمر للدول الحليفة لواشنطن، فاستمرارها لأكثر من أربع سنوات مع غياب أفق الحل السياسي بسبب التعنت الحوثي في رفض العودة إلى الآليات التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر الرياض ومخرجات الحوار الوطني وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 حول اليمن، إضافة إلى صعوبة الحسم العسكري بسبب ارتفاع فاتورة الخسائر البشرية بين الطرفين والتي قد تقعد الأمور مع المجتمع الدولي.
قد يكون من البساطة استبعاد العامل الإيراني والتوتر الحاصل بين طهران وواشنطن ودوره في التصعيد الحوثي العسكري على الجبهة السعودية – الإماراتية، والذي أخذ هذه المرة طابع الحرب بالطائرات المسيرة والتي بدأت تطال أهدافا استراتيجية وفي العمق السعودي والإماراتي. وما الكشف الأخير عن استهداف مطار أبو ظبي بهذا النوع من الطائرات وبعد سنة على وقوعه، سوى للتأكيد على ان المعركة باتت مفتوحة من قبل الحوثيين على جميع المستويات حتى الأمنية.
فاللافت في الإعلان عن عملية أبو ظبي إشارة المسؤولين في جماعة الحوثي عن قدراتهم في تحقيق خرق في الأجهزة الأمنية الإماراتية التي سمحت لهم بالحصول على هذه الصور التي تدخل في إطار منظومة الأمن القومي، وهي الاشارة نفسها التي وردت في كلام المتحدث العسكري باسم جماعة الحوثيين عن استهداف أنابيب النفط السعودية في ينبع، عند حديثه عن تعاون داخلي سعودي ساهم في انجاح العملية وتحديد الأهداف. أما العودة إلى ضرب أهداف في مناطق حدودية خصوصا القاعدة العسكرية في جيزان، فإنها تعيد الأمور إلى الدائرة الأولى من العملية العسكرية ضد اليمن عام 2015 والتي كان على رأس أولوياتها تثبيت أمن الحدود المشتركة وابعاد الخطر الحوثي عن هذه المناطق.
مما لا شك فيه ان سلاح الطيران المسير الذي بدأ الحوثيون باستخدامه بكثافة مؤخرا من الصعب ان يكون جزءا من الترسانة العسكرية التي أنشأها الرئيس علي عبدالله صالح، على غرار ترسانة الصواريخ البالستية (سكود وتوشكا و…)، لذلك فمن غير المستبعد والأقرب إلى الواقع والحقيقة ان مصدر هذه الطائرات هو الحليف الإيراني للحوثيين، انطلاقا من ادراك طهران ان أي عملية تهدف إلى تخفيف الضغط عن مناطق سيطرة جماعة أنصار الله لا يمكن ان تتم عن طريق هجوم بري، ولا بد من تعزيز قدرات الحوثيين من أجل تحقيق هذا الهدف عن طريق تزويدهم بمنظومة صواريخ وطائرات مسيرة سبق ان أجرى الإيرانيون تجارب عليها وأثبتت فعاليتها ونجاحها في اختراق أجهزة الرصد.
وفي هذا الإطار قد تكون عملية ايصال الطائرات المسيرة إلى داخل اليمن أسهل من عملية تهريب الصواريخ، مع الاشارة إلى ان الإيرانيين سبق لهم ان قاموا بتزويد الحوثيين بهذه الصواريخ منذ أيام الرئيس صالح على مبدأ (شحنة لصالح وشحنة للحوثيين). وعليه فان المرحلة المقبلة من الحرب اليمنية ستشهد مزيدا التصعيد بالتوازي مع التصعيد الأمريكي، وقد يعمد الحوثيون إلى الزج بقوات عسكرية باعداد كبيرة لم يسبق ان استخدموها حتى الآن في معارك السنوات الماضية والمدربة تدريبا عاليا من أجل إعادة خلط الأوراق الميدانية إلى جانب التهديد المباشر للعمق السعودي والإماراتي وهو ما أعلنوا عنه صراحة بالكلام عم وجود بنك من 300 هدف استراتيجي.
التصعيد الحوثي، يدخل في إطار الرؤية الإيرانية في استخدام “الجيوبوليتيك الشيعي” في الإقليم، وإذا كان في السابق يرتكز على الامتداد الشيعي في لبنان، فان المعادلة الجديدة والتي لجأ إليها الإيرانيون للهروب من امكانية التماس المباشر مع القوات الأمريكية بعد تهديد واشنطن برد قاس ومدمر في حال تعرضت قواتها في العراق أو سوريا لأي اعتداء، وعدم رغبة طهران في استجرار حرب مفتوحة في حال قام حزب الله بتفجير الجبهة مع إسرائيل، فان الوضع الحالي يستدعي من اللاعب الإيراني الاعتماد على الذراع اليمنية لإيصال رسالة إلى الدول الداعمة للإجراءات الأمريكية العسكرية والاقتصادية والعقابية.
فطهران لم تتردد في توجيه الاتهام للسعودية والإمارات بالوقوف وراء وخلف التصعيد الأمريكي، وان هدف هذين البلدين القضاء على النفوذ الإيراني في المنطقة وتدمير تقدمها التكنولوجي والعسكري والتسبب بانهيار نظامها من أجل التفرد بالساحة الإقليمية على حساب دورها.
الأعمال العسكرية التي يقوم بها الحوثيون، لا شك تحمل رسائل إيرانية واضحة، فالطائرات التي تستهدف المواقع السعودية والإماراتية وان لم تكن صناعة إيرانية فان محركها ومشغلها والمتحكم بمسارها ومسيرها إيراني، فهو الذي يقبض على مفاتيح اللعبة من الجانب الحوثي، وما اللجوء إلى هذا التصعيد الجديد سوى مؤشر على أن طهران باتت تشعر بجدية ما تتعرض له من حصار قد يطال كل الانجازات التي حققها النظام فيها على مدى العقود الأربعة الماضية. لذلك فهي تبحث عن عدو الذي يقف خلف العدو الظاهر، لتحميله مسؤولية ما تشهده المنطقة من توتر.
والهدف من الطائرات الحوثية هو ايصال رسالة إيرانية للقيادة السعودية عن استعدادها لرفع مستوى المواجهة معها إلى الحد الأقصى، من منطلق ان حرمان إيران من حقوقها الاقتصادية والتواصل مع المجتمع الدولي تقع مسؤوليته على الرياض ولن تسمح بان تنعم الرياض بالعائدات الاقتصادية والمالية لتصدير النفط في وقت لن تستطيع طهران تصدير نفطها أو التعامل مع الأسواق العالمية والمالية بالشكل المطلوب الذي لا يسمح بتعقد أوضاعها الداخلية التي قد تتسبب في تفجير موجة من الاعتراضات الشعبية قد تطيح بالنظام والدولة من الداخل.
ويبدو ان الجانب الإيراني في هذه المعركة يلعب على الهامش الضيق في مواجهة واشنطن، ويستخدم التفاهمات غير المباشرة وغير المعلنة التي رسمتها واشنطن لحدود التحرك الإيراني في الإقليم، والتي تمنعها من التعرض للقواعد والقوات الأمريكية في المنطقة إضافة إلى عدم التعرض لإسرائيل، لذلك فإنها تعمد إلى التصعيد مع الرياض وأبو ظبي تحت هذا السقف، في محاولة للقول بان كل المحاولات التي تبذلها الدولتان لن يمر بسهولة، وان عليهما وقف جهودهما الرامية لفرض مزيد من الحصار عليها.
طهران، تدرك جيدا ان المطلوب منها مع واشنطن، يتلخص في عدة نقاط منها، وقف معارضتها لصفقة القرن التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب، ووقف تهديدها لأمن إسرائيل عبر ذراعها اللبناني، وفتح الباب بجدية أمام حوار مباشر يمهد الطريق العملية لإعادة العلاقات بينهما، واسقاط الحواجز والعوائق أمام الاستثمارات الأمريكية في مختلف القطاعات الاقتصادية الإيرانية خصوصا في قطاع النفط والطاقة، وهي الميزات والفرص التي كان من المفترض أن تحصل عليها واشنطن بعد التوقيع على الاتفاق النووي، إلا انها ذهبت للأطراف الأخرى خاصة الأوروبيين حسب تعبير ترامب في استراتيجيته التي أطلقها تجاه إيران قبل أكثر من سنة.
وإذا ما كانت إيران تعتقد انها قادرة على التوصل إلى نقطة وسط للتفاهم مع واشنطن، في إطار هذه النقاط، وقد سبق لها ان أبلغت الإدارة الأمريكية عام 2002 انها توافق على مبادرة السلام العربية الأرض مقابل السلام، وأن هناك امكانية للتفاهم معها على اعادة هيكلة نفوذها في المنطقة على أساس التقاسم والشراكة، فانها في المقابل تعتقد ان العائق الأساس أمام التوصل لهذه التفاهمات يعود إلى رفض السعودية لأي دور إيراني في المنقطة وخاصة الدول العربية. وما الدعوة التي وججها الملك السعودي لعقد ثلاث قمم طارئة في مدينة مكة في الأيام المقبلة (قمة خليجية وقمة عربية وقمة إسلامية) يعود حسب اعتقاد دوائر القرار الإيراني للأجواء المستجدة بعد العمليات العسكرية التي قام بها الحوثيون في السعودية ومن دون أن تستبعد طهران أيضا ان يكون هؤلاء خلف التفجيرات في ميناء الفجيرة، حسب ما أشار سعدالله رازعي نائب رئيس تحرير صحيفة “كيهان” المقربة من المرشد.
ولعل الرسالة الأكثر الحاحا من طهران، تخاطب المجتمع الدولي، حول استعدادها للمساعدة في إطلاق عملية الحل السياسي في اليمن، قد سبق ان بعثت بمؤشرات ايجابية في هذا الإطار، من خلال إعلان الحوثيين موافقتهم على اتفاقية ستكهولم حول الحديدة برعاية مجلس الأمن، وقد عززتها مؤخرا مع بدء الحشد الأمريكي بانهاء المماطلة في تطبيق هذا الاتفاق والانسحاب من الموانئ الثلاثة على البحر الأحمر. وبالتالي تعتبر طهران انها قدمت المخرج الممكن للرياض لإنهاء الأزمة اليمنية. إلا ان اللجوء إلى التصعيد عبر الطائرات المسيرة يأتي بعد ان لمست طهران عدم التجاوب السعودي. ما يعني ان طهران بدأت تشعر بان الخناق بدأ يضيق على عنقها خصوصا في تداعيات العقوبات الاقتصادية على الوضع الداخلي، وبالتالي فهي أمام واحد من خيارين، أما عقد صفقة مع الجانب الأمريكي تنهي ما وصلت إليه الأمور، إلا ان طبيعة هذه الصفقة قد تكون مؤلمة لطهران في هذه المرحلة، أو أن تذهب إلى التصعيد ضد حلفاء واشنطن تحت السقوف التي رسمتها التفاهمات غير المعلنة.