في يوم الكُلاب الثاني، لم يفتح الشاعر الجاهلي (عبد يغوث الحارثي) نافذة إلى الهرب مثل غيره – وهو السيّد في قومه – ذبّاً عن شرف القبيلة وسمعتها، وقد رست في وعيه تقاليد النبل والإيثار التي أفضت به أسيراً ثمّ قتيلاً على مذبح شهامته وهو يحمي ذمار أبيهم.
فأين ذوو التيجان والنياشين من بني جلدتنا العرب من نخوة هذا الشاعر ومروءته!، التي تجد انعكاسها وامتدادها في صبر غزة على الحصار وجلاد شعبها ومقاومتها في زمن تطويع الإرادة العربية وتدجينها؛ لتري الشامتين والمتخاذلين، أنّ المقاومة لا تنطفئ جذوتها، ولا يخمد أوارها، ولكن يغلي مرجلها ويفور، وتضرب حين تختلط الدماء، بشجاعة الفارس العربي، ترهف إحساسها العالي بالهمّة والحماسة.
لقد غابت عن المشهد العربي الرسمي في ظل العدوان الفاشي على غزة مفردات الأنفة والنخوة والعنفوان، بل جعل قادة العرب أصابعهم في آذانهم من صواعق الـ (إف 16)، ورعود (الميركافا) الصهيونيّة حذر الخوف على مناصبهم وامتيازاتهم واستثماراتهم في بؤس الشعوب وضياعها، وبيع كرامتها في سوق النخاسة.
لم يفرط هؤلاء (الفحول!) من متسلقي مجد العروبة بفلسطين التي بيعت بيع أمة فقط، بل أعدوا المُدى لذبحها في محراب التخاذل والنكوص عن نصرة شعبها ومقاومتها.
ألهذا الحدّ تثلّمت عزائم العرب، وتمادت إسرائيل في البطش بكرامتهم، وولغت في دمائهم، ولم تعد همتهم تسعفهم على البطش بعدوهم، أم انطلت عليهم حيلة الهولوكوست، التي رسمت صورة اليهودي الضحية في معسكرات الإبادة النازية المضخّمة!، والتي لم تكن سوى حظيرة ذئاب فرّت بأنيابها؛ لتمزق لحم الفلسطينيين وتفترس أطفال غزة بقسوة ووحشية طبعت الشخصية الصهيونية منذ تكوينها، في انحدارها الأخلاقي إلى حضيض الجريمة والسادية، ومحاكاة النازية في التعصب واستباحة دماء الشعوب وأرضها ومصائرها، والتي تجلّت في أكبر عملية تطهير عرقي، زجّت بالشعب الفلسطيني في مضائق هجرة قسرية عن فلسطين التاريخية، تحت رحى القتل والمجازر التي اختزلها (مناحيم بيغن) بقوله: «لولا مذبحة دير ياسين لم تقم دولة إسرائيل».
هذه الدولة التي ولدت من رحم الهولوكوست، التي حولها الصهاينة بمكرهم إلى منحدر للدمع والبكاء، واستدرار عطف العالم الغربي والأوروبي.
إذا لم تلامس نخوة المعتصم سمع حكام العرب، وقادة أنظمتهم وجيوشهم فأضعف الإيمان أن تثور نفوسهم بحميّة الجاهلية الأولى.
يكفي ذلاً وعاراً، فقد طمى خطب الانبطاح ونحن نرى قادة إسرائيل يفتخرون بوصول مشهد التطبيع مع بعض العرب إلى مستوى الصداقة والشراكة والتحالف العضوي، وتقاطع المصالح؛ ليصار إلى دخول الصهاينة إلى نادي العروبة من أوسع أبوابه، في فقد كامل لإحساسنا القومي.
أحمد أبو سالم