واحد وخمسون يوما وقطاع غزة الذي لا يزيد حجما عن بعض ملاعب الغولف للأغنياء العرب، ولا يزيد سكانه عن أحد أحياء القاهرة أو بغداد أو الدار البيضاء، يتعرض لحرب إبادة حقيقية طالت تركيبة المجتمع المدني بكامله، ابتداء بالسكان المدنيين وانتهاء بالبنى التحتية ومرورا بكل المؤسسات والمعالم من مساجد وجامعات ومستشفيات وعيادات ومعامل بسيطة وأبراج سكنية. واحد وخمسون يوما وأبشع ما في تاريح البشرية من حقد يترجم على أرض غزة، موتا ودمارا وتشتيتا وتهجيرا ودفنا لعائلات بكاملها تحت الأنقاض، واستهدافا للفارين من الموت ليلقوا موتا أبشع، حتى في مدارس الأونروا التي تتمتع بحصانة دولية. لكن غزة انتصرت مرتين: انتصرت خلقيا عندما تعمدت تصيد جنود القتلة الغزاة وإذلالهم وتركيعهم وإجبارهم على الهرب من داخل الغلاف إلى خارجه، وانتصرت ثانية لأن الشعب تحمل الجراح وصمد وصبر وأصر على الالتفاف حول المقاومة، وبالتالي هزم استراتيجية عصابة القتلة التي كانت تعتقد أنه مع سقوط مئات المدنيين وتهشيم جماجم الأطفال وتدمير البيوت على من فيها، سينقلب الناس على رجال المقاومة ويطردونهم من حاراتهم ويتظاهرون ضدهم ويطالبونهم بالرحيل عنهم وعن بيوتهم. ما حدث هو العكس تماما، ولا أدل على ذلك من هذه الاحتفالات الألوفية التي عقبت وقف إطلاق النار الشامل أمام رموز المقاومة، والتي جاءت تتويجا لهذا الصمود الأسطوري والتفاف الجماهير الفلسطينية حول المقاومة. لقد وجدت إسرائيل نفسها متورطة في حرب خاسرة عسكريا وسياسيا وخلقيا، فقتل المدنيين لن يزيد الناس إلا صلابة وصمودا والتفافا حول المقاومة، والاستعداد لبذل الغالي والرخيص لتمريغ أنف العدو في التراب، وهذه المذابح للمدنيين لن تزيد إسرائيل إلا عزلة ومكروهية حتى بين أصدقائها واقترابا أكثر من المحكمة الجنائية الدولية. ولن تؤدي هذه الجرائم كذلك إلا إلى إحراج مدرسة «الحياة مفاوضات» ويزيدهم غيابا وتهميشا. تجربة الواحد وخمسين يوما تكشف عن معجزة حقيقية تستحق الدراسة واستلهام العبر والدروس لمن لا يريد أن يبيع كرامته ويخر على رجليه مستجديا العم سام للضغط على إسرائيل لوقف العدوان. فكيف صمدت غزة؟
معجزة صمود غزة
سبعة وأربعون عاما من الاحتلال وثمانية أعوام من الحصار وأربع حروب:
– عملية غيوم الخريف في بيت حانون في تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 وبعد أسر الجندي جلعاد شاليط. سقط فيها من 77 إلى 82 شخصا وجرح 250 مدنيا، من بينهم 18 شخصا من عائلة العثامنة، كما جاء في تقرير ديزموند توتو لمجلس حقوق الإنسان. وقتل فيها إسرائيلي واحد.
– عملية الرصاص المصبوب بين 27 كانون الأول/ديسمبر 2008 و18 كانون الثاني /يناير 2009 وقتل فيها 1417 مدنيا، وقد وثق تقرير غولدستون جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في تلك العملية. وقتل فيها 10 جنود إسرائيليين و3 مدنيين.
– عملية عامود السحاب من 14- 22 نوفمبر 2012، وقتل فيها 155 فلسطينيا منهم 27 قاصرا و14 امرأة و8 مسنين. وقتل فيها إسرائليان وامرأة واحدة.
– عملية الجرف الصامد التي ابتدأت رسميا يوم 7 تموز/يوليو وانتهت رسميا يوم 26 آب/أغسطس وقتل فيها 2101 وجرح أكثر من 11180 بينما قتل فيها، حسب الرواية الإسرائيلية، 70 إسرائيليا منهم 67 جنديا وثلاثة مدنيين وقتل عامل تايلندي كذلك.
إذن هذه الحرب هي أطول حروب العرب مع الكيان الإسرائيلي. كما أن نسبة الخسائر في العسكريين من أعلى النسب في تاريخ الصراع، آخذين بعين الاعتبار أعداد القوى المشتبكة فعليا مع العدو.
وغزة واقعة تحت حصار شامل برا وبحرا وجوا منذ 2006، بعد نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006 وأسر الجندي جلعاد شاليط. وقد تحايل الغزيون على الحصار بفتح الأنفاق تحت الأرض، بسبب الإغلاق المتقطع لمعبر رفح الوحيد مع الدولة المصرية. واستطاعت غزة أن تتكيف مع ظروف الحصار المتواصل إلى أن قامت مصر بعد انقلاب 3 يوليو 2013 بتدمير ممنهج وشامل للأنفاق، تزامن مع إغلاق شبه دائم لمعبر رفح وإطلاق حملة عداء وشيطنة لقطاع غزة عامة ولحماس خاصة.
والسؤال الذي يدل على المعجزة كيف لشعب تحت الاحتلال منذ 47 سنة وخاض أربع حروب مدمرة، ويعيش تحت حالة حصار شامل من البر والبحر والجو، ويتعرض يوميا للغارات والقصف والاغتيالات، ثم يتم إغلاق آخر متنفس لمليون وثمانمئة ألف إغلاقا محكما ويتم تدمير الأنفاق بشكل شبه شامل، يصمد ويقاتل ويتسلح ويتطور ويبني من الأنفاق الدفاعية التي تفاجأ بها العدو لدرجة أنه غير من هدفه العسكري المعلن من وقف إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية إلى هدف تدمير الأنفاق. إنها الإرادة ورفض الاستسلام بكل بساطة. هذا الشعب المحاصر يقوم بتطوير قدراته العلمية، ويصنع طائرة بدون طيار، وينتج منظومة من الصواريخ التي تهدد مطار تل أبيب ويصل مداها إلى حيفا. أليس هذا العمل أسطوريا يعجز عنه أي شعب إلا إذا كان فعلا مؤمنا بعدالة قضيته من جهة وليس أمامه من خيار آخر إلا الصمود والقتال حتى آخر رمق. لهذا خرجت المقاومة منتصرة.
عبثية المفاوضات أم عبثية الصواريخ
هناك حقيقة تبلورت بشكل واضح لا جدال فيه نطرحها على صيغة سؤال: هل المفاوضات ستعيد الحقوق أم المقاومة؟ من منا لم يستعرض في ذهنه أين وصلت القضية منذ اتفاقية أوسلو المشؤومة وحتى الآن؟ كم بقي من الأرض لإقامة الدولة التي وعدتنا بها السلطة منذ عام 1993؟ انظر إلى ممارسات إسرائيل منذ دخول السلطة. أين كنا وأين نحن؟ كيف كانت القدس وكيف أصبحت. كيف كان الاستيطان وكيف اصبح. إنظر إلى الجدار العنصري والطرق الالتفافية التي لم تكن موجودة. كم من الآلاف دخلوا السجون وكم من الشهداء سقطوا بدون أي مردود سياسي، لأن تلك المواجهات كانت تنتهي بجولات جديدة من المفاوضات، مما يعطي إسرائيل صك غفران على جرائمها. المقاومة بكافة أشكالها هي التي ستجبر العدو على الرضوخ وتكشف زيف إدعائه بالعمل من أجل السلام. فحرب الإبادة على غزة رسمت الصورة الحقيقية للمرة الألف عما تريد إسرائيل من الفلسطينيين، كما يقول سيد الكلمة محمود درويش.
«قاتل يدلي بسكين وقتلى يدلون بالأسماء: صبرا كفر قاسم دير ياسين شاتيلا»
هذه هو الخيار الوحيد الذي تعرضه إسرائيل على الفلسطينيين منذ اليوم الأول لقيام فكرة الدولة. أعطوني رئيس وزراء إسرائيلي واحد لم يمارس القتل ضد الفلسطينيين. أعطوني رئيس وزراء إسرائيلي واحد بعد عام 1967 لم يوسع الاستيطان. أعطوني تصريحا لرئيس وزراء إسرائيلي واحد يعترف فيه بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة فعلية ومتواصلة جغرافيا وقابلة للحياة والاعتراف بحق العودة والمسؤولية التاريخية عن تشريد الشعب الفلسطيني.
فمتى ينتهي وهم المفاوضات التي تنبأ لها شامير عام 1991 في مؤتمر مدريد بأنها ستستمر 20 سنة، وإذا بما قاله يتجسد حقيقة بل وتتجاوز المفاوضات إشارة العشرين. لقد جسدت الوحدة الميدانية في غزة فكرة بسيطة وهي، أن المواجهة توحد والمفاوضات العبثية تفرق. الميدان يجمع وغرف المفاوضات تفرق. المواجهة تخرج أجمل ما في الإنسان من شجاعة وصبر وتحمل واستعداد عال للتضحية وصمود، أما التراخي والاتكاء على المفاوضات العبثية فتخرج أسوأ ما عند الناس من تنافس ورشوة وتزلف وبحث عن مكاسب مادية واستعداد عال للفساد والتفريط في الحقوق، والتكيف مع شروط القوي وتقديم التنازل تلو التنازل. ولهذا فطريق المقاومة هو الذي يشير بسهم واسع وعريض إلى فلسطين وليست المفاوضات التي لا تنتهي.
وماذا بعد؟
كل ما نخشاه أن يتم تبديد الانتصار والصمود والتضحيات وتحويلها إلى بطاقة تحملها القيادة للمساومة عليها في جولات مفاوضات قادمة. فقد تعودنا على تبديد نتائج الصمود والانتصارات الميدانية، كما جرى في حرب 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وكما جرى في صمود 88 يوما في بيروت عام 1982، وكما جرت مقايضة نتائج الانتفاضة الأولى باتفاقية أوسلو الكارثية، وكما تم تبديد نتائج الانتفاضة الثانية بترتيب أوضاع الضفة الغربية كما أراد دايتون، بحيث تم ترويض المناضلين وإعادة تأهيلهم ليرتضوا بالمعاش آخر الشهر لدفع قسط السيارة والشقة، وبالتالي تحييد الاستعداد العالي للمقاومة واستبدالها بالانصياع لأوامر القيادة، التي ما أن تخرج مظاهرة حتى يتصدى لها رجال الأمن. تمت منهجة الاستعداد العالي للمساومة بالتنسيق الأمني والاعتقالات وزج الألوف في السجون والنتيجة هي في هذه الردود الباردة التي لم ترتق لمستوى تضحيات الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، علما بأنه كما أسلفنا محاصر مجوع مدمر مستهدف. فهل يا ترى يتعظ المسؤولون وتبقى الوحدة الميدانية التي تجسدت على الأرض، وخلال مفاوضات وقف إطلاق النار تستمر وتتقدم خطوة أو خطوتين على طريق تحقيق الهدف المرحلي في إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف بدون تفريط في الحقوق التاريخية وعلى رأسها حق العودة.
وأخيرا أود أن أوجه التحية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة على صمودهم وتحملهم كل هذا الوجع والدمار والقهر الذي تجرعوا مرارته من ذوي القربى قبل أن يكون من عدوهم التاريخي الذي بنى وجوده النشاز على سلسة من المذابح وأيديولوجية القتل والحقد والعنصرية. تحية لرجال ونساء صنعوا بصمودهم وشجاعتهم وتضحياتهم فجرا جديدا لهذا الشعب المقهور المقموع، بل صنعوا فجرا لشعوب الأمة العربية التي عودها حكامها على الهزائم أمام العدو والاستنمار على المواطنين. تحية لكل أم فقدت ولدها أو بنتها ولكل طفل وطفلة فقد أحد والديه أو كليهما. نتمنى الشفاء العاجل للجرحى ونترحم على الشهداء. تحية لشعب ضرب المثل في الصمود وإحتمال الشدائد بطريقة لا مثيل لها بل وتقترب من حد المعجزات. تحية لشعب «يعرف كيف يمسك قبضة المنجل وكيف يقاوم الأعزل» ويعرف كيف ينتزع الانتصار من نواجذ الوحوش.
٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام