«حيث ينبع الكلام»لأديب صعب: الشعر والإيقاع والأنوثة

نعمة الجمال

في مجموعته الشعرية الجديدة «حيث ينبع الكلام» (بيروت: الدار العربية للعلوم، 176 صفحة، مايو/أيار 2019)، لا يُوكِل الشاعر اللبنانيّ أديب صعب للشعر وظيفة تخرجه عن سياقه الجماليّ، ذلك السياق الذي تزدهر فيه النفس البشرية، وترتقي إلى مراتب عالية في تذوق الخلق والاستمتاع بنعمة الجمال العالي، حيث لا يكون الكون كوناً، ولا يكتمل تناغمه إلا به.
يرسم لنا أديب صعب مشهداً يمثل الشعرُ، والمرأة، والطبيعة مرتكزاته الكبرى. ليس للشعر من وظيفةٍ في هذه الحياة المادية المسرعة صوب نهاياتها المروّعة، سوى أن تكون القصيدةُ صلاةً. أعني أن تكون عطاءً روحياً، وهبةً إلهية تبرر وجودها على الأرض وتقدم البرهان الساطع على جدارتها بالبقاء:
وما الشعرُ إن لم يكن صلواتٍ
وما الصلواتْ
غير شعرٍ يفيضُ من القلبِ
يرسم وجه الحياةْ
القصيدة والصلاة، كلتاهما، تتحدران من مكمن النقاء والعذاب الصافي: القلب. وبدون هذا القلب الذي اعتصرته المشقة والمحبة يفقد الشعر جدواه، وتتحول القصيدة إلى تمرينٍ لفظيٍّ، خالٍ من أي ومضة جمالية تنعش الروح وتبثُّ فيها يقظتها الحية ورفيفها الجميل. وحين يكون للقصيدة فعل الصلاة فذلك يعني أنها تتسامى إلى أرقى ما يمكن ان يبلغه فعلٌ إنسانيٌّ ذو طبيعةٍ خاصة. فعلٌ يتجاوز ما هو أرضيّ ومحدودٌ ونفعيّ إلى النقيض الراقي لكل ذلك، أعني إلى الأثيريّ والمطلق واللانهائيّ.

أنوثة القصيدة

إذا كانت القصيدة، في تشكيلها اللغويّ الملموس، تمثل السجلّ الروحيّ للإنسان في تفاعله اليوميّ مع الحياة وحمولاتها من الجمال أو الأسى، من الضجيج أو التأمل، فإن ذلك يعني أيضاً أن القصيدة هي التجلي الأرقى للجمال في مدياته الخيالية والمادية المختلفة. وربما كانت المرأة هي الأجمل بين هذه التجليات جميعاً. ولها يخصص 24 قصيدة من نحو مئة قصيدة.
يماهي أديب صعب، في مجموعته «حيث ينبع الكلام»، بين أيقونتين للجمال: المرأة والقصيدة، فيجعل منهما معاً فضاءً واحداً، لا يقبل التجزئة أو الانفصال. لهذا لا نجد القصيدة في منأى عن هذا الفيض من الجمال كله، أعني المرأة وتجلياتها المختلفة.
في قصيدةٍ له بعنوان «أجمل القوافي»، يمزج أديب صعب المرأة بالزمان لنراه غافياً على يديها كالطفولة أو كالحلم. ثم يختتم القصيدة بانتقالةٍ تتغير فيها العلاقة بينهما، إذ يصير الشاعر محورها الأول، أما محورها الآخر فهو إيقاع قصيدته، حيث يجسد الشاعر انتماءه الحاسم إلى هذا الإيقاع الذي ينتظم قصائد الديوان كلها، ويمثل ما تضفيه المرأة على الذات الشاعرة من تناغم:
يداكِ أحلامٌ على جفوني
وقع خطاكِ أجمل القوافي
والشاعر لا يكتفي بهذا الفضاء الجمالي الذي تحتله المرأة، بل يذهب بصورتها إلى أفقٍ أبعد، فيُعلي من رمزيتها العالية، وقدرتها الكامنة على التغيير:
أستعير كلامكِ درباً
وصوتكِ نبضا
كي أبدّل هذا المكانَ سماءً وأرضا
غير أن التغيير الذي يحاوله الشاعر تغيير مشروط، ولا يمكن له أن يخرج وحيداً لإحداثه. لا بد له من عدة يتجاوز بها فردية الشاعر وعزلته، وتجعل هذا التغيير ممكناً وإنسانياً، وفي خدمة الجمال الحر الذي يتسامى على محدودية المكان الراهن، ويتخطى خشونته وضيقه وعزلته.

ومما يعمّق أحساسنا بهذا التناصّ الدينيّ أن المقطع الثاني يقدم لنا تعزيزاً دينياً آخر. إيماءة أخرى إلى آية ثانية لا تصب حمولتها في مصب بعيد عن الآية السابقة: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون».

وهكذا نصل إلى كنه هذه العدة، إلى وعي هذا المشروع الذي لا يقوم إلا على طاقة قادرة على تليين القسوة وإشاعة روح كونية، تقدس الهشاشة النبيلة، وترقى بالكائن الأرضيّ إلى أن يكون أثيرياً وخالصاً من انتمائه الترابيّ العاجز عن الحركة .وليس هناك ما يفوق قدرة الأنوثة على تغيير المكان والعبور به من ذكوريته المدججة بالبطش والزيف وخلوِّه من روافد الرحمة، لكي يعود ثانيةً ملتقىً للسماء والأرض، للأثيريِّ والترابيِّ، للهشاشة المشوبة بقوة الأغنية، وللقوة المجردة من صلفها القاسي. وهكذا يتم تأثيث المكان مرةً أخرى، والعودة بأشيائه إلى بكارتها الأولى.

القصيدة لباساً للكون

وإذا كانت الأنوثة هي قلب الكون العامر بالرحمة والجمال والفرح، فإن القصيدة هي صنو الأنوثة في غموضها المبدع الخلاق المتجدد. وفي قصيدته «ألبسني القصيدة»، يجسد أديب صعب هاتين القوتين، في وجودهما التواق إلى هناءة الكائن. تتكون القصيدة من أربعة مقاطع، وكل مقطعٍ منها يتشكل من أبياتٍ أربعة. يبدأ المقطعان الأول والثاني على هذا النحو:
ألبسني القصيدهْ،
وقال: هذا تـاجْ
وقال: هـذا ذهبٌ
وفضةٌ وعـاجْ
أسكنني القصيدهْ،
وقال: هذا قصرْ
وقال: هذا هرمٌ
من بابلٍ أو مصرْ
يقدم هذان المقطعان الذات الشاعرة سارداً ذاتياً، يروي لنا خبرة شخصية كان هو جزءاً أساسياً فيها، ولكنه ليس طرفاً فاعلاً، بل كان، إلى حد ما، طرفاً متلقياً لحدث غير عادي. فهو يتلقى القصيدة باعتبارها هبة إلهية، قداستُها جلية ومهيبة. والإشارة هنا تناص قرآني شديد العمق. تتجلى القصيدة، في المقطع الأول، باعتبارها لباساً: «ألبسني القصيده»، فإذا بها تاجٌ يتشكل من الذهب والفضة والعاج. لباسٌ من الوهج المثير للذات والمخيلة من خلال قدرتهما الحسية المبصرة. وهنا في هذه النقطة تحديداً، لا يمكننا تجنب الالتفات إلى مصدر هذه التعبير، فهو إيماءة لا تقع بعيداً عن الآية القرآنية: «هنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنّ»، حيث يتم التماهي بين القصيدة والأنثى من خلال سياقٍ قرآنيٍّ مهيب لا تخطئه عملية التلقي.
ومما يعمّق أحساسنا بهذا التناصّ الدينيّ أن المقطع الثاني يقدم لنا تعزيزاً دينياً آخر. إيماءة أخرى إلى آية ثانية لا تصب حمولتها في مصب بعيد عن الآية السابقة: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون». وهو تعزيز يرتبط بالأنثى أيضاً، من خلال كونها هذه المرة سكناً لا لباساً:»أسكنني القصيده». وهكذا تتسع القصيدة وتتنامى، وتمتدُّ فضاءاتها إلى مدياتٍ أبعد، يتمازج فيها البيت واللغة والجغرافيا، وتحتضن الحضارات بعضها بعضاً، ليتشكل من هذا الخليط كله كيانٌ جديدٌ يؤكد أنوثة القصيدة وجسامة معناها وجماله.
ويستمر السارد الذاتي في رواية تحولات القصيدة في المقطع الثالث، وإذا بنا أمام مجد القصيدة مرة أخرى حين تغدو لباساً من نوعٍ آخر، يتجاوز المعنى الماديّ المحدود، ويكتسب معنىً أثيرياً فريداً:
ألبسني القصيدهْ،
وقال:هذا طيبْ
من جبل الربّ ومن
فضائه الرحيبْ
تلامس القصيدة هنا، وفي موجة أخرى من تحولاتها الحسية الأنيقة، تخوماً جديدةً من تخوم الحواس، تندغـم فيها حاسة الشـمّ واللمس والبصر، من خلال هذا التجسيد الحسّي المكثف، فتغدو طيباً ربانيّاً، يهبط من جغرافيا إلهية ذاهبة في العلوّ والرحابة.
وفي المقطع الرابع والأخير من القصيدة يعود بنا النصّ إلى الآية القرآنية ذاتها، حيث دلالة السكنى، وحيث تتجلى القصيدة ثانية مكمناً للطفولة وللوطن المكلل بمجد القصيدة:
أسكنني القصيدهْ،
وقال:هذا مهـدْ
وقال: هذا وطـنٌ
له يكون المجـدْ
وهكذا ومن خلال قصائد الديوان كلها تقريباً، يقدم الشاعر أديب صعب دفاعه المترف هذا عن أجمل ما أبدعته البشرية في تاريخها المعقد الطويل من منجزاتٍ جمالية وحضارية وثقافية، أعني الشعر، باعتباره خفقة الحياة الأولى على هذه الأرض، والسجلّ الروحيّ للإنسان وهو يجسد أولى مخاوفه، أو أفراحه، أو ضعفه.

٭ شاعر عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية