في كل عام في شهر مايو/أيار أتذكر عثمان أمين المولود في 27 يناير/كانون الثاني عام 1905 الذي توفي في 17 مايو 1978. يوم وفاته كنت أعمل في المملكة العربية السعودية وعرفت خبر وفاته من مجلة «الوطن العربي» التي كانت تصدر في باريس في مقال يرثيه فيه الكاتب أمير إسكندر الماركسي، فتأكد لي ما كان يقوله لنا عثمان أمين رجل الفلسفة المثالية البعيد عن الماركسية، صاحب المغامرة الفكرية في كتابه «الجوانية» الذي حصل على ليسانس الفلسفة في جامعة القاهرة عام 1930 وسافر في بعثة إلى باريس ليحصل على الدكتوراه في جامعة السوربون برسالة عن الإمام محمد عبده، المجدد الإسلامي العظيم وترك خلفه كتبا مثل «رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده» و»محاولات فلسفية» لشيلر، و»الدفاع عن العلم» لألبير ماييه و»تأملات في الفلسفة الأولى» و»مبادئ الفلسفة» لديكارت، و»مستقبل الإنسانية» لكارل ياسبرز و»في الفلسفة والشعر» لمارتن هايدجر ورواد المثالية في الفلسفة الغربية، وكتابه «الفلسفة الرواقية»، وغيرها من المساهمات الفكرية في بعض الكتب ودوائر المعارف باللغات المختلفة، الذي تؤكد لي ما سمعته من عثمان أمين، الذي كان يأتي إلينا في كلية الأداب في الإسكندرية محاضرا يوم الأربعاء الساعة الخامسة مساء، ويعود إلى القاهرة صباح الخميس. كنا في الليسانس عام 1972-1973 وكان يدرس لنا الفلسفة الحديثة. لم تكن محاضرته هي المهمة بالنسبة لي فقط، لكن كان ما بعد المحاضرة هو المهم، إذ كان يأتي معنا إلى شقة في شارع بور سعيد استأجرها بعض زملائنا الغرباء، وكنا نحيط به أنا ومن أذكر منهم شبل بدران، الذي صار أستاذا في كلية التربية ثم عميدا في ما بعد، والفنان مراد منير الذي كان يدرس الحقوق ويهوى المسرح وصديق لنا وصار مخرجا كبيرا والمرحوم محمد الرفاعي الذي كان يهوى الصحافة وصار ناقدا فنيا في مجلة «صباح الخير» والمرحوم حسن عقل الشاعر الذي أخذته الحياة أكثر من الشعر، فلم يصدر غير ديوانين وتوفي. كنا مجموعة من اليساريين، وكان عثمان أمين أستاذنا مثالي الفكر، لكنه يسمعنا ويقول لنا أن من تلامذته أمير اسكندر وآخرين من اليساريين لا أذكرهم الآن وأنه لم يكن ضدهم أبدا، بل كان واسع الصدر في الحوار معهم.
كان مقال أمير إسكندر عن هذا الأستاذ الليبرالي الذي لم يرَ فيمن يختلف معه رجسا ولا إثما. كنت طبعا أصدق عثمان أمين صاحب الفلسفة الجوانية التي لا تعترف بالأنساق الفلسفية الثابتة ولا تحب أن يفرض أحد عقيدته على الآخرين، فهي رؤية منفتحة تؤمن بالميتافيزيقا كما تؤمن بالمعرفة، فهي أقرب إلى الإشراقات والتأملات والإقدام على المعرفة والحق والقيم الروحية معا. لكن حين قرأت مقال أمير إسكندر تضاعف حزني على هذا الأستاذ العظيم الذي كنت في السهرة أقرأ له أحيانا قصة أو مقالا منشورا لي ويناقشني وأسعد برأيه، فهو دارس كبير للأدب والفن مع الفلسفة والتراث الإنساني. كانت عظمته في أنه لم يقرر علينا أيا من كتبه. كان يقول إن أسئلتي ستكون عما قرأت أنت في الفلسفة والفكر وتختار مما قرأت وأنا سأنظر في منهج إجابتك أكثر مما سأنظر في ما تقدمه من معلومات.
كانت قيمة عثمان أمين أنه يفتح لنا الطريق إلى القراءة واسعا وكان قد سبقه في السنوات الأولى لي في الدراسة أساتذة من نوع محمد عبد المعز نصر أستاذ فلسفة السياسة وتلميذ المفكر الإنكليزي الشهير هارولد لاسكي.
أذكر له وهو رجل المثالية الكبير أنه كان يقرأ علينا قصائد لأحمد فؤاد نجم. أجل، وكان يسخر من الرئيس السادات وتلكؤه في تحرير سيناء، ويقول علنا في المحاضرة «طول عمرنا نعرف أن اسمه أنور ولم نعرف أن اسمه محمد أنور إلا بعد أن صار رئيسا» ساخرا من حكاية الرئيس المؤمن. كان ترديده لبعض قصائد أحمد فؤاد نجم في المحاضرة هو ما يثيرنا من فيلسوف المثالية، والحقيقة أن مصر كلها بكل طوائفها كانت في ضيق من تلكؤ السادات في الحرب، وكانت المظاهرات الطلابية والعمالية لا تنقطع في القاهرة والإسكندرية وغيرها. وجدت تفسيرا مريحا لي أكثر فهو من جيل الليبرالية العظيم الذي نشأ وتكون بعد ثورة 1919. هذا الجيل الذي كانت قيمته من معارفه مثل حسين فوزي وطه حسين وتوفيق الحكيم وأحمد أمين وغيرهم، وما أكثر ما حدثنا عنهم في السهرة، ولم تكن قوتهم من علاقتهم بأجهزة الدولة.
هذا الجيل الذي كان أسهل شيء عنده هو إجادة اللغة الإنكليزية والفرنسية ومنهم من كان يجيد ست وسبع لغات بحكم السفر إلى الخارج للدراسة، وتواجد الجاليات الأجنبية حوله. كانت قيمة عثمان أمين أنه يفتح لنا الطريق إلى القراءة واسعا وكان قد سبقه في السنوات الأولى لي في الدراسة أساتذة من نوع محمد عبد المعز نصر أستاذ فلسفة السياسة وتلميذ المفكر الإنكليزي الشهير هارولد لاسكي، الذي كان يقول لنا ضاحكا سأقرر عليكم كتابا واحدا فيه ستة فصول، وسيكون الامتحان ستة أسئلة، وأطلب منكم الإجابة عن سؤالين فقط. من أراد أن ينجح ويعمل في جمعية تعاونية بائعا فليقرأ فصلين، وسينجح ومن أراد أن يكون مدرسا ابتدائيا فليقرأ الكتاب، ومن أراد أن يكون أفضل مني فليقرأ مراجع الكتاب. عليكم بالعودة إلى الأصول وتعلموا أي لغة أجنبية لتقرأوا فيها الفلاسفة. المهم لا تتوقفوا عند اللغة العربية فليست كل الأصول الفلسفية مترجمة، والمهم أن تدركوا أنني وغيري من الباحثين يمكن أن تتفوقوا عليهم.
العودة إلى الأصول كان شعاره الجميل هو أيضا الذي كان يملأ الدرس بالمرح. ومثله كان أستاذ الأنثروبولوجيا أحمد أبوزيد الذي كانت له دراسات أنثروبولوجية في إفريقيا، وشارك في تأسيس جامعة الكويت أواسط الستينيات وأسس مجلة هناك «عالم الفكر» التي احتلت أرفع مكانة بين المجلات الفكرية، وكذلك في مصر مجلة «تراث الإنسانية» وكانت الأنثروبولوجيا على أيامنا أحد دروس قسم الفلسفة، لكنه استطاع أن يجعلها قسما بذاتها عام 1974 تخرج منها الكثيرون ممن يقومون بتدريسها في العالم العربي الآن، وله العديد من المؤلفات والترجمات في هذا المجال. لم يكن يقرر علينا أي كتاب. كان يدخل الدرس صامتا ويبدأ في الشرح ولا يسمح بأي صوت أو حركة، ثم يكتب على السبورة مراجع لما قال باللغة العربية والإنكليزية ويطلب منا أن نقرأ ما نحب منها. هؤلاء الثلاثة أكثر من غيرهم كانوا يهتمون بالتشجيع على قراءة الأصول. أتذكر عثمان أمين كل عام في أيام مايو شهر وفاته وأتذكر حال الجامعة الآن في مصر، وكيف أن الكتب المقررة لبعض الأساتذة ملصق بها كوبون يضع عليه الطالب المشتري اسمه ويتركه للبائع الذي يرد الكوبونات للمدرس ليتأكد ممن اشتري كتابه. أتذكر أنني حضرت رسائل مناقشة لبعض رسائل الدكتوراه والماجستير، ولم يكن الباحث يعرف لغة أخرى غير العربية، بل أعرف أن أستاذه نفسه المشرف على رسالته لا يعــــرف غير العربية، بينما الرسالة في النقد الأدبي مثلا عن البنيوية وما بعد البنيوية أو عن الحداثة ومابعد الحداثة وهكذا. رحم الله العظماء الذين كانوا يبنون الأوطان وليس هناك شارع واحد خصصته الدولة باسم واحد منهم ولا مدرسة.
٭ روائي من مصر