■ من الممكن أن يتحول حُلم اليقظة داخل الكاتب الروائي إلى معادل موضوعي لحالة عاطفية ينسجها من خياله، لتصبح مادة ثرية لأجواء وعوالم افتراضية يسكنها هـــــو وأبطال روايته، فيجوب الأرض والسماء بعيدا عن نُسق ومعطيات المنطق، التي تستوجب الاستعداد والاحتشاد قبل الشروع في الكتابة والسباحة بالشخصيات في الخيال المطلق.
في رواية «قلعة النسيان» للكاتب عمرو أنور والتي تقع في 238 صفحة من القطع المتوسط نلحظ ذلك الإيهام بوجود حالة عاطفية، تتولد من فراغ الحُلم والرغبة في معايشة قصة حب مجازية، بتأثيرات ما ورد في كتب التراث وقصص ألف ليلة وليلة، باعتبارها النموذج الأمثل للخيال الثري غير المحكوم بسياج الواقع والخارج، كما أسلفنا، عن أطر المنطق والمحاسبة، فالكاتب يضعنا أمام تجربة ميتافيزيقية يعيش فيها البطل المؤرق بغياب حبيبته التي هبطت علية من السماء، في الغابات والأحراش، واختفت بعد أن صرحت له بحبها في ما يشبه حُلم اليقظة الذي هو جُل الرواية ومكنونها.
وبين الانشغال بالبحث عن الحبيبة المختفية، ومحاولة البطل تدبر أمرة للحيلولة دون فقـــــدانها والتأكد من كونــه موجودا بالفعل يحيا ويتنفس ويمشي ويُدرك، تأتي الشخصيات الأخـــرى لتثـــري الخـــيال، وتوقظ الوعي، فها هو الشيخ الطاعن في السن يسأل الفتي العاشـــق عن سر وجودة في المنطقــــة الموحشة، ويخبره بأن من رآها ربما تكون أميرة من أميرات القصر الكــــائن فوق الجبل، ويحـــذره الشيخ من دخول غمـــار التجربة، ويظل الأمر هكذا مُعلــــقا بين غـــواية الحب الأفلاطوني العُذري ومخاوف الوصـــول إلـــيه، إذ تُحاط التجـــربة العاطفية بالكثير من الألغـــاز، فالقصر الذي تسكنه الأمـــيرة مسحـور والاقتراب منه يعني المخاطرة والهلاك.
تخاطب رواية «قلعة النسيان» نزعات الخير والفضيلة لدى القارئ بشكل ضمني خارج عن المباشرة والتلقين، وتأخذ بأسباب الحكي التراثي كمنهج وأسلوب يهدف إلى تعميق الفكرة الهلامية، وتحويلها إلى ما يشبه الحالة الواقعية.
استلهام يكاد يطابق في دلالاته ومضامينه حكايات وحواديت الجدات، وربما يكون مقصودا لتقريب المسافة بين أزمنة وتواريخ ألف ليلة وليلة والواقع الآني الذي يتوق كاتب الرواية عمرو أنور لتطويعه أدبيا وفنيا، ليكون ملائما لنمو التجارب الرومانسية المماثلة وفق المناخ العصري، في إشارة لإمكانية الحب في زمن المادية والواقعية القاسية، باعتبار أن القدرات الكامنة للإنسان يمكنها تجاوز الزمن بفرضياته وحتمياته الصعبة، أي أن الغاية يمكن تحقيقها إذا ما توافرت القـــوة اللازمة لتحقيقها.
وبامتداد الخط الروائي على استقامته تتعدد الشخصيات والمدارات، وينقلنا الكاتب إلى مستويات مختلفة تتداخل فيها الأحـــــداث والأزمنـــة بمقاييس وشروط المراحل، ورغم اختلاف الثقافات وتواتر السنوات، وعبور المسافات حسب السياقات الروائية، لم يتخل الراوي عن نزعاته الرومانسية، ولم يفقد إيمانه بإمكانية التعادل النسبي بين المادي والعاطفي في العالم الإنساني القائم على نظرية الحب، كمقوم أساسي للوجود، مهما كانت التحديات المادية الخانقة والمحبطة، التي يرمز إليها بأدوات الاغتيال، وطبول الحرب التي تدق إيذانا بتغيير هوية الكرة الأرضية، والقضاء على مملكة الرومانسيين التي تأسست مع بداية الكون لتكون شاهدة على سلام الإنسانية المنشود والمأمول في كل العصور.
تخاطب رواية «قلعة النسيان» نزعات الخير والفضيلة لدى القارئ بشكل ضمني خارج عن المباشرة والتلقين، وتأخذ بأسباب الحكي التراثي كمنهج وأسلوب يهدف إلى تعميق الفكرة الهلامية، وتحويلها إلى ما يشبه الحالة الواقعية لاستبيان الصور والأفكار والشخوص والوقائع، وربط كل ذلك بكينونة الإنسان وجوهرة وأفق ومجالات تألقه وانسجامه، أو سجنه وعزلته واغترابه، في عالم لا يمت له بصلة ولا أمل في مصالحة معه، طالما بقيت الحياة على جفائها ونشوزها وحروبها الطاحنة. يرسم الكاتب الخطوط البيانية للرواية باستدعاء التاريخ كغطاء للأحداث التي تشابه ظروف ومجريات الحياة الواقعية وملابساتها الراهنة، ويصنع من بنات أفكاره خلطة سحرية يجتهد في أن تكون متجانسة، من حيث المكونات الدرامية، وشافية من حيث الغرض ومستساغة في طعمها ونكهتها.
٭ كاتب من مصر