الشّنفرى في البرلمان!

أقرأ للزمخشري من كتاب مشكوك في نسبته إليه عنوانه: «أعجب العجب في شرح لامية العرب». وعجبي أنا منه كيف يطوّع النصّ ليخدم قضايا الإعراب! أقرأ البيت فأرقب معناه غير أنّ تفريط النحويّ في المعنى ومعنى المعنى لفائدة الإعراب يكون كواهب يعطيني بيد ويسلبني بأخرى. يقول جار الله الزمخشري تعليقا على قول الشنفرى «وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ٭ وفيها لمن طلب القِلى متعزَّل) «منأى اسم معتلّ مقصور سمّي بذلك لحبسه عن الإعراب، ولم تظهر فيه الحركة الإعرابية لأنّ الألف حرف هوائيّ يجري مع النفَس لا اعتماد له في الفم؛ والحركة تقطع جري الحرف عن استقالته فلذلك لم يجتمعا..». أنا نحويّ لكن لا يعجبني أن يقتل النّحــــو المعـــنى حــتّى إن كان يعلمني السياق سياقا ينضبط فيه النحوي لاختصاصه .ماذا يفيدني أنا النحوي أن أتعلّم ما المقصور، ويحبسني علمي ذاك عن روح البيت: للمرء إذا كان فردا أن يطلّق الجماعة وأن يضرب في الأرض، وهذا كلام يقال في عصر هيمنة القبيلة وتلاشي الفرد فيها.
تركت الكتاب جانبا وجذبت نفسا من سيجارة الأحلام الحلال وبمعبر بشريّ اسمه الخيال عبرت إلى الشنفرى في عصره ومصره.. وجدت قوم الشنفرى وقد ثارت ثائرتهم من قوله في مطلع لاميّته: (أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم * فإنّي إلى قوم سواكم لأميلُ) اتهموه بالخروج على الجماعة. الخروج على الجماعة تهمة كبرى عرفها العرب منذ القديم حتى قبل ظهور الفقه والنحو والدولة.. تأتلف الجماعة بليل، وفي السرّ ممّن يمشون في صلف ويلبسون حرير الهند ويشربون رفيع الخمور ليلا ويرشون نادر العطور نهارا، يعلنون أنفسهم جماعة والبقية تابعة يقولون نحن الجماعة فيقول هؤلاء ونحن معكم يا جماعة فيقول أولئك: باسم القبيلة نحن الجماعة. كنت هناك بينهم كانوا يتحدثون بلغة غير لغة الشنفرى، وبكلام ليس ككلام الزمخشري: من قال إنّ الفصحى ملك مشاع بين قبائل العرب؟
بحثت عن الشنفرى أريد أن أتأكد من لغته كان ليلتها بعيدا في البراري يسهر مع الوحوش، وينتظر بنت أبي نمير التاجي، أحد وجهاء القبيلة المجاورة.. كان أبو نمير هذا صاحب إبل لا تحصى، وكانت له بنت تكره غلمانه ولم ترَ في قبيلتها ما يعجب من الرجال.. يقال إنّها تيّمت بغلام روميّ فضنّ به أبوها عليها وباعه لبعض القبائل التي تعشق الغناء، فعلمهم لحون الروم فهم إلى اليوم يمشون وراء الإبل ويحدون بأصوات ذلك الغلام الرومي. كان الشنفرى يكره الغناء والأغنياء هكذا بإلهام من آلهة العرب، فكان يعمد إلى إبل أبي نمير فيرسل بينها الرّقطاء فتثور الإبل في الليل وتهرب.. يخرج قوم أبي نمير لإرجاع الإبل وتخرج معهم ابنته، إذ تجدها سانحة كي تسهر بعيدا حتى وإن كانت تجري وراء ناقة.. كان الشنفرى يراقب المشهد وراء كثيب حتى إذا رأى بنت التاجي تقترب يخرج إلى الناقة التي كانت تعدو وراءها ويوشوش في أذنها فتعود صاغرة إلى البنت.. يظل الشنفرى يراقب ولا تعرف الفتاة ما كان يقوله هذا الغريب للناقة كي تعود.. تكرر ذلك مرات حتى إذا كانت الناقة عائدة ذات مرة توقفت بنت أبي نمير وتركت الناقة تعود ورجعت هي إلى الرجل..

بدلا من أن يطلب الشنفرى ضريبة المرور طلب من رئيس القافلة أن يرافقه حتى يعبر الديار بسلام.. تعجب الجند من هذا السلوك، لكنّ الشنفرى أمرهم فأطاعوا.

سألته بكل الآلهة أن يخبرها ما كان يهمس به في أذن النوق حتى تعود.. نزل بشعره المعفر على أذنها وهمس في أذنها بصوت اشتمت فيه ريحا لم تألفها من قبل فمن يومها وهي تعبد هذا الصوت وصاحبه وتواعده في جنح الظلام.
جلست حيث أرى الشنفرى ولا يراني كان عليه الحرير ومنه يتضوّع العطر لم يكن هو الذي في الأخبار كان أنيقا رقيقا، ربما كان ذلك من فعل بنت التاجي.. همست في أذنه أن عليك أن تصير عضوا في مجلس القبيلة، بدلا من أن تخرج عليهم. ظن الشنفرى أنني ضميره فأخذ التدبير مأخذ الجد وسرعان ما أعجبته الفكرة: من الخروج على القبيلة إلى الانضمام إلى دائرة صنع القرار. في تلك الليلة استشار الشنفرى صديقته فاستحسنت الفكرة وقالت ربما تجعل والدي يقبل بك زوجا.. أضافت: أريدك أن تظل شيئا يسرق.. أكره أن أكون زوجتك.. ابتسم الشنفرى وضمها إليه ضمة ارتخت لها وتغنجت كأنها تطلب شيئا لا يعرف الشنفرى ما هو وكيف يلبّيه..
دخل الشنفرى بمقتضى اتفاق كبار القبيلة مجلسا نسميه اليوم البرلمان.. كان يجلس وحيدا في معسكر المعارضة .. يعارض كلّ شيء ويقبل السادة ذلك منه على أنّه شرّ أفضل من الخروج عليهم .. في تلكم الليالي كان يجالس بنت أبي نمير يحرسه الجند وكان أبوها غير بعيد يتظاهر بأنّه لا يرى ولا يسمع، لكنّه بات يراه نائبا.. ولم يعد الشنفرى إلى صنيعه القديم وتمتعت النوق بالأمان.. أما أنا فكنت أوسوس للشنفرى بحيل استقيتها من أهلنا الآن وهنا، فيعجب لها الشنفرى ويقول من أيّ طينة ذكيّة أنت؟ تسللت يوهمها إلى البرلمان وكانت الجماعة تناقش عرضا تقدّم به التاجي يقضي بأن تدفع القوافل ضريبة للمرور لكل قبيلة تمرّ بها؛ وكانت قبيلته وقبيلة الشنفرى معبرا مهما.. اعترض الشنفرى على القرار، لكنّ نواب القبيلة الحاكمة استطاعوا أن يقنعوه بأن يشرف بنفسه على الضرائب فيكون قائد جند استخلاص الضرائب المرسومة على القوافل. وافق الشنفرى وكنت قد نصحته أن يوافق، رحّبت القبيلة بذلك ونصبت له خيمة عظيمة حرسها عتاة الجند. رأيت في تلك الليلة رجلا يشبه الزمخشري يدخل خيمة أبي التاج وفي يده كتاب، ورأيته يخرج من عنده وفي يده شيء يخفيه بين طيات جبته.. هل تحالف الزمخشري ضدّ الشنفرى بأن يتحدث في اللامية عن الإعراب، بدون أن يستخرج جواهر المعاني؟ من النحاة من يفعل ذلك.. في تلك الليلة جاءت عيون الطريق بالخبر: أنّ قافلة مقبلة .. فاعترضها الشنفرى في جماعة من الجند طوقوها. لكن بدلا من أن يطلب الشنفرى ضريبة المرور طلب من رئيس القافلة أن يرافقه حتى يعبر الديار بسلام.. تعجب الجند من هذا السلوك، لكنّ الشنفرى أمرهم فأطاعوا. عاد الشنفرى خاوي الوفاض فاضطربت القبيلة ووجهاؤها، وعقدت جلسة طارئة قضت فيها بطرده لإخلاله بقرارات المجلس.. لم يجد الشاعر شيئا في الخيمة، بل إنّه لم يجد الخيمة.. وسلب منه كلّ شيء حتى الفرس الذي له منحه المجلس.. وحين ابتعد قليلا عن مضارب القبيلة يريد أن يرجع إلى حياته الأولى قرّر المجلس أنّه مواطن غير مرغوب فيه، ونزعت عنه الحصانة وحذفت من تاريخه النسبة.
لكن كانت كلّ قافلة تمرّ من هناك وتدفع الضرائب تحمل نسخا من لامية الشنفرى، حتى إذا ما شاعت في أحياء العرب سموها لاميّة العرب.. أعود إلى كتاب الزمخشري وأقرأ منه المزيد عن الإعراب أغلق دفتي الكتاب، وحين أهم بالمغادرة أسمع طرقا على الدفة العليا أفتح الكتاب فيخرج إليّ جند من جنود كانوا يحرسون الشنفرى يريد أن يحملني عنوة إلى مخفرهم.. أطلب المحامي فيقول لي: رافقه وسنلتقي هناك..

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية