قطر تضرب الحصار بسرعة انجازها لمشاريع مونديال 2022

نورالدين قلالة
حجم الخط
0

الدوحة – “القدس العربي”: لعل أفضل نتيجة مُبهرة فعلا في قطر خلال العامين الماضيين من الحصار المفروض عليها، أن الدوحة لم تشهد تراجعا أو توقفا أو حتى تأخرا لأي مشروع حيوي تقوم بإنجازه، سواء ما تعلق بمشاريع كأس العالم أو مشاريع البنية التحتية المرتبطة به أو غيرها. بل أن ما تحقق من إنجازات في المجال الرياضي خلال هذه الفترة، خاصة خلال عام 2018، الذي أُعتبر عام الإنجازات التاريخية في قطر، أمر يدعو للدهشة، ويوحي بأن قطر تقترب من مونديال نادر في 2022.

قبل ثلاث سنوات ونصف سنة عن بطولة كأس العالم لكرة القدم، وبعد سنتين من الحصار البري والبحري والجوي المفروض على هذا البلد من قبل الجيران، السعودية والإمارات والبحرين ومعها مصر، تتسارع وتيرة العمل في مشاريع المونديال بصورة لها دلالاتها الرياضية، وفي مسار شاق وطويل تقوده “اللجنة العليا للمشاريع والإرث” الجهة المعنية بمتابعة وتنفيذ مشاريع المونديال. وأحرزت اللجنة منذ اندلاع الأزمة الخليجية في 5 يونيو/حزيران 2017، تقدما ملحوظا في وضع الخطط التفصيلية للعمليات التشغيلية لدولة قطر كدولة مستضيفة للبطولة، كما حققت تقدما كبيرا في بناء الملاعب ومشاريع البنية التحتية الأخرى، وضمان إسهام البطولة والمشاريع المرتبطة بها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تسعى قطر لتحقيقها. وتتواصل جهود اللجنة وشركائها لتنفيذ مشاريع الملاعب التي ستصنع تاريخا جديدا لكرة القدم في قطر والمنطقة، بالإضافة إلى مشاريع البنية التحتية، ومرافق الإقامة، ووسائل النقل، وغيرها، لضمان جاهزية قطر لاستقبال العالم في 2022.

وسط هذا الزخم المونديالي الذي تعيشه الدوحة، في كل شارع وفي كل حي وفي كل طريق ومؤسسة، يؤكد حسن الذوادي، الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث، أن قطر لم تتأثر بالحصار، ولم تتأثر مشاريع البنية التحتية ولا حتى سير الحياة اليومية سلباً، بل على العكس، تسير كل المشاريع بحسب الجداول الزمنية المخطط لها، فضلا عن أن هناك بعض المشاريع تم إنجازها قبل الوقت المحدد لها رغم الحصار. ويقول الذوادي أن جميع مؤسسات الدولة، ومنها اللجنة العليا للمشاريع والإرث، لديها خطط احترازية مكنتها من التعامل مع تبعات الحصار من دون أي تأثير على خطط ومشاريع البنية التحتية للدولة.

2018 عام الإنجازات

وإذا كانت قطر حققت عدة إنجازات رياضية في العام الأول للحصار، حيث أكملت تهيئة أول ملعب وهو “خليفة الدولي” في 2017، أي قبل خمسة أعوام ونصف عام من انطلاق المونديال، كما أعلنت عن تصميم ملعب “الثمامة” في أغسطس/آب 2017، وعن تصميم ملعب “رأس أبو عبود” في نوفمبر/تشرين الثاني 2017. فقد كان عام 2018 عام قطر الرياضي بامتياز، حيث تسلم أمير قطر الشيخ تميم بن حمد شارة استضافة مونديال 2022، فضلا عن مسيرة الإنجاز التي تشهدها ملاعب البطولة، والتي أضحت في مراحل متقدمة تبشر بتنظيم قطر لبطولة استثنائية تظل محفورة في ذاكرة التاريخ الرياضي.

وفي هذا الشأن يتصدر ملعب “البيت” في مدينة الخور طريق الإنجازات، إذ شارفت أعمال البناء فيه على الانتهاء، حيث حققت إنجازاً مهما في سبتمبر/أيلول 2018، وأعلنت اللجنة العليا عن بدء أعمال تركيب سقف الملعب القابل للطي. بينما اكتمل العمل حديثا في ملعب الجنوب في مدينة الوكرة الذي كان أيقونة مونديالية عند افتتاحه في مايو/أيار الجاري بمناسبة إجراء نهائي كأس أمير قطر 2019. كما يعتبر ملعب الريان ضمن الملاعب التي يسير العمل فيها حسب خطة العمل الموضوعة له، وسيكون جاهزا في نوفمبر 2019. والأمر ذاته بالنسبة لملاعب مؤسسة قطر و”الثمامة” و”رأس أبو عبود” و”لوسيل”، وهذا الأخير سيستضيف المباراتين الافتتاحية والختامية للمونديال بسعة تصل إلى 80 ألف مشجع.

تدشين أيقونة مونديالية

وقبل شهر من دخول الحصار عامه الثالث، سطرت قطر في مايو 2019 إنجازا جديدا في طريقها نحو استضافة كأس العالم 2022، حيث أصبح ملعب “الجنوب” في مدينة الوكرة ثاني الملاعب جاهزية لمنافسات المونديال، وأول ملعب يجري تشييده بالكامل، خصيصا لاستضافة الحدث الرياضي الأبرز في العالم بعد أعوام قليلة. وبعد حفل افتتاح مبهر، وفي أجواء مونديالية عاشها القطريون وضيوفهم قبل الأوان، استضاف ملعب “الوكرة” الجديد كليا المباراة النهائية لكأس أمير قطر في نسختها الـ47  لكرة القدم 2019، والتي انتهت بتتويج الدحيل باللقب بعد فوزه على السد بأربعة أهداف مقابل هدف.

وحضر تلك الأمسية الاستثنائية نخبة من ألمع النجوم في تاريخ بطولات كأس العالم، والذين لطالما صالوا وجالوا داخل المستطيل الأخضر تاركين ذكريات جميلة ما زالت محفوظة إلى حد الآن، على غرار قائد منتخب البرازيل كافو الذي وصف الملعب المونديالي بـ”المبهر”، والإسباني تشافي هيرنانديز، الذي وصفه بـ”الاستثنائي” و”الرائع للغاية”، بالإضافة إلى الهولندي رود خوليت والكاميروني صامويل إيتو والبرازيلي روبرتو كارلوس والأسترالي تيم كاهيل. وقال حسن الذوادي، الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث أن تدشين ملعب “الجنوب” في مدينة الوكرة “يمثل محطة مهمة جديدة في رحلتنا نحو استضافة بطولة كأس العالم 2022. لقد وعدنا العالم أجمع باستضافة حدث كروي مبهر، وسنفي بوعدنا”. وأضاف الذوادي قائلا: “اكتمال عملية تشييد ملعب الجنوب قبل نحو ثلاثة أعوام من انطلاق الحدث الكروي الأكبر هو بلا شك مدعاة فخر لنا ولشركائنا في دولة قطر”.

إنجازات بالجملة

أكد المسؤولون في قطر مرات عدة أن ملاعب كأس العالم ستكون جاهزة قبل سنتين من إنطلاق البطولة، وهو إنجاز في حد ذاته، ربما لم تصل إليه العديد من الدول الأوروبية والأمريكية المتقدمة، رغم الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها قطر منذ الخامس من يونيو 2017، تاريخ بدء الحصار الجائر على قطر بقيادة السعودية والإمارات والبحرين ومصر. وبالموازاة مع إنجازات الملاعب المونديالية، تمكنت قطر خلال الحصار من تحقيق إنجازات أخرى لا تقل أهمية، وهي مرتبطة بشكل أو آخر بالسير الحسن للمونديال، على غرار بدء شركة سكك الحديد القطرية “الريل” تشغيل مترو الدوحة، قبل عام من الموعد المحدد للافتتاح الرسمي لهذا المشروع، الذي سيكون الدعامة الرئيسية والرابط المشترك لملاعب المونديال، وهو أحد أسرع القطارات من دون سائق في العالم.

من جهة أخرى، ورغم العراقيل والمؤامرات والقرصنة التي فرضتها وخططت لها دول الحصار على قطر، تمكنت قنوات “بي إن سبورت” من كسب التحدي، واستمرت في اعتلاء القمة، متجاوزة أي عقبات في طريقها، بعدما قامت بتغطية مميزة لكأس العالم 2018 في روسيا والعديد من البطولات الأخرى، كما وقعت اتفاقا مهما مع رابطة الدوري الإنكليزي الممتاز على حقوق نقل المسابقة في منطقة الشرق الأوسط للمواسم الممتدة بين 2019 و2022. وحققت الرياضة القطرية العديد من الإنجازات الفردية والجماعية خلال السنتين الماضيتين في ظل الحصار، في العديد من الرياضات، خاصة كرة اليد وألعاب القوى. كما استضافت قطر العديد من الأحداث الرياضية المختلفة، مثل بطولات التنس للرجال والسيدات، ومونديال الأندية لكرة اليد، وبطولة قطر كلاسيك الدولية للاسكواش، وبطولة العالم للجمباز. كما استضافت أيضا قمة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، التي شارك فيها أكثر من 60 وفدا عالميا، وتحدث جاني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي للعبة عن مدى جاهزية قطر لاستضافة مونديال 2022، مبديا إعجابه بالبنى التحتية وما تحقق في الفترة الأخيرة رغم الحصار، ومصرحا بصريح العبارة “قطر ستبهر العالم بمونديال استثنائي”. كما كانت قطر مزارا لأسماء كبيرة في عالم الرياضة، خاصة نجوم كرة القدم الذين توافدوا على الدوحة لتلقي العلاج في مركز “سبيتار” العالمي المتخصص في الطب الرياضي، ومن بين هؤلاء نجم باريس سان جرمان نيمار ونجم توتنهام السابق موسى ديمبيلي ولاعب برشلونة عثمان ديمبيلي وصامويل أومتيتي، وغيرهم.

2019 ذروة أعمال المونديال

وأعلنت اللجنة العليا للمشاريع والإرث أن عام 2019 سيشهد الذروة في أعمال بناء الملاعب اللازمة لاستضافة مونديال 2022، ضاربة بذلك كل آمال دول الحصار عرض الحائط، ومشددة على أنها عازمة خلال الأعوام المقبلة، على مواصلة التقدم، إلى حين سماع صافرة بدء أولى مباريات المونديال. وما زاد من هذا التفاؤل المشروع، زيارات وجولات مسؤولي الفيفا التي لا تتوقف إلى الدوحة من أجل الاطمئنان على سير العمل في كافة أنحاء قطر، ليس على الملاعب فقط ولكن على البنية التحتية والأساسية أيضا في كل الاتجاهات، وفي كل زيارة تكون الاشادة والتقدير من جانب مسؤولي الفيفا، بل والتأكيد على لسانهم من خلال تصريحات واضحة وصريحة بجاهزية قطر لهذا الحدث. وفي ظل الحملات الشرسة لدول الحصار للتأثير على السير الحسن لمشاريع المونديال، والزعم بأن قطر لن تقدر على تنظيم هذه التظاهرة الكبرى، كانت قطر حاضرة بالإنجازات والتصريحات لدحض هذه المزاعم والإفتراءات، حيث يؤكد الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث حسن الذوادي أن الحصار لا يشكل خطرا على استضافة كأس العالم 2022، مشيرا إلى أنه يتم التغلب على العقبات اللوجستية، وأن أعمال البناء مستمرة بزيادة في الحدود الدنيا على التكاليف. وقال الذوادي في مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس” نشرتها صحيفة “واشنطن بوست”: “لقد تعرضنا للهجوم والانتقادات منذ سنين، لكننا نواجه هذه الانتقادات، ومشاريعنا تسير كما هو مقرر، وهذا الحصار لا يشكل أي خطر على استضافة كأس العالم”.

تتويج رياضي بطعم سياسي

ولعل أكبر إنجاز حققته قطر خلال هذا الحصار، تتويجها ببطولة كأس أمم آسيا لكرة القدم التي كانت تتويجا رياضيا فوق العادة، لكنه مر بطعم سياسي سيظل مذاقه على رؤوس الالسن لسنوات طويلة. فقد حقق المنتخب القطري هذه البطولة وسط أجواء أقل ما يقال عنها أنها “عدائية”، فأن تلعب محروما من جماهيرك، وفي بلد مضيف يقيم عليك حصارا، ولا يحترم أبسط درجات الضيافة الرياضية، هو إنجاز في حد ذاته. وعلى الرغم من هذا الوضع فقد تفاعل الجمهور العربي على وسائل التواصل الاجتماعي مع الإنجاز القطري الكبير، ونوهوا برمزية التتويج على أرض الإمارات، التي تفرض حصارا سياسيا واقتصاديا على قطر منذ سنتين تقريبا، ونجح  المنتخب القطري في الفوز على كل من السعودية 2-0 في الدور الأول وهي أيضا من دول الحصار، وعلى الإمارات نفسها أمام جماهيرها، وبنتيجة قاسية 4-0 في نصف النهائي. وهي المباراة التي شهدت هتافات مسيئة من بعض الجماهير الإماراتية بحق قطر ولاعبيها، كما قام عدد آخر منهم برمي نعالهم على الملعب باتجاه حارس مرمى المنتخب القطري، وهي الصورة التي شاهدها كل العالم، وكانت وصمة عار على جبين دول الحصار، خاصة الإمارات، التي تعرضت لإدانة دولية وسخط جماهيري في كل العالم بسبب هذه التصرفات غير الرياضية، كما دانوا الخلط بين الرياضة والسياسة بهذه الصورة البغيضة.

ووسط هذه الأجواء المشحونة، قدم المنتخب القطري في هذه البطولة التاريخية، مستويات مدهشة، وتوّج باللقب بعد فوزه على المنتخب  الياباني 3-1 في المباراة النهائية. ونال الأداء القطري استحسان جميع المتابعين والمحللين، حيث فاز في جميع مبارياته بالبطولة، وقدم لاعبوه أداء رفيعا على المستويين الفردي والجماعي. وسجل الهجوم القطري 19 هدفا في البطولة أكثر من أي منتخب آخر في المسابقة، من بينها 9 أهداف لمهاجمه المعز علي، الذي كسر الرقم القياسي لعدد الأهداف المسجلة في بطولة واحدة، ونال جائزة أحسن لاعب وأفضل هداف، كذلك برز تألّق صانع الألعاب أكرم عفيف الذي صنع عشرة أهداف لزملائه.

وجلب الإنجاز القطري الكبير في كأس آسيا الفرحة لملايين الجماهير القطرية والعربية من المحيط إلى الخليج، باستثناء بعض الأصوات الشاذة في دول الحصار التي حاولت التقليل من الإنجاز. وأهدت قطر فوزها إلى كل العرب، وهي التي سبق أن انتزعت شرف استضافة مونديال 2022، كأول دولة عربية، وأول دولة آسيوية منفردة تحظى بهذا الشرف. وهكذا، وعلى رغم الحصار، الذي يقول مسؤولون في لجنة الإرث أنه تم تجاوزه بمراحل عدة، ولم يعودوا يرغبون في الحديث عنه، تواصل قطر استعداداتها، الجارية على قدم وساق، لتنظيم نسخة غير مسبوقة في تاريخ نهائيات كأس العالم لكرة القدم، التي نالت شرف استضافتها في 2 ديسمبر/ كانون الاول 2010، حيث انطلق العد التنازلي لصافرة بداية المونديال المقرر في 21 نوفمبر 2022، على أن يسدل الستار على “العرس الكروي الكبير”، الذي يقام لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في 18 ديسمبر 2022، تزامنا مع اليوم الوطني لدولة قطر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية