«يارا» فيلم يخترق هدوء وادي «قاديشا» ويستولد فيه غراماً دون «واتس أب»

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: بعد عدّة أفلام عالج فيها آلام وطنه، التي بدأت مع الحرب العراقية – الإيرانية وتواصلت لثماني سنوات، يبدو أن المخرج عبّاس فاضل نشد السكينة والهدوء في أحضان وادي قاديشا – قنوبين في شمال لبنان. هناك ولد فيلم «يارا» الذي انطلق في 30 من أيار/مايو في سينما متروبوليس – صوفيل في بيروت. وفي وادي قاديشا منح فاضل للكاميرا حريتها، فأعطى لسحر المكان في شريطه مساحة تماثل حضور ابطاله القلة، وكذلك الحيوانات الأليفة التي تشكل جزءاً من حياة الفلاّح والريف.
في تقديمه الفيلم للجمهور أعلن المخرج العراقي عباس فاضل أن عمله لبناني بالكامل باستثنائه. وفيما اعتبر نفسه لبنانياً، تمنى لو يُعتبر كذلك نظراً لعيشه في لبنان منذ سنة ونصف. وأعلن أن الإقامة في وادي قنوبين – قاديشا لتصوير الفيلم تركت السيناريو يُكتب يوماً بيوم.
إلى «يارا» الفيلم تجاوز 100 دقيقة بدقيقة، ندرك سلفاً أن المخرج كان بصدد البحث عن قرية بكر لم تلوث براءتها وبساطتها بتدخل حديث. وجد مُراده وربما أكثر مما توقعت مخيلته. فوادي قاديشا متروك على حاله بعد أن هجر أهله منازله القليلة، وصار محمية طبيعية. منزل شديد التواضع محمي بصور السيدة العذراء وبعض القديسين وبارودة 12 ملم، تسكنه جدة وحفيدتها. مُحاط بقن للدجاج، زريبة ماعز، دابة وكلب ينبح وحيداً في الوادي. نقلت الكاميرا صورة طبيعية لحركة السيدة العجوز التي تتحرك متثاقلة في مشيتها نتيجة متاعب جسدية. تُطعم الدجاج والكلب، رغم وعورة الطريق. إمرأة بالكاد تهدأ، وإن حدث فتغيب في سكرة تأمل بمكان سكنته وكان مأهولا، وصارت الآن حارسته الوحيدة.
إلى هذا الوادي الذي تصله المؤونة منقولة على ظهر بغل شربل، وصل عابر سبيل. وألتقى بـ»يارا» اسمها الحقيقي ميشال وهبة، وهي الممثلة الوحيدة المحترفة. وطلب الماء. عابر سبيل شاب وجريء ومباشر «بتروحي معي ع اوستراليا»؟ «شو بدي اعمل هونيك»؟ «بتتعرّفي ع الكنغارو». استدل الشاب على طريق العودة من صبية المكان، سرق جهاراً حبة جنارك، وترك قبعته وتحذيراً صريحاً بالعودة «رجعلك انتبهي». عاد وصار اسمه «الياس» فريفر. تلاحقت وتيرة الزيارات وشرد الحبيبان في الوادي يستكشفان منازله المهجورة، المدرسة المقفلة على مقاعدها العتيقة، الكنيسة وجرسها، النبع والشلال. حب مشوق في زمن وسائل التواصل المتعددة، يضع المتلقين الشباب إن هم أقبلوا على الفيلم أمام معارف غرامية يفتقدون سحرها، ربما يسمعون عنها في أشعار الأخوين رحباني، وصوت فيروز. والشك كبير في أن يجد ذاك النمط من الحب الإستحسان.
هذا الحب يثير تساؤل الرجلين اللذين يرتادان المكان، شربل والدليل السياحي. ويثير غياب «يارا» عن البيت فضول الجدة فتتساءل باستنكار مكتوم عن ذاك الشاب الغريب. أيام الغرام الممزوج بسحر المكان تبترها فيزا سفر إلى اوستراليا. والد «الياس» مهاجر، «وأنا شو بدي ابقى اعمل هون»؟ «بتروحي معي»؟ «وأترك هون»؟ دموع وداع سالت دون أمل لقاء جديد، وبقيت «يارا» حارسة للوادي مع جدتها. هل هو تمسك بالأرض، أو دعوة ضمنية لذلك؟
حقق المخرج عباس فاضل ما أراده من حضور عفوي لممثلين غير محترفين وبخاصة ماري القاضي، وولديها شربل والياس، وكذلك في اختيار الشاب الياس فريفر لدور العاشق. جميعهم ظهروا بانسياب مطلق وتآلف مع المكان. وكانت «يارا» طبيعية في حركتها ونظراتها وصمتها. أظهر المخرج حياء انثوياً بعدم نشر الملابس الداخلية لدى حضور عابر السبيل، لكنها صورة لا تتساوى مع مشهد بطلته مستسلمة لحمام شمس ونظارات بأحدث طراز، أو ملتفة بمنشفة بعد استحمام في دورة مياه منفصلة عن غرف البيت؟
استرسل المخرج في تصوير بيئة جبلية جميلة وكأنه في رحلة تعويض عن عيش في حضارات مُدنية مُركبة. إلتقط صورة النملة تسرح على تفاحة العاشق حين تركها بيده سارحاً في الحب والهدوء. كما لاحقت عدسته مسيرة نمل على الطريق الترابي، وأخرى تسلقت حبل غسيل. صوّر الطبيعة الخلابة وكانت له مع الوادي المقدس بنظر أهل الشمال وبشري خصوصاً مواعيد حددتها حركة الشمس والضوء، مما ترك المشاهد الطبيعية لديه تتوازى مع الحوارات التي تركها مفتوحة. لكل مشاهد حقه في تخيل ما يريد من نهايات واستنتاجات.
«يارا» فيلم لطيف ناعم لم يحمل أهدافاً كبرى، يُفضل لو يُختصر، فناس العصر عجولون. لهذا الفيلم أن يشكل لاحقاً وثيقة عن حياة كانت في ذاك المكان. يذكر أنه العرض الثاني للفيلم بعد مشاركته في مهرجان «لوكارنو» كفيلم عربي وحيد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية