الموت على قيد الحياة

حجم الخط
1

عندما أدركتْ بأنَّ السنين قد مضت بدون أن تدري ، وأنَّ شمسها خفتت بدون وجه حق، أو إرادة الأقدار، بل بفعل كائنات أطلقوا على أنفسهم كلمة بشر ، وعند الرمق الأخير، استعادت تفاصيلَ حياتها الأولى، وكأنّها حدثت في الأمس القريب بعد قرارٍ عنيد منها بإلغاء ما مضى من عمرها بدون أن تدرك، والبدء من جديد لعلها تستطيع تعويض ولو جزءٍ يسيرٍ مما فاتها في زمن لعن ثورتها، وعنادها من الصميم.
وحيدة والديها بين مجموعة من الصبية ، تتلقّفها الأيدي. كالشمس سطعت في مهدها، كادت تنطق لنبوغها منذ نعومة أظفارها، فقد كانت تتفوق على أقرانها فكراً وذكاءً حيث أرسلها والدها إلى رياض الأطفال ولم تكن قد بلغت الثالثة من عمرها بعد.
كانت تستقبل الجميع بابتسامة ممزوجة بالبراءة والدهاء.. دائمة الارتسام على محياها.. تخطف الألباب بروعتها وعذوبتها ، لم تكن جميلة بقدر ما كانت بركاناً من حياة وفرح وذكاء ، تترقب القاسي والداني إلى بيت جدها، حيث كان البيت مسرحاً لأحداثٍ كثيرة من أفراح وأتراح، واجتماعات، فكانت أولى المستقبلين للزائرين، وأولى المودعين لهم، وكأنها أصبحت كجدها صاحبة الضيافة، تترقب العيون حضورها، ويتساءل الجميع عن أسباب غيابها!
كانت تسجل كل تلك الأحداث برأسها الصغير، وتختزنه بصمت، لم تكن تعلم الأسباب، وكأن الأقدار تعلّمها حكمة ستسعفها في أيامها القادمة.
لن تنسى ذات مشهد عندما قامت بما عجز عنه الكبار في العائلة، فلم تتجاوز بعد العامين من العمر، حينما قامت بلمِّ شمل العائلة، وإنقاذها من تفاقم الخلافات بينها وتمزّق شملها للأبد، عندما تشبثت بعنق أحد الأخوة وهو يمضي غاضباً بعد خلافٍ عقيم مع أخيه، فقد طوَّقت عنقه باكية رافضة مضيه حزيناً مكسور الخاطر، وسط دهشة وذهول الجميع، فهي لأول مرة ترى عمها، تعلقت به، وبكت كثيراً وأبكت الجميع، وغسلت تلك الدموع القلوب، وانتقل العناق ليشمل الأخوين، لتقام الأفراح بعدها. كانت كملاك الرحمة، بلسماً تمسح القلوب. تناقل الجميع تلك القصة طويلاً، لتصبح حكاية تروى، ويأتي الزائرون لرؤية بطلة الحكاية الصغيرة.
لن تنسى بأنها بعد سنوات قليلة تعرّضت لمحاولة اختطاف نجت منها بأعجوبة، فقد كانت تتلقفها العيون أينما حلّت، فصدرت الأحكام بحقها بأنه قد آن الأوان لتوصد عليها الأبواب. فقد كبرت.
كَبُرَت ولم تبلغ من العمر الستة أعوام. كبرت الصغيرة سريعاً لدرجة لم تدرِ ما كانت تعنيه الطفولة ، فانزوت على نفسها ، وَبَنَتْ في أعماقها عالماً جديداً خالياً من الأسر والسجانين، فلم تتوقف عن التعلّم من جدها الحكيم فنّ حلّ النزاعات، وتطبيق تلك الحكمة في عالمها ؛ لتكون هي حكيمة نفسها، في الأعماق وعلى الورق.
ما نسيت ولن تنسى كلام الحبّ لها:
– ما أجمل الكون عندما أصبحَ فيه أنتِ.
– الشمس ذاتها تخرجُ منذ سنوات لم تتغير، فما هو الأجمل؟!
– الأجمل أن تلتقي شمس النهار بالبدر في الوقت ذاته، أمر لم أعهدهُ، ولكنه الآن ماثل أمامي.
هيت لك يا أنت، ما أبدعَ كلماتكَ رغم بساطتها، تجعل الفؤاد يخفق… حوارها مع نفسها، لم تجرؤ على البوح به.
– ما بكِ أصابك السكوت؟ لا أتحدّث إلاّ بما ينطق به قلبي، فأنا مغرم حد الثمالة!
أعلم يا أنت ما يدور في أعماقك، ولكني لم أعتد أمراً يحاكي المشاعر، ولا ما ينطق عن الهوى كيف ينطق! هل أصمت؟ أم أتكلم؟ ولكني في الحالتين أحبك!
ارتعدت أوصالها بشرارة لم تعهدها سابقاً، شعرت بأن نبضات قلبها تعزف لحناً، احتارت في تحديد معناه.
وبعد أن غاب عن ناظريها اشتاقته حدّ الهذيان، فعلمت بأنّ العشق قد غرس سهامه في فؤادها.
لكن الأقدار اغتالت عشقها في حرب كانت قد اشتعلت قبل أن تُخلق، فاختطفته الأرض واقتلعت منها قلب الحياة والحب ليواريا الثرى مع جسد الحبيب. ووفاءً بقسم الحب الأبدي، فقد زفت روحها للغائب، ولم يعد يهمها ما تفعله الحياة بالجسد النابض موتاً، ليزفّ إلى غريبٍ في كفنٍ، على أصوات الزغاريد وصرخاتها المدوية، وتمّ إعلان موتها. فقد كان قرار مماتها بأيديهم، جثة هي أمامهم يتساومون في أنسب مكان لدفنها.
رضخت من جديد لأحكام الكبار، ومضت على سبيل الحياة ، تنبض موتاً على نبضات الحياة في أحشائها.
استيقظت على قسوة ما بعدها قسوة، لتعلو صرخاتها طلباً لحياة نبذتها. تصرخ في وجه أمَّة وضعت رأسها تحت مقصلة النصيب. صرخت لتنتشل حياة أحشائها، لترفعها وتريها نوراً حرمت منه، فاشتعلت كالنار تجابه إعصاراً، وكلما هاجت الرياح ازداد اشتعالها، وكاد الإعصار أنْ يتمكن منها بإرسال الأمطار لتطفئ نارها، ظنّا منه بأنه قد تمكن منها، لكنّه لم يعلم بأن خلف رمادها يقبع جمر بركان أشد اشتعالاً من نار قد أخمدها لتوه.
وتمضي الحكاية، وأجد تلك الثورة في أعماقها ستقتلع الفرح الذي وهبته للجميع، بعد أن حرموها منه.
وهل ستحلو حياتها بعد اقتلاعها للفرح من الجميع ؟
تساءلت ، عصفورة تكسرت أجنحتها بفعل ضربها لقضبان قفصها المذهب بأجنحتها , لم تبالي بالألم , ولا بدمائها التي تنزف من قلبها وجسدها ، وأخيراً .. بدأت العاصفة العاتية تهدأ بعد ليالٍ قاسية , وتصدعت صخور العند القاسية ، بفعل إصرارها على نيل حقها ، لاحت من بعيد شمس نهار جديد تخترق السحب السوداء ، وتفتت تماسكها وتلعن ظلمتها بخيوط الحق الذي بدأ يظهر للعيان ..
فرحي بفرح الحياة حولي ، لن أكون إلا بسمة ترسم الفرح في قلوب الآخرين , لن أحرمهم فرحي وفرحتي , ولكن لن أنسى نفسي، أنا هي تلك الصغيرة حكاية لن تنسى ، يتوافد الجميع ليروا بطلة تلك الحكاية من جديد ….
كاتبة الفلسطينية

غادة موسى حلايقة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية