المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية القطرية لولوة الخاطر
الدوحة ـ “القدس العربي”:
أكدت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية القطرية لولوة الخاطر أن قطر ملتزمة بالوساطة الكويتية في تسوية الأزمة الخليجية وبضرورة الحوار البناء القائم على أسس احترام السيادة، على الرغم من أن قطر لم تكن الدولة المعتدية. وقالت الخاطر في مقابلة مع “القدس العربي”، بمناسبة مرور عامين على حصار قطر أن اتهامات دول الحصار كانت ذريعة للتغطية على سياسات هذه الدول التي فككت الوطن العربي وأجهضت طموحات وأحلام الشعوب العربية، وهي تسعى لإعادة انتاج الأنظمة الشمولية التي شهدتها المنطقة في مرحلة ما بعد الاستعمار. كما كشفت الخاطر أن رفض دول الحصار لحرية التعبير وتعدد الآراء وفكرة التنوع السياسي والفكري هي أحد أهم أسباب هذه الأزمة وهي في قلب هذا الصراع.
من جهة أخرى، أشارت المتحدثة باسم الخارجية أن تعامل قطر مع الحصار الجائر تم بطريقة حضارية وقانونية و كان قرارا استراتيجيا اتخذته القيادة القطرية وعلى رأسها الأمير تميم بن حمد آل ثاني، مضيفة أن قطر نجحت دبلوماسيا واقتصاديا واستراتيجيا في مواجهة الأزمة و تمكنت من كشف زيف وافتراءات دول الحصار أمام المجتمع الدولي. مؤكدة في ذات الوقت أن الأزمة الأزمة الخليجية عززت من الخيار المستقل للسياسة الخارجية القطرية و حمت البلاد من الانزلاق في السياسات غير المحسوبة لدول الحصار، التي قالت الخاطر أنها تعيش مشهدا عبثيا نتيجة عدم وجود بعد نظر وسياسات على المدى الطويل تنطلق من إرادة داخلية لتحقيق مصالح المنطقة ككل. وفيما يلي نص الحوار:
1. تشهد منطقة الخليج أسوأ أزمة سياسية ودبلوماسية في تاريخها، وهي أزمة دخلت اليوم عامها الثالث، كيف تعاملت الدبلوماسية القطرية مع هذه الأزمة دوليا وإقليميا؟
أولا يجب أن نقول أن دولة قطر اتخذت تحت قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى “حفظه الله” قرارا استراتيجيا بأن تتعامل مع هذا الحصار الجائر بطريقة حضارية وقانونية. ثم تعاملت دولة قطر مع كل قضية في مجالها واطارها الطبيعي. فتم التعامل مع القضايا القانونية في إطارها القانوني والسياسية في إطارها السياسي والرياضية في اطارها الرياضي، دون خلط السياسة بالرياضة والدين.
لقد نجحنا في استخدام الدبلوماسية والتخطيط الاقتصادي الاستراتيجي لمواجهة هذا الحصار الفاشل، ونجحنا أيضا في كشف زيف وافتراءات دول الحصار امام المجتمع الدولي الذي أدرك مبكرا أباطيل وأكاذيب هذه الدول.
الحصار شكل فرصة عظيمة للمجتمع القطري لاكتشاف ذاته وتفجير طاقاته وعزز إيمانه بمبادئه وزاده وحدة وتماسك
فالمجتمع القطري فخور جدا بحنكة القيادة الرشيدة وقدرتها الفائقة في إدارة الأزمة ونجاحها في تعزيز مكانة قطر على المستويين الإقليمي والدولي. ولا زلنا نكرر ضرورة الحوار لحل هذه الازمة بالرغم من أن قطر لم تكن الدولة المعتدية. ونكرر التزامنا بالوساطة الكويتية.
كما أننا تجاوزنا محيطنا وبدأنا في تعزيز علاقاتنا الثنائية ومتعددة الأطراف مع جميع الدول في مختلف القارات ومع المؤسسات الإقليمية والدولية. فدولة قطر على سبيل المثال ترأس هذه السنة حوار التعاون الاسيوي ACD بالإضافة الى استضافتها للأحداث الدولية مثل اتحاد برلمانات العالم والذي لم تتخلف عنه أي دولة في تاريخه إلا دول الحصار هذه السنة.
ولدولة قطر حضور دائم وفعال على مستويات عالية في المحافل الدولية، فقد رأينا حضورا قويا لسمو الأمير في الجمعية العامة للأمم المتحدة مع الغياب الملحوظ للصف الأول من دول الحصار الخليجية، وهذا يوضح مدى اتصال دولة قطر بالعالم.
2. كيف نجحت قطر في التكيف مع الحصار المفروض عليها منذ سنتين من خلال شبكة علاقاتها الدولية وترابطها مع المجتمع الدولي ومؤسساته؟
الحصار أتاح لقطر فرصة لتعزيز علاقاتها وتعاونها مع دول العالم وتشجيع المبادرات في مجالي الاقتصاد والاستثمار من اجل زيادة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل ولقد نجحت في ذلك إلى حد كبير بدليل أن جزءا كبيرا من المواد الغذائية والاستهلاكية أصبح ينتج داخل قطر ، فضلا عن أن الحصار أتاح لقطر فرصة اكتشاف أسواق جديدة. وقد حققت قطر الاكتفاء الذاتي في مجال الصناعة والتجارة وإنتاج الألبان والأجبان والدواجن.
ودعمت دولة قطر المصانع المحلية من خلال العديد من المبادرات ومنها الزام الوزارات والجهات الحكومية بشراء المنتجات المحلية بنسبة 100٪، كما افتتحت قطر ميناء حمد بعد ثلاثة أشهر من الحصار، وذلك قبل ستة أشهر من الموعد المقرر لافتتاحه. ويوفر ميناء حمد العديد من فرص العمل، ويمثل داعما مهما للقطاع الخاص في قطر، وقد تم إنشاء منطقة اقتصادية متاخمة له في إطار سعي دولة قطر لزيادة صادراتها غير النفطية وإنشاء صناعات تحويلية.
الأزمة عززت من خيار استقلالية السياسة الخارجية القطرية و حمانا من الانزلاق في السياسات غير المحسوبة لدول الحصار
ونوعت دولة قطر في السياحة بإعفائها لأكثر من 80 جنسية من تأشيرة الدخول إلى قطر، وتم اصدار قانون رقم (1) لسنة 2019 الخاص بتنظيم استثمار رأس المال غير القطري في النشاط الاقتصادي بهدف جذب استثمارات أجنبية في جميع الأنشطة والقطاعات الاقتصادية والتجارية وتحقيق التنوع الاقتصادي توافقا مع رؤية قطر الوطنية 2030، وتيسير دخول المستثمر الأجنبي للسوق.
3. أكدت قطر في سياستها على أكثر من صعيد نبذها للعنف والإرهاب والتزامها بمبادئ حقوق الإنسان، وهو ما تأكد منه المجتمع الدولي، ماهي الأهداف التي وضعتها دول الحصار من وراء اختلاق هذه الأزمة؟
كما ورد في سؤالك، هذه الاتهامات لا تعدو كونها ذريعة للتغطية على سياسات أخرى غير عقلانية أدت الى تفكيك الوطن العربي واجهاض طموحات واحلام عدد من الشعوب العربية. من يجيب عن الأهداف الحقيقية وراء هذا الحصار هم من صنعوه. إلا اننا يمكن ان نستقرئ بعض الأسباب من خلال بعض مطالبهم مثل اغلاق القنوات الإعلامية واتجاههم العام نحو رفض كل رأي مخالف، وعليه يبدو أن حرية التعبير وتعدد الآراء وفكرة التنوع السياسي والفكري هي في القلب من هذا الصراع.
إذا فالمشكلة ليست مشكلة بين دول وانما توجه جديد تريد هذه الدول أن تفرضه على المنطقة العربية برمتها ظناً منهم أنه يمكن إعادة انتاج الأنظمة الشمولية التي شهدتها المنطقة العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار. لكن المشروعات الاقصائية والمنغلقة باتت ضرباً من المستحيل في ظل الثورة التكنولوجية والاعلامية التي يعيشها العالم.
دول الحصار تعيش مشهدا عبثيا أصرت أن تعيد ذكرى النكسة بدل أن تعزز روح النصر
4. قد نفهم موقف السعودية وبعض دول دول الخليج في الاتفاق على حصار قطر، ماذا عن الموقف المصري؟
لا نظن أن حصار شعب عربي شقيق في رمضان يمكن أن يفهم بأي شكل من الاشكال ومن المفارقات العجيبة أن يوم الحصار صادف يوم الخامس من يونيو، يوم نكسة العرب، وصادف يوم العاشر من رمضان، يوم انتصار العرب، لكن يبدو أن دول الحصار أبت الا أن تعيد ذكرى النكسة بدل أن تعزز روح الانتصار.
5. هل أثّرت الأزمة الخليجية على المنطقة؟ ماهي آثارها وتبعاتها على قطر والخليج، سواء على صعيد منظومة العلاقات الدولية أو القانون الدولي أو اتجاهات الشارع القطري والعربي عموما؟
بالطبع لقد أضر حصار قطر بمجلس التعاون الخليجي ككل وأدى إلى شلله وبالتالي أثر ذلك سلبا على دوره المنشود تجاه قضايا المنطقة والعالم. فاستمرار الأزمة الخليجية كشف عن إخفاق مجلس التعاون الخليجي في تحقيق أهدافه وتلبية طموحات شعوبنا الخليجية، ونحن ندرك أهمية مجلس التعاون كمنظومة للأمن الجماعي لذلك ظللنا ندعو لحل هذه الأزمة التي أضرت بالاستقرار الإقليمي.
أما المستوى الاقتصادي لم تعد دول الخليج كتلة واحده وبالتالي أصبحت الشركات والدول في حيرة من أمرها في التعاون مع دول الخليج خصوصا وأن دول الحصار الخليجية تحاول أحيانا ممارسة ضغوط على الشركات والدول الصغيرة، وتحاول تخييرها بين التعاون مع قطر أو معهم.
كما أضرت الأزمة على جهود مكافحة الإرهاب، خاصة في الأيام الأولى ونشير في هذا السياق إلى تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الذي صدر في عام 2017 مؤكدا أن الأزمة الخليجية أثرت سلبا على مكافحة الإرهاب. كما صرح تيم لندركينق، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي في جلسة لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي للعلاقات الخارجية التي عقدت بتاريخ 8 مايو 2019 أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد دول الخليج العربي أن تعمل معا بالتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية لمواجهة التحديات الإقليمية.
الأزمة الخليجية أثرت سلبا على جهود مكافحة الإرهاب والشرق الأوسط بحاجة إلى إجماع عربي جديد حول مفهوم الأمن الجماعي
6. ما مدى عمق وتأثير الجوانب الاجتماعية والنفسية وحتى الأخلاقية للأزمة الخليجية على المواطن القطري والخليجي وعلى المقيمين في دول الخليج أيضا؟
لقد أشار سمو الأمير المفدى (حفظه الله) في أول خطاب بعد الأزمة الخليجية بكل اعتزاز إلى المستوى الأخلاقي الرفيع الذي تمتع به الشعب القطري في مقابل حملة التحريض والحصار التي وصفت في تقرير المفوضية السامية لحقوق الانسان الصادر في ديسمبر 2017 بأنها حملة لم تفرق بين الشعب القطري والحكومة وأنها زجت بالشعوب في هذه الازمة. كما أن الحكومة القطرية أصدرت أكثر من بيان تطالب فيه الحفاظ على هذا المستوى الأخلاقي الرفيع والترفع عن المهاترات.
وفي هذا الإطار نستغرب عدم اكتراث تلك الحكومات بمواطنيهم فآلاف الأسر التي تشتت فيها مواطنون من تلك الدول، كما نستغرب فرض قوانين ضد التعاطف مع شعبِ شقيق، فكل هذه الإجراءات تمس حقوق الانسان لمواطني تلك الدول. والجديد في هذه الازمة هو أننا نشهد لأول مرة الخلافات السياسية وقد طفت على السطح بهذه الطريقة، فقد تم طرد القطريين ومنعهم من العمرة والحج، ونخشى من أن يكبر جيل جديد لا يعرف عن العمل الخليجي والعربي الا الخلافات والانشقاقات.
لقد عمدت دول الحصار إلى أسلوب الانتقام والعقاب الجماعي حينما طالبت القطريين بمغادرة دولهم وفصلت بين أبناء العائلة الواحدة وطلبت من مواطنيها التخلي عن أعمالهم وعائلاتهم ومغادرة دولة قطر، فقد رصدت اللجنة الوطنية لحقوق الانسا 4234 شكوى تقدم بها مواطنون قطريون و 853 شكوى لمقيمين من مختلف الجنسيات. لكننا لم نرد بالمثل لكون هذا النهج مخالف للقانون الدولي ولطبيعة الأواصر التي تربط الخليجيين من جهة ولقناعتنا الراسخة بوحدة الشعوب الخليجية ومصيرها المشترك مهما بلغ حجم الخلافات بين الحكومات.
دول الحصار تعيش مشهدا عبثيا نتيجة عدم وجود بعد نظر وسياسات تنطلق من إرادة داخلية لتحقيق مصالح المنطقة
7. دول الحصار تعاني حاليا من ضغط دولي رهيب نظير تورطها في عمليات مشبوهة ونزاعات كالحرب في اليمن وليبيا وقضية خاشقجي ومسائل حقوق الإنسان وغيرها.. في تقديرك لماذا غرقت هذه الدول إلى هذا الحد؟
عدم وجود بعد نظر وسياسات على المدى الطويل تنطلق من إرادة داخلية وتحقيق مصالح المنطقة ككل يلعب دورا في صياغة هذا المشهد العبثي. فما نراه عبارة عن سياسات آنية قصيرة النظر تتخذ بالنيابة عن قوى ومصالح أخرى. نحن في الشرق الأوسط بحاجة إلى اجماع عربي جديد حول مفهوم الامن الجماعي ومصادر التهديدات ونبني على هذا الاجماع الجديد آليات تضمن عدم تهديد أمن واستقرار المنطقة وحل الازمات بالطرق السلمية.
8. عموما هل كان الحصار نعمة أم نقمة على قطر..وعلى الدول المُحاصرة أيضا؟
يمكننا القول أن الحصار الجائر عزز إيمان الشعب القطري بقدراته وقيمه ومبادئه وازدادت وحدته تماسكا، كما شكل فرصة عظيمة للمجتمع القطري من أجل اكتشاف الذات وتفجير الطاقات في المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها.
ففي المجال السياسي، وسعت دولة قطر علاقاتها الثنائية مع دول العالم، فقد بدأت دولة قطر حوارا استراتيجيا سنويا مع الولايات المتحدة الامريكية بعد أشهر قليلة من الحصار. كما وقعت دولة قطر اتفاقيات بشأن حوارات استراتيجية عدة منها فرنسا واليابان وألمانيا والصين. وعزز الحصار من استقلالية السياسة الخارجية القطرية واثبت ان خيارنا المستقل في سياساتنا الخارجية كان هو الخيار الأصوب الذي حمانا من الانزلاق في كثير من السياسات غير المحسوبة لدول الحصار.
بعد عامين من الأزمة اسألوا العالم أن يقارن بين حجم الإنجازات المبهرة لقطر وبين مآزق دول الحصار
ومن ناحية اقتصادية، كان اعتمادنا على الجانب الغذائي كليا على دول الحصار ولكن منذ الحصار نجحنا في تنويع سلاسل التوريد وأصبح لدى المستهلك في دولة قطر خيارات أكثر وأعلى جوده، كما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لدولة قطر (GDP) في عام 2017 إلى 222 مليار دولار (808 مليار ريال قطري) ، مقابل 218 مليار دولار (793.5 مليار ريال قطري) في عام 2016 ، بمعدل نمو سنوي قدره 1.6 ٪.
وفي عام 2017 ، سجلت قطر فائضا في الميزان التجاري للبضائع قدره 136.8 مليار ريال قطري ، مقارنة بـ 91.6 مليار ريال قطري في عام 2016.
الآن بعد نحو عامين من الحصار الجائر يمكن للعالم أن يقارن بوضوح بين حجم الإنجازات المبهرة التي حققتها قطر في هذه الشهور التاريخية وبين مآزق دول الحصار في الملفات المختلفة.
9. هل ترين أن بعض المساعي الحميدة ومحاولات تسوية الأزمة يمكن أن تنجح؟
نتمنى أن نرى هذه المساعي الحميدة تكلل بالنجاح. إلا أن دول الحصار لم تستجب حتى الآن لأي من هذه الدعوات. ولا يفوتنا في هذا السياق التعبير عن فائق احترامنا وتقديرنا لوساطة وجهود أمير دولة الكويت صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.
ملتزمون بالوساطة الكويتية وبضرورة الحوار و احترام السيادة لتسوية الأزمة الخليجية
10. هل ستستمر قطر في التعامل مع الحصار والأزمة عموما بنفس السياسات، أم أن الأمر سيخضع لتغيير في الاستراتيجية، خاصة إذا طال أمد الحصار أكثر من اللازم؟
نحن مستمرون في رسم سياسات دولة قطر بمعزل عن دول الحصار و تعزيز شراكاتنا الإقليمية والدولية في كافة المجالات ولا يقلقنا شيء في استمرار الحصار من حيث القدرة على الاكتفاء الذاتي والأداء على المستوى الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، الا أن ما يقلقنا هو تأثيره السلبي على علاقات الأسر المتداخلة والمسائل الإنسانية الأخرى بالإضافة الى تقويض العمل الخليجي والعربي المشترك وخلق ثغرات جديدة يمكن للقوى الطامعة في المنطقة أن تستغلها، وهو ما نراه بالفعل.