رحلة النقد الفرنسي… من العقيدة إلى الفلسفة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

«ماذا تجدي المتابعة؟ حين نريد أن نحكم، نكتفي بأن نطلق حكماً مُسبقاً، ونعلّق على مبادئ يجب أن يخضع لها كل نتاج أدبي. إن المهمة في منتهى السهولة، فيكفي أن نقارن الأثر بالمبادئ، فإن كان أميناً لها اعتبرناه جيداً، وإلا قضينا عليه، لكن هذه المهمة لشرطي الأدب، ليست العمل الحقيقي للناقد، فالإخضاع للقوانين ليس معناه الحكم، فتحرير المحاضر لم يكن قط مرادفاً للفهم». (النقد الأدبي).

الفقرة الفائتة كانت تتحدث عن النقد الكلاسيكي في القرن التاسع عشر، والمفارقة أنها تتماشى تماماً مع سدنة النقد العربي الآن، خبراء إصدار الأحكام، والأدهى أن بعضهم لا يكلف نفسه عناء قراءة نص من النصوص، بل السماع عن تلميذ نجيب، أو تصفية لموقف شخصي.
ضمن إصدارات كتاب الدوحة، يأتي كتاب «النقد الأدبي» للفرنسيين كارلوني وفـــيلو، حيـــث يستعرض بعضا من ملامــــح هذا النقد في فرنسا، وكيف تحوّل من نقد انطباعي، لا ينشـــغل صاحبة إلا بمـــا يضــــيفه العمل الأدبي إليه من متعة وتحصيل معــــرفي، دونما البحث عن تنظــــيرات وقــــواعد، وصــــولاً إلى تفلسف هذا النقد، كما يستشهد مؤلفــــا الكتاب بأنه «قبل القرن التاسع عشر كان هناك نقاد، لكن لم يكن هناك نقد».

ما قبل القرن التاسع عشر

يــــرى المؤلفـــان أنه خلال القــــرن الســـادس عشر لم يكن هناك نقد بالمعنى المفهوم، فقد كانت الكتابات إلى علم الجمال أقرب، أما في القـــرن الســـابع عشر فقد أصبح للكاتب مهنة مستقلة أكثر مما كان في الماضي.
وسيطرت مشكلة القواعد على النقد حتى منتصف ذلك القرن، فاتفق كل من النقاد والكتّاب على شكل مثالي أرساه القدماء، إذا ما طُبّق بعض من قواعد أرسطو وشُرّاحه الإيطاليين، ودار الاتفاق حول الجمال المثالي، بدون تطبيق القواعد نفسها، فأصبح الأمر عبارة عن مشاحنات وهجاء، وصولاً إلى الخصومات. حتى إن (بوالو) في كتابه «الهجاء» يعترف بأنه لم يقرأ بعض المؤلفات التي أدانها! أما في القرن الثامن عشر فتطور النقد من خلال مفهومي الشعور والنسبية، فكانت نشأة منهج جمالي أكثر منه تعبيراً عما يعتقد الناقد في مؤلف أو كتاب ما.

المذهب الكلاسيكي

جاء هذا المذهب وفق ما يُطلق عليه (النقد المطلق)، استناداً إلى نظرية فلسفية تفسر ما يحدث للأدب، وبالتالي تصدر أحكامها المطلقة، فهي نظرية ضد الرومانسية، وترى أن النظام البرجوازي يجب أن يحكم في الأدب كما يحكم في الأمة، كذلك تعطي دراسة الأدب للشباب نموذجاً للنظام والوضوح، أما مهمة النقاد فهي أن يعطوا للشباب والكُتّاب نصائح في فن الكتابة. فهذا الشكل من النقد لم يكن مجدياً بأي حال، فلم يأت بمعارف أو يُنتج رؤية فنية وجمالية.

من النقد الذاتي إلى البحث عن موضوعية علمية

تأكدت وجهة النظر الذاتية في النقد من خلال كتابات سانت بوف (1804 ـ 1869)، وقد وجه انتقاداته إلى النقد المطلق والكلاسيكية، مبشراً بالرومانسية، وقد تحوّل النقد من مجرد مهنة إلى اختصاص، ولكن فكرة الذاتية التي سيطرت على أعماله النقدية لاقت الكثير من النقد بدورها، فجاء فرديناند برونتيير (1849 ــ 1906) باحثاً عن نقد موضوعي علمي، ولكن في عصر الفلسفة العلمية لم تكن العلوم الإنسانية إلا في طورها الطفولي، هذا النقد الموضوعي حاول أن يجد ضالته عند هيبوليت تين (1828 ــ 1893)، لكنه كان أكثر تجريداً، وابتعد عن السببية الاجتماعية والنفسية التي أنتجت هذا الأدب، رغم أنه فتح الطريق أمام النقد الاجتماعي للأدب.

النقد والماركسية

يرى المؤلفان أن المفاهيم الماركسية هي المسيطرة على المحاولات المُجدية للنقد الاجتماعي، وتؤثر كثيراً في الاتجاهات الحالية للنقد الفلسفي. ومن خلال هذا المفهوم، يُعد الإنتاج الأدبي تعبيراً عن رؤية العالم ــ حسب غولدمان ــ ووجهة نظر على مُجمل الواقع، الذي هو ليس بحدث فردي، بل حدث اجتماعي.
وبذلك يصبح لكل عصر (مواضيعه العامة) التي تعبّر عنه، سواء معارضة للواقع وهو ما يخص الطبقة المنهارة، أو مبرّرة له، وهو ما يعبّر عن الطبقة المسيطرة، وموضوعات تبحث عن الأمل تعبّر عن الطبقة الصاعدة. ولكن .. ليست سمة علاقة آلية بين الرؤية المُعبّر عنها والوسط الاجتماعي، والأمثلة كثيرة .. بلزاك الرجعي والمحب للأرستقراطية جعلها هدفاً لسخريته، وصولاً إلى غوته الذي عبّر عن مواقف وأيديولوجيات متناقضة. ويرى المؤلفان في كل من التحليل النفسي والماركسية منهجاً علميا غنياً، ولكن على أن يكون دورهما أداتياً، بدون فكرة إصدار الأحكام حول أصالة العمل الأدبي.
وفي الأخير يأتي النقد من خلال وجهة النظر الفلسفية، إعادة بناء العمل الأدبي من خلال شخصية الناقد وأفكاره الفلسفية، بدون اللجوء إلى أحكام القيمة، وبدون التستر خلف موضوعية زائفة بهدف تغييب الذات، نجد هذا الشكل من النقد على سبيل المثال عند كل من .. سارتر، بلانشو، وجان بيار ريشار. الكتاب: «النقد الأدبي».. تأليف: جان كلود كارلوني وجان كلود فيلو

ترجمة: كيتي سالم. إصدار: كتاب الدوحة عدد (96) مايو/أيار 2019.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية