مخاوف في روسيا من نتائج الحرب التجارية بين أمريكا والصين

فالح الحمـراني
حجم الخط
0

الحرب التجارية بين الولايات الأمريكية والصين، مع تبادل لا نهاية له بفرض المزيد من الرسوم على بضائع بعضهما البعض، نزاع تجاري محفوف بالعديد من المخاطر. إن فشل أكبر اقتصادين في العالم بالاتفاق بأي شكل من الأشكال على إبرام معاهدة تجارية، سيفضي إلى الحاق الضرر ليس فقط في أسواق هذين البلدين، وإنما في النظام العالمي القائم بأسره، وليس في مقدور روسيا أن تنأى بنفسها عن ذلك. ويجمع المحللون على أن الخطر المحتمل على روسيا من تلك الحرب التجارية، سيتمثل بانخفاض أسعار النفط الذي سيؤدي إلى تعويم الروبل وتسارع في ارتفاع التضخم.

وكانت المواجهة التجارية الصينية/الأمريكية وتأثيرها وسبل مواجهتها، واحدة من الموضوعات التي تطرقت لها مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصيني شي جين بينغ الذي شارك في 6 تموز/يوليو في أعمال منتدى بطرسبورغ الاقتصادي. واتفقت الصين وروسيا الأربعاء الماضي على الارتقاء بعلاقاتهما إلى شراكة التنسيق الاستراتيجية الشاملة في عصر جديد.

وقالت رئيسية صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد إن الحروب التجارية التي تخوضها اقتصاديات العالم فيما بينها، تُعد واحدة من الأخطار الرئيسية التي يواجها الاقتصاد العالمي في 2019. يُشار إلى أن لاغارد قالت قبل أقل من عام، أن إجمالي الإنتاج المحلي العالمي يمكن أن يهبط إلى 0.5 نقطة مئوية أو حوالي 450 مليار دولار في 2020 بسبب فرض الولايات المتحدة وغيرها من الدول الرسوم الجمركية. وحسب تقديراتها فإن الظروف المواتية، التي ساهمت في الانتعاش الاقتصادي الذي بدأ منذ عام 2011 سوف تتلاشى قريبا ” الآن يجب أن نستعد لأوقات أكثر صعوبة”.

ولا تشغل روسيا في الوقت الحالي مكانة كبرى في هيكل التجارة العالمية، لكنها مع ذلك مهمة. ويقول المحللون إن منطق الضغط على الاقتصاد الروسي نتيجة الحرب التجارية الأمريكية/الصينية بسيط: فكلما زادت الحواجز التي تفرضها البلدان على علاقاتها التجارية، كلما قل حجم البضائع التي يمكن تصديرها إلى بلد آخر. وبالنسبة لروسيا فإن هذا يعني إن الطلب على مواردها الطبيعية المصدرة للخارج سينخفض، ونتيجة لذلك، ستنخفض إيرادات الميزانية أيضا، وسيتبعها انخفاض المستوى المعيشي للمواطنين.

ويرصد المحللون عددا من المخاطر على روسيا من الصراع بين الولايات المتحدة والصين. وتحدث وزير التنمية الاقتصادية الروسية مكسيم اوريشكين مؤخرا عن اثنين منها، هو انخفاض أسعار المواد الخام الروسية خلال تباطؤ الاقتصاد الناجم عن الحرب التجارية، والاضطراب التالي في الأسواق الناشئة. ويقول كبير الاقتصاديين في وكالة “أكسبيرت را” انطون تاباخ: “إن روسيا مستعدة لهذا” وفي رأيه أنها غير جاهزة للخطر الثالث المتمثل في تغير قواعد العالم المعولم، التي تطورت على مدى العقود الثلاثة الماضية. ويضيف “في السنوات الأخيرة، انخفضت الرسوم على البضائع والخدمات، باستمرار، والأفكار غدت جذابة، فيما أعلنت حرية التجارة بانها مقدسة، بيد أن هذا النموذج لاقتصاد العالم لن يكون بعد الآن”.    

إن أهمية التجارة مع الصين بالنسبة لروسيا، تعود إلى أن الصين هي أكبر الشركاء التجاريين لها. ونما حجم التجارة بين الدولتين في السنوات الأخيرة وعلى سبيل المثال، في الربع الأول من العام الحالي بزيادة قدرها 5.8 في المئة على أساس سنوي. وفي حال نشوب حرب تجارية طويلة الأمد ومستمرة، فقد يتباطأ اقتصاد الصين، ما يؤدي إلى انخفاض في الطلب على المنتجات المعدنية الروسية والمنتجات الزراعية والطاقة. ونتيجة لذلك سيعيد المستثمرون في الصين النظر في موقفهم من ملكية عدد من الأصول السلعية، سواء في روسيا أو في الخارج، مما سيؤدي إلى الانخفاض في جميع الأسواق الناشئة، كما قال اندريه خورين مدير عام شركة ” إيفولغا كابيتال”. وقدر المحللون في وكالة “بلومبرغ” أن الاقتصاد الروسي فقد بسبب العقوبات الغربية حوالي 6 في المئة من الناتج المحلي المالي في خمس سنوات.

وتصل عوائد الصادرات الروسية من غير الخامات سنويا حوالي 12 مليار دولار. ونظرا لأن الجانب الروسي يسعى في السنوات الأخيرة إلى دعم نمو صادرات المنتجات الصناعية من غير الخامات، فان هذا الحجم من الصادرات يمكن أن يتعرض لضربة، وعلى الرغم من محدودية سقف الصادرات الروسية، ولكن سينعكس على إمكانات تنويعها، وعدم حصرها في المواد الخام.

وتقول ناتاليا ارلوف المديرة الاقتصادية لـ “الفا ـ بنك”: “إن الاحتكاك التجاري سيستمر، ووفقا لاستراتيجية الولايات المتحدة، فان هذه العملية ستمضي مع بعض التوقف والتصعيد”. وتُرجح: “إن مخاطر تدهور العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، ستؤدي إلى الحاق الضرر بعدد من صادرات المنتجات الروسية المُصنعة. فعلى سبيل المثال أبلغ بعض مصدري منتجات البلاستيك إلى الصين، عن انخفاض في الطلب منذ الخريف الماضي”.

وهناك اتفاق بين المراقبين الاقتصاديين على أن النزاع التجاري الصيني/الأمريكي سيؤثر سلبيا على الاقتصاد العالمي ـ حيث ستنخفض وتائر النمو في الاقتصادين الأكبر وسيؤدي هذا إلى انخفاض عام في معدلات النمو. وسينخفض الطلب على السلع المُصنعة، بما في ذلك الصادرات الروسية، وسيعاني الروبل بعد انخفاض الصادرات ـ وسيضعف مقابل الدولار. علاوة على ذلك ستتضرر برامج تطوير شركات التصدير الكبرى، وتنخفض برامجها الاستثمارية، وتتقلص فرص العمل، وستهبط مداخيل هذه المجالات، وأجور موظفيها. وكذلك ستتضرر الشركات التي تقدم الخدمات للصادرات: مالية وتجارية، ونقل.

ويرى المحلل الاقتصادي فلاديمير تيخوميروف إن الاقتصاد الروسي قادر على مقاومة الصدمات الخارجية، لكن وفق تقديره، إن نموه بطيء. ويمكن أن يؤدي تصعيد الحرب التجارية بين أمريكا والصين إلى تباطؤ النمو بل والركود إلى ناقص1 في المئة. ويقول: لن يكون هناك ركود عميق، لكن الهبوط الحاد في صادرات السلع الأساسية قد يبدأ في تموز/يوليو المقبل، ويبدأ التراجع الجدي في صادرات الخامات لمدة ثلاثة أشهر، وسينعكس هذا على نمو الاقتصاد”.

وأشار المدير الإداري لشركة “يو بي إس غلوبال” ماسيميليانو كاستيلي” وهو يتحدث في “منتدى أستانا الاقتصادي” الثاني عشر الذي انعقد مؤخرا في كازاخستان، إلى إن أسواق الولايات المتحدة كانت مصدرا لأزمة 2007 ـ 2008. ومن المرجح أن تبدأ الأزمة هذه المرة في الأسواق الناشئة. وفي هذه الظروف ستحاول الاقتصاديات الكبيرة، على سبيل المثال الصين، تعزيز الحمائية فيما يتعلق بسلعها وهو أمر غير طبيعي وغير عادل بالنسبة لاقتصاد الدول الأخرى. بمعنى إن الصين وفي سبيل إنقاذ مستويات تبادلها التجاري ومداخيلها، سترفض الموردين التقليديين، بما في ذلك روسيا، وتبحث عن الخامات هناك حيث تكون أرخص.

ويشير محلل “بي كي أس ـ برمير” انطون بوكاتوفيتس  إلى أن روسيا تتجنب الآن التورط المباشر في أي نزاعات تجارية واسعة النطاق، ووفقا لرأيه، إن روسيا خلال الجدل التجاري بين الولايات المتحدة والصين يمكن حتى أن تحسن علاقاتها مع هاتين الدولتين. بيد انه يؤكد أيضا إن محاولات تقارب روسيا والصين لم تؤدِ لحد الآن إلى طفرة كبرى. لذلك يجب أن يصبح التقارب مع الولايات المتحدة هو الهدف الرئيسي لروسيا. واستدرك: لكن العقوبات التي فرضتها أمريكا على الجانب الروسي، تحول دون تحسين العلاقات التجارية مع واشنطن، وليس في وسع موسكو تغير أي شيء في هذا المجال.

   

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية