لندن – “القدس العربي”: رغم أجندتها غير المعلنة والملفات التي تمت مناقشاتها ولم يتم الإفصاح عن تفاصيلها، شهدت زيارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الثانية إلى المملكة المتحدة البريطانية فرقاً لافتاً بالمقارنة مع سابقتها، والفرق هو الاستقبال الكبير الرسمي الذي تم بحضور الأسرة الملكية وكبار النخبة الحاكمة، حيث وصف تلفزيون “بي بي سي” الناطق بالإنكليزية الحفل بأن “ترامب هو ثالث رئيس أمريكي يتمتع باستقبال رسمي من هذا النوع خلال تاريخ العلاقات البريطانية الأمريكية”. ويعتبر ذلك مؤشراً هاماً على أن النخب الحاكمة البريطانية تعول على نتائج هذه الزيارة نظراً للأزمة التي تمر بها البلاد بسبب عقدة بريكست وتداعياتها السلبية الكبيرة على اقتصاد البلاد.
والموضوع الملفت فيما يتعلق بزيارة ترامب بريطانيا، هو مرافقته لعدد غير قليل من رجال الأعمال الأمريكيين ومسؤولي الشركات العملاقة الأمريكية، الذين جاؤوا إلى لندن للتمهيد لما ما وصفها ترامب بـ”الصفقة العظيمة” والتي وعد البريطانيين بعقدها في حال انسحابهم من الاتحاد الأوروبي دون توافق (ما يوصف ببريكست الحاد) أو إبرام توافق بين لندن وبروكسل يفك الارتباط بينهما بشكل كلي ونهائي. ولم يخف ترامب رغبته في عدم استمرار الاتحاد الأوروبي وتفكيكه.
وكعادته أثار ضجة بتصريحاته حول شؤون بريطانيا الداخلية ودعمه لمؤيدي بريكست، حيث قال الرئيس الأمريكي إنه يجب على بريطانيا رفض دفع ميزانية انفصالها عن الاتحاد الأوروبي، والتي تبلغ 39 مليار جنيه إسترليني (ما يقارب 50 مليار دولار) والانسحاب من محادثات الخروج من الاتحاد ومغادرته دون توافق إذا لم تعط بروكسل بريطانيا ما تريده. وأضاف “يجب على رئيس وزراء بريطانيا المقبل أن يرسل نايجل فاراج، المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لإجراء المحادثات مع الاتحاد”. كما قال “كان من الخطأ بالنسبة للمحافظين عدم إشراك نايجل فاراج، زعيم حزب بريكست، في مفاوضات مع بروكسل، وذلك بعد نجاحه في انتخابات البرلمان الأوروبي الشهر الماضي”. وعن نايجل فاراج، أضاف “أحب نايجل كثيرا، فلديه الكثير لكي يقدمه، إنه شخص ذكي للغاية، هم لن يستعينوا به في المحادثات، ولكن فكر كيف ستتحسن الأوضاع إذا فعلوا ذلك، فهم لم يكتشفوا ذلك بعد”.
وفي إطار دعمه المتواصل للتيارات والأحزاب اليمنية، وقبل بدء زيارته كان الرئيس الأمريكي قد عبر عن كامل دعمه لحملة بوريس جونسون، لكي يكون رئيس وزراء بريطانيا، خلفا لتريزا ماي، قائلاً “أعتقد أن بوريس سيقوم بعمل جيد للغاية. أعتقد أنه سيكون ممتازا”. وأشار إلى أن المشرعين من حزب المحافظين في بريطانيا طلبوا تأييد جونسون لنيل منصب رئيس الوزراء، باستثناء وزير البيئة مايكل جوف، الذي انتقد موقفه من إيران. كما حث ترامب جميع المرشحين للمنصب، على التعهد بزيادة الإنفاق الدفاعي لبريطانيا، وأشاد بتعهد وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هانت، بذلك قائلاً “نعم أنا أحبه، فيجب أن تكون المملكة المتحدة قادرة على الدفاع عن نفسها” لافتا النظر إلى أن الإنفاق الدفاعي البريطاني المرتفع قد يعزز صادرات المعدات العسكرية الأمريكية.
ولم يغب موضوع حربه التجارية ضد الصين خلال الزيارة، وحاول ترامب أن يحث البريطانيين أن يتخلوا عن موقفهم شبه المحايد، وذكرهم بالمخاطر الأمنية التي تترتب على التعاون التقني مع الصين وخاصة شركة هواوي. والواضح هو أن الولايات المتحدة لا تريد أن تختصر سيطرتها شبه المطلقة على تقنيات المعلومات والاتصالات، وأنها تتخوف كثيراً من دخول العملاق الصيني في هذا المجال، وذلك سيعطي الصينيين المزيد من التفوق في الأسواق والسيطرة عليها. وطلب الرئيس الأمريكي عشية وصوله إلى لندن، أن تكون بريطانيا “في منتهى الحذر” حيالَ إشراك مجموعة هواوي الصينية في تطوير شبكة 5G على أراضيها. وردًا على تقارير تفيد بأن بريطانيا تنوي منح هواوي دوراً محدوداً في ذلك المشروع، قال ترامب مخاطباً البريطانيين “لديكم بدائل أخرى، ويجب علينا أن نكون حذرين جداً من وجهة نظر أمنية” وأضاف “تعلمون أن لدينا مجموعة مهمة من الاستخبارات، وأننا نعمل عن كثب مع بلدكم، ولذا يجب عليكم أن تكونوا حذرين للغاية”.
ولم تقتصر ضجة ترامب في لندن على تصريحاته فقط، بل زادت مطالب السفير الأمريكي في بريطانيا بخصخصة النظام الصحي للبلاد المعروف باسم NHS من حدة الاحتجاجات الشعبية ضد زيارته. وقال السفير الأمريكي لدى لندن، وودي جونسون، في مقابلة مع تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” إن واشنطن تعد بالفعل لإبرام اتفاق تجارة حرة مع بريطانيا بالسرعة التي أبرمنا بها أي اتفاق آخر، وأوضح أنه يتوقع أن تكون بريطانيا منفتحة على المنتجات الزراعية الأمريكية. ورداً على سؤال حول دخول الشركات الأمريكية للنظام الصحي البريطاني الحكومي قال إن “كل الأمور المتعلقة ستطرح على الطاولة”.
وقاد زعيم حزب العمال المعارض جيرمي كوربن، مظاهرات حاشدة ضد ترامب وسط لندن. وكان كوربن، على غرار زيارة ترامب العام الماضي، رفض حضور العشاء الرسمي على شرف الرئيس الأمريكي في قصر باكنغهام، وحلق بالون عملاق يصور ترامب كرضيع في حفاض يزمجر غاضبا أمام البرلمان البريطاني في لندن قبل تنظيم احتجاجات حاشدة ضد الرئيس الأمريكي. وشارك الآلاف من المحتجين فيما أطلق عليه اسم “كرنفال المقاومة” تعبيرا عن معارضتهم لترامب وضمنهم نشطاء في مجال البيئة ومناهضة العنصرية وحقوق المرأة.