وضع المجلس العسكري في السودان نهاية دموية لعملية الانتقال السياسي في البلاد، وتبعا لذلك العملية التفاوضية التي كانت تجري بينه وبين قوى الحرية والتغيير التي قادت الثورة على نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وكانت تأمل في انتقال سلس للسلطة إليها من العسكر الذين انحازوا إلى الثورة ووعدوا بتسليم مقاليد الحكم للمدنيين، وعبروا عن زهدهم في تسلم مقاليد الأمور في السودان، ولكن بعد أن استتب لهم الأمر ووطنوا أنفسهم في القصر الجمهوري في الخرطوم، سرعان ما تراجعوا عن تعهداتهم هذه، وقاموا بتعليق التفاوض في أول يوم بعد فض الاعتصام بشكل دموي، ولم يقف الأمر على ذلك بل قاموا أيضا بإلغاء كل الاتفاقيات التي توصلوا إليها مع قوى الحرية والتغيير وجعلوها هباء منثورا.
بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير اختار جميع الذين قاموا بالثورة من المدنيين ومن انحازوا إليها من العسكر التفاوض بينهم لإكمال عملية نقل السلطة، وذلك بعد اللقاء الأول الذي جمع ممثلين من قوى الحرية والتغيير يوم 13 نيسان/ابريل تقدمهم المهندس عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني والدكتورة مريم الصادق المهدي نائب رئيس حزب الامة القومي ودكتور محمد ناجي الأصم الناطق باسم تجمع المهنيين وآخرين، فيما مثل العسكر الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري وعدد من أعضاء المجلس، وغاب عن اللقاء ممثل الحزب الشيوعي المهندس صديق يوسف.
حاول المجلس العسكري بعد هذا اللقاء السابق ذكره توسيع مظلة التفاوض عبر إشراك الأحزاب السياسية خارج قوى الحرية والتغيير من القوى التي كانت حليفة للنظام البائد عبر لقاءات نظمها رئيس اللجنة السياسية وقتها الفريق عمر زين العابدين، وهي الاجتماعات التي أثارت حفيظة قوى الثورة التي رفضت هذا المنحى وطالبت بأكثر من ذلك بإبعاد رئيس اللجنة السياسية وآخرين من المجلس واعتبرتهم ممثلين للنظام القديم ويريدون إعادة إنتاجه عبر هذه اللقاءات، وكان لهم ما أرادوا حيث استجاب المجلس لدعواهم وقام بإبعاد زين العابدين واثنين آخرين يمثلون الأجهزة الأمنية والشرطة من عضوية المجلس.
بعد هذه الخطوة قام المجلس العسكري بإعلان قوى الحرية والتغيير ممثلا وحيدا للثورة وشريكا في العملية السياسية، وتبعا لهذا الاعتراف انطلقت المفاوضات بين الطرفين في القصر الجمهوري حيث طرح العسكر إعطاء قوى الثورة مجلس الوزراء والمجلس التشريعي وطالبوا بالاحتفاظ برئاسة الجمهورية ممثلة في المجلس العسكري، فيما طرح الثوار المشاركة في المجلس السيادي وطالبوا بالغلبة المدنية وبتمثيل عسكري محدود ورئاسة مدنية ليندلع الخلاف حول هذه النقطة وتقوم قوى الحرية والتغيير بتعليق التفاوض تبعا لهذا الخلاف.
تدخل الوسطاء السودانيون بطرح مقترحات لتقريب وجهات النظر ولكن رفضت مجهوداتهم، وقررت قوى الحرية والتغيير تقديم مسودة إعلان دستوري ينظم السلطات السيادية والتنفيذية والتشريعية والتي استغرق قبولها أسبوعا كاملا من المماحكات، قبل أن يوافق المجلس العسكري عليها وينطلق التفاوض بعدها مجددا إلى قاعة الصداقة في الخرطوم خارج القصر الرئاسي، وهي المفاوضات التي قادها بجدارة الفريق ياسر العطا رئيس اللجنة السياسية واستطاع في يومين فقط حسم قضية المجلس التشريعي بتوسعته ليضم 300 عضو بنسبة 67 في المئة لقوى الثورة و33 في المئة للقوى خارج الحرية والتغيير، كما تم حسم الفترة الزمنية الانتقالية بـ3 سنوات بدلا عن أربع سنوات كانت تطالب بها قوى الثورة، وتركت قضية المجلس السيادي لتحل في اليوم الثالث.
تعتبر هذه الفترة من التفاوض الإشراقة الوحيدة في عملية انتقال السلطة، ولكن تضارب المصالح داخل قادة المجلس العسكري الذين خضعوا للضغوط الداخلية في الجيش والأجهزة الأمنية وقوات الدعم السريع بامتداداتها الخارجية باتت تخشى طريقة الفريق ياسر العطا التوافقية، لتقوم بإصدار بيان من رئيس المجلس الفريق أول عبد الفتاح يقطع الطريق على التفاوض الجاري بوتيرة متسارعة متحججا بضرورة رفع المتاريس على شارع النيل الرئيسي، والتي تمددت بعد قيام منتسبين من الجيش والدعم السريع بمهاجمة المعتصمين في ما عرف بأحداث 8 رمضان الدامية التي راح ضحيتها العشرات، ورغم ضغوط الثوار على قوى الحرية والتغيير بتعليق التفاوض إلا أن ممثلي الثورة تحاملوا على جراحهم واستمروا في التفاوض، حتى اصطدموا بالموقف الجديد للمجلس العسكري الذي أمهلهم 3 أيام لرفع المتاريس من شارع النيل.
نجحت قوى الثورة في تنفيذ هذا المطلب القاسي على أمل العودة للتفاوض وهو ما كان بعد الثلاثة أيام المحددة من قبل المجلس، لكنها وجدت موازين القوى تغيرت داخل المجلس وتم إبعاد الفريق ياسر العطا عن اللجنة السياسية والعملية التفاوضية، ليظهر الفريق شمس الدين كباشي في المسرح معبرا عن الخط المتشدد داخل المجلس لينطلق التفاوض على النقطة الجوهرية وهي نسبة كل طرف في مجلس السيادة ومن الذي يرأس البلاد والمجلس، وفي هذا كان العسكر متمسكون بالرئاسة والأغلبية لهم في مجلس السيادة، في حين تمسك الثوار بالأغلبية المدنية والتمثيل المحدود للعسكر على أن تكون الرئاسة دورية.
استغرق التفاوض حول هذه النقطة قرابة الأسبوع قبل ان يختتم بالجلسة الأخيرة التي جمعت المتفاوضين حيث ما زال العسكر في موقفهم الأول لا يتزحزحون في ما تنازلت قوى الحرية والتغيير إلى مستوى قالت إنه الأخير وهو 6 مدنيين وخمسة عسكريين ورئاسة دورية للمجلس السيادي لينهار التفاوض بشكل غير مباشر.
هذه الفترة تلاها ملمحان أساسيان يتمثلان في زيارة نائب رئيس المجلس الفريق محمد حمدان حميدتي إلى المملكة العربية السعودية والزيارات المكوكية لرئيس المجلس الفريق البرهان لدول الجوار التي بدأت بمصر والسعودية وجنوب السودان واثيوبيا وهي الزيارات التي لا يفهم ما الذي جرى فيها بعيدا عن الحديث الرسمي المعلن، حيث أبدى المجلس زهدا كبيرا في العودة للتفاوض رغم مقترحات الوسطاء التي طرحت مناصفة المجلس السيادي والرئاسة الدورية وهو المقترح الذي ظل يتداول في الإعلام وغرف اللجنة الفنية التي كانت تضم الفريق شمس الدين كباشي ممثل الغالبية المتشددة داخل المجلس والقيادي الشاب أحمد الربيع من تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير ليتفاجأ الجميع في خضم تداول هذا المقترح الذي كان يمكن أن يحسم القضية ويكمل عملية الانتقال السياسي بسلاسة، بقيام المجلس العسكري بفض الاعتصام الذي كان يمثل ورقة الضغط التفاوضية لدى قوى الثورة ويعلن بعدها بشكل دراماتيكي إلغاء الاتفاقيات السابقة جميعها وإعلان قوى الحرية والتغيير شريكا غير مرغوب في العملية السياسية.
انهالت الضغوط الدولية في ليلة العيد على المجلس العسكري وحلفائه في الخليج بضرورة العودة للتفاوض، والاتفاقيات السابقة وإجراء تحقيق جاد عن الجهة المسؤولة عن فض الاعتصام، ليعلن صبيحة العيد الفريق عبد الفتاح البرهان قبوله العودة للتفاوض بدون قيد أو شرط مع الجميع، ولكن كان الموقف تغير لدى قوى الحرية والتغيير والتي باتت تحت ضغط الشارع تطالب بإسقاط المجلس وإعلان العصيان المدني وسيلة لذلك رافضة العودة للتفاوض تحت أي ظرف من الظروف.
دخلت اثيوبيا على الخط بمبادرة من الرئيس ابي أحمد الذي زار الخرطوم قبل يومين عارضا وساطته على الجميع التي تقوم على العودة للاتفاقيات السابقة وتوسعة مجلس السيادة ليضم 8 مدنيين و6 عسكريين ورئاسة دورية وفق ما تسرب للصحافة، ليغادر بعدها إلى أديس ابابا تاركا خلفه سفير بلاده السابق في القاهرة الذي يجيد العربية ويعرف أطراف النزاع بشكل واضح على أمل ان يعود بعد أسبوع لمواصلة مجهوداته.
الوساطة الاثيوبية من حيث المبدأ مرحب بها بين طرفي التفاوض ولكنها لا تملك أسباب بقائها واستمرارها، فما تقدمه من حلول رفضه المجلس العسكري في السابق رغم ضغط ميدان الاعتصام عليه وقتها فكيف له ان يقبل بالطرح الجديد وعينه مصوبة للعصيان المدني الذي ينطلق اليوم؟ فان هو نجح في افشاله سيفرض شروطه على قوى الحرية والتغيير فان هي قبلت كلها أو بعض منها سيكون لها نصيب ضعيف، وهو أمر مستبعد من جهة قوى الثورة التي تراهن على العصيان المدني لتغيير موازين القوى وتحويل الكفة لصالحها وفرض شروطها في انتقال السلطة للمدنيين. ويبقى العصيان المدني تبعا لذلك الفرصة الأخيرة لطرفي التفاوض لاستعراض قوتهم ومحاولة تغيير موازين القوى، فهل ينجح الثوار في تركيع المجلس العسكري كما يرددون في بياناتهم الأخيرة أم ينجح المجلس بإفشال خططهم وتركيز دعائم سلطته؟ هذا ما سيكشف عنه مقبل الأيام.