تونس – «القدس العربي»: الوصول الى القيروان في نهار تموز/يوليو يبدو تجربة صعبة لكل من لم يجرب قيظ الصيف. مع إرتفاع درجات الحرارة تزداد الأمور تعقيدا لزوار مدينة من أعظم مدن تونس وأوسعها شهرة وصيتا. تقع القيروان وسط تونس على بعد نحو 156 كيلومترا الى الجنوب من العاصمة ويطلق عليها الفقهاء اسم «رابعة الثلاث» أي رابع المدن المقدسة عند المسلمين بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف بالنظر الى دورها البارز في ترسيخ واشعاع الإسلام في أرجاء واسعة من الشمال الأفريقي ثم الاندلس وحتى مواقع وأقطار أخرى أبعد من ذلك. أسسها القائد العربي المعروف عقبة بن نافع سنة 50 للهجرة الموافق 670 م. ومما تذكره كتب التاريخ انه مع بدء بنائها جمع أصحابه ودار بهم حولها وأقبل يدعو لها وكان يقول «اللهم إملأها علما وفقها». وصفها اليعقوبي في كتاب» البلدان» بانها المدينة العظمى، أما الادريسي فقد نعتها في كتابه «نزهة المشتاق» بأم أمصار وقاعدة أقطار، وقال عنها انها «كانت أعظم مدن المغرب قطرا وأكثرها بشرا وأيسرها أموالا وأوسعها أحوالا وأتقنها بناء وأنفسها همما وأرحبها تجارة وأكثرها جباية وأنفقها سلعة وأنماها ربحا…». ويقول عنها ياقوت الحموي في «معجم البلدان» انها مدينة عظيمة كانت دهرا، ليس في المغرب مدينة أجل منها قد بلغ ما فيها من الحمامات 48 حماما واحصي ما يذبح فيها من البقر في أيام عاشوراء فبلغ 950 رأسا. ويقول عنها المقدسي أنها كانت حسنة الأخباز جيدة اللحوم جمعت أضداد الفواكه مع رخص عجيب. ويذكر أبن حوقل أيضا انه كان فيها ديوان جميع المغرب واليها تجبى أموالها. أما عن معنى وأصل كلمة قيروان فيعود الى اللفظ الفارسي «كيروان» ويعني المعسكر أو المكان الذي يدخر فيه السلاح.
مرت على»رابعة الثلاث» عصور وعهود عديدة منذ الفتح الإسلامي لعل أهمها هو عهد الدولة الأغلبية الذي أمتد من سنة 184 الى 296 هجرية حيث أتفق ابراهيم بن الأغلب مع هارون الرشيد على ان تكون الإمارة من ذريته فتولى الحكم وتأسست دولة مستقلة عن الخلافة الإسلامية في بغداد قبل ان تمرعليها عهود الدولة العبيدية الفاطمية ودولة بني زيري الصنهاجية والدولة الموحدية فالحفصية والتركية ثم الحسينية التي تلتها دولة الإستقلال الحديثة.
بمجرد ان حللنا في القيروان عصر ذلك اليوم القائظ قصدنا الجامع الكبير أو جامع عقبة بن نافع، أحد أهم وأكبر معالمها. ويعد أحد أضخم المساجد في الغرب الإسلامي وتبلغ مساحته ما يقارب 9700متر مربع، أما مئذنته فتتكون من ثلاث طبقات ويصل ارتفاعها الى 31.5 متر. في بيت الصلاة مئات من الأعمدة الرخامية وصحن فسيح وما يزال منبره الذي يعود الى القرن الثالث للهجرة محتفظا حتى الآن بشكله الأول وفي مكانه الأصلي. داخل الجامع وغير بعيد عن ذلك المنبر توجد قاعة صغيرة مسورة بجدران من الخشب يطلق عليها القيروانيون اسم «بيت العدة» ويقولون ان الصنهاجيين هم من بناها لحماية أمرائهم أثناء الصلاة من غدر الأعداء. في»بيت العدة» كان اللقاء مع مجموعة من وجهاء القيروان توسطهم الشيخ الطيب الغزي الإمام الأول للجامع. بدأنا الحديث موجهين السؤال للشيخ عن الدور التعليمي والتربوي للجامع خصوصا مع عودة الحديث في تونس عن إحياء التعليم الزيتوني من جديد فأوضح لنا انه منذ تشرين الاول/اكتوبر 2012 تم إنشاء فرع زيتوني في القيروان تحت اشرافه داخل الجامع لتعليم الفقه والعلوم الإسلامية ضمن أفواج من الكهول من الجنسين وضمن مستويين اثنين. وما يعيبه الشيخ على هذه التجربة انها حاولت ان تستعيد الطريقة التقليدية التي كان يتم بها تدريس العلوم الشرعية قبل قرار السلطات في عهد الرئيس الراحل بورقيبة مطلع الستينيات بوضع حد للتعليم الزيتوني وذلك دون الإنفتاح على طرق التواصل الحديثة ومناهج التربية العصرية. ومن وجهة نظره فعملية استعادة التعليم الزيتوني بدت مستعجلة وغير مدروسة وتفتقد الى الكفاءات العلمية والفقهية المطلوبة لإنجاحها مع غياب للتنسيق بين الفروع المنتشرة في معظم المدن التونسية.
كلام الشيخ دفعني لأن أسأله عن رأيه في الإتفاق الذي وقعته الحكومة مع السلطات المغربية لتأهيل مئة أمام وخطيب في المغرب؟ فرد بأن هذا الأمر مؤلم ومؤسف ولكن أهل القيروان لم يسكتوا ابدا حول ما أسماه بالمعضلة وهي نقص الائمة والخطباء الأكفاء المتفقهين في شؤون الدين. استرجع الشيخ هنا قرار بورقيبة بإلغاء التعليم الزيتوني في الستينيات وأعتبره سببا مباشرا في تجفيف منابع التفقه وتعلم اصول الإسلام وأعتبر انه حصل نوع من التدارك على يد العالم الفاضل بن عاشور من خلال بعث معهد وعظ وإرشاد في القيروان لتكوين الائمة لكن بورقيبة سرعان ما أمر باغلاقه فأصبح إعتلاء المنابر وإمامة الناس تتم بطرق عشوائية دون تكوين أو معايير واضحة ومضبوطة. وأستمر الأمر في عهد بن علي على منهج التجهيل والتفقير في الثقافة الدينية على حد وصف الإمام الأول. بعد الثورة اجتمعت جمعيات عديدة لتدارس الوضع ونظمت بعض الدورات لتكوين الائمة ثم أثمرت جهودها عن قرار أعلنه رئيس الحكومة ببعث معهد أعلى لتكوين الائمة والوعاظ في مدينة القيروان وسوف يفتح المعهد أبوابه للطلاب مطلع الخريف المقبل بطاقة استيعاب تقارب السبعين طالبا للدفعة الاولى. المعهد كما يرى الشيخ سوف يعيد بعضا من الإشعاع العلمي والديني الذي افتقدته المدينة. الى جليسي الثاني محمد الهادي بالاحمر وهو مهندس متخصص في التراث توجهت لأساله ان كان اختيار القيروان سنة2009 عاصمة للثقافة الإسلامية قد ترك أثرا على المعالم والمواقع الإسلامية العديدة التي تزخر بها بعد مضي سنوات على الحدث. في بداية رده على السؤال أخبرني انه كان يعمل بوزارة الثقافة العمانية سنة2005 لما تم إعلان مسقط عاصمة للثقافة الإسلامية. وهو بحكم ذلك يستطيع ان يلحظ الفرق ويقارن. ففيما أشتغل العمانيون كما يقول بشكل حرفي جيد أقتصر الأمر في القيروان على مجرد عمليات تجميل لبعض المناطق البلدية لاستقبال الرئيس المخلوع لدى حلوله للاشراف على الفعاليات الثقافية بما فيها رش العطور على بعض الشوارع التي مر بها الموكب الرئاسي وبناء نصب تذكاري تخليدا للمناسبة وزرع بعض النخيل الذي إندثر وأحرق جله في السنوات الأخيرة.
وفي كلمة مختصرة لم تستفد لا القيروان ولا معالمها وآثارها شيئا يذكر من اختيارها عاصمة للثقافة الاسلامية. بل ان تلك المعالم هي عرضة للإهمال وسوء التنظيم وتعاني أيضا تعتيما غير مفهوم الأسباب. ومما يذكره محمد الهادي في هذا السياق انه لم يكشف الى اليوم بصفة صريحة وواضحة أمام الجمهور عن سر البرك الأغلبية التي بناها ابراهيم أبن الأغلب لتجميع المياه داخل الأحواض والتي تحولت الآن الى متنزه للعائلات. ويشكو الجامع الكبير ومعالم شهيرة مثل مقام الصحابي أبو زمعة البلوي من غياب إدارة موحدة تسهر على تأمين الشؤون اليومية والقيام بالتعهدات اللازمة والصيانة، اذ تتم الأمور الآن بالتنسيق بين الإمام الأول وعدة أطراف كالبلدية وإدارات التجهيز والتراث والسياحة دون ان يوجد هيكل رسمي يضم جميع المتدخلين والمعنيين بالشؤون الادارية والتنظيمية وغيرها. لأهل القيروان طقوس خاصة تميزهم عن الكثير من سكان المدن التونسية الأخرى في شهر رمضان يقول عنها الشيخ عبد الوهاب الكافي وهو استاذ متقاعد ان أهلها يحرصون على تحري هلال رمضان مثل باقي المدن في تونس وإعداد إمساكية لتحديد أوقات الصلاة خلال الشهر الكريم فيما تحافظ المدينة على تقليد قديم هو مدفع رمضان الذي ينبه الناس الى حلول أوقات الإفطار والإمساك. ورغم القرار الرسمي للسلطات التونسية بمنع المدفع هذا العام لدواع أمنية فقد تم استثناء القيروان من القرار بعد عريضة قدمها الأهالي لمحافظ المدينة. ويضيف الشيخ محمد عاشور مسؤول الشؤون الدينية السابق بان الإعلان عن دخول شهر رمضان كان يتم من خلال قرار تصدره المحكمة الشرعية حيث يتجمع بعض الأفراد فور الإعلان للخروج للساحات والشوارع لضرب «الطبلة» احتفاء واعلاما للناس بالمناسبة. في ليلة النصف من رمضان يتذكر القيروانيون موتاهم بالصدقات ويوزع على الفقراء والمحتاجين عشاء يسمى «عشاء الموتى» أما في ليلة السابع والعشرين من رمضان فيختم القرآن في جميع المساجد وتقام احتفالات دينية توزع على إثرها الجوائز والهدايا على حفظة القرآن. ومن الصعب ان يمر الزائر على القيروان دون ان يتذوق حلوياتها الشهيرة والمعروفة بـ»المقروض» القيرواني والتي تصنع في البيوت والمحال من زيت الزيتون والسمن والتمر وتلقى إقبالا واسعا طوال أيام العام.
قبل ان تميل الشمس الى الغروب انفضت جلسة «بيت العدة» وخرج جلسائي وهم يشددون على أمل واحد يجمع القيروانيين وهو ان تستعيد مدينتهم مجدها المسلوب في أسرع الأوقات. وقد تكون البدايات نحو ذلك بانشاء جامعة اسلامية ظلت حتى الآن حلما عزيزا يراود أجيالا متعاقبة منهم أو قد تكون بالاشعاع المنتظر لمعهد الائمة الجديد. المهم ان الإنجازات العظيمة بدأت يوما بأحلام كبيرة وهذا ما يدركه أهل مدينة كبرت طموحاتها بعد إنقضاء سنوات الاستبداد والتهميش.
نزار بولحية