غزة – «القدس العربي»: بعد واحد وخمسين يوما ذاق فيها السكان الغزيون شتى أنواع العذاب، وعايشوا فيه الموت بكل تفاصيله في كل لحظة، حلت أخيرا تهدئة جديدة، أنهت الحرب الثالثة التي تشنها إسرائيل ضد القطاع المحاصر خلال ست سنوات، لتعيد الحياة التي توقفت طوال الأيام العصيبة من جديد، لكنها رغم ذلك فتحت جراحا سيصعب لملمتها في القريب العاجل، تتمثل في أسر منكوبة، وأخرى ثكلى، وسط شكوك لدى السكان من سرعة تحرك المانحين للإغاثة.
فالغزيون الذين تمكنت مقاومتهم من مقارعة آلة قتل الاحتلال، فأوقفت زحف القوات البرية، بتكبيدها خسائر مادية وبشرية فاقت التوقعات، وجعلت أكثر من نصف سكان إسرائيل يبيتون في الملاجئ خشية من الصواريخ التي صنعتها وظلت تصنعها المقاومة حتى خلال الحرب بشكل يدوي، يقفون الآن على أطلال كبيرة خلفتها حرب الاحتلال عليهم، بعد الفشل في مواجهة المقاومة، حين استخدم نظرية «الأرض المحروقة».
آلاف المنازل دمرت، وأحياء سكنية كاملة باتت أثرا بعد عين، وآلاف الأسر شردت ترقب الآن بحسرة منازل، كانت حتى وقت قريب ملجأ ومكانا دافئا، إضافة إلى عوائل أخرى باتت بلا معيل، بفقدانها رب الأسرة، أو غالبية أفرادها، وفي بعض الأحيان جميعهم، بصواريخ صماء تحركها وحوش بأشكال بشرية، علاوة على أكثر من عشرة آلاف جريح، النسبة الأكبر منهم لا تزال تعاني وستظل، من أثر الإصابة التي أفقدتهم أطرافا أو أعضاء من الجسم.
هذه المعضلات الثلاث التي تعمدت إسرائيل إيقاعها بشكل متعمد، ستكون أكبر التحديات التي تنتظر المجتمع الغربي الذي يتغنى بحقوق الإنسان، والعربي «الشقيق» الذي صمت طوال أيام الحرب كصمت أهل القبور.
لا يفارق المنكوبين في قطاع غزة، خاصة أصحاب البيوت المدمرة، فترة الاجتياح البري في بلدة خزاعة، وشرقي رفح، وفي حي الشجاعية وبلدتي بيت حانون وبيت لاهيا، وأؤلئك الذي قصفت بيوتهم بالطائرات، شبح تصورهم لوضعهم بعد ثلاثة شهور، حين يحل فصل الشتاء، وما يحمله من معاناة، تجعل مكوثهم في مراكز الإيواء، ضربا من الانتحار، خاصة وأنها لم تكن صالحة للإقامة في فصل الصيف.
وقد وجهت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» مناشدة طارئة لتأمين مبلغ 295.4 مليون دولار أمريكي، لدعم نحو نصف مليون شخص من المهجرين في قطاع غزة بسبب الحرب.
ورغم انقشاع الحرب، ما زال هناك آلاف السكان يقيمون في «مراكز الإيواء» التي أقامتها المنظمة الدولية في المدارس، وهي مراكز تفتقر للعديد من مقومات الحياة، وغير مجهزة في الأصل لهذا الغرض.
وحسب التقديرات فإن هناك أكثر من 20 ألف منزل أصبحت غير صالحة للسكن، فيما تعرضت البنية التحتية الحيوية للمياه والصرف الصحي للضرر، إذ يقدر أن ما لا يقل عن 40٪ من شبكة إمدادات المياه أصبحت غير صالحة للإستعمال.
في قطاع غزة هناك بسطاء يرقبون مرحلة إعادة الإعمار التي ستعقب مؤتمر المانحين المنوي عقده في القاهرة نهاية الشهر الجاري، والكثير منهم ما زال يتذكر الزمن الذي قضــاه منـــتظرا الحصول على مسكنه، الذي هدمته اسرائيل قبل رحيلها عن غزة عام 2005، مرمما وحتى طال الإنتظار أحيانا الى نحو التسع سنوات
وهؤلاء يخشون أيضا أن تكون وعود الإعمار «حبرا على ورق»على غرار ما جرى في مؤتمر المانحين الذي عقد مطلع العام 2009، للتبرع لحرب «الرصاص المصبوب» حيث لم تصل تلك الأموال المرصودة للإعمار، بسبب خلافات غير مقنعة.
وما يعزز ذلك هو إعلان بيير كراينبول المفوض العام لـ»الأونروا» أن العديد من الفلسطينيين لن يجدوا مسكناً يرجعون إليه، وأنهم سيضطرون لقضاء شتاء قاس في مراكز الإيواء الطارئ.
وإن لم تحل أزمة هؤلاء فإن أوضاعهم ستزيد سوءا، فأغلبهم ترك منزله، من غير ان يحمل شيئا، سوى ما يرتدي على جسده من ملابس، خشية من الموت بالصواريخ التي انهالت عليهم كالمطر، كما حدث في حي الشجاعية وبلدة خزاعة.
وفي الحرب سقط أكثر من 2100 شهيد، بينهم أسر أبيد أفرادها بالكامل، وأخرى فقدت معيلها، أو أصيب المعيل بعاهة مستديمة.
وهناك أيضا العوائل الثكلى، لا تعرف كيف سيتم تعويضها، خاصة وأن مؤتمر المانحين، مخصص لمنكوبي الحرب ممن هدمت منازلهم، وستبقى هذه العوائل التي تتلقى الآن مساعدات إنسانية في حيرة من أمرها، وسيأتي عليها اليوم الذي تعجر فيه عن توفير قوت أطفالها، إن لم يوضع حل سريع لإغاثتها. ويترقب الغزيون الأيام المقبلة التي ستقدم إجابة على تساؤلاتهم وتخوفاتهم.
أشرف الهور