غزة – “القدس العربي”:
لم يشعر أي من سكان قطاع بأي تغيير طرأ على نهج حياتهم اليومي في أيام عيد الأضحى، كباقي الشعوب العربية والإسلامية، ففي غزة كان الشقاء حاضرا بدلا من الاستمتاع في أيام الإجازة، واختلطت بعض تكبيرات العيد التي خرجت من بين الركم بأصوات الطائرات الحربية والاستطلاعية المزعجة، وبأصوات القصف والغارات.
فلم يخرج من المنازل الآمنة (شكل الحياة قبل الحرب)، الرجال وهم يقودون نساءهم وأطفالها إلى مناطق صلاة العيد الجماعية، يرتدون أجمل الملابس. وبذات الملابس البالية والقديمة، بسبب ظروف الحرب، أقام بعض السكان في مناطق السكن والنزوح على أنقاض المنازل المدمرة وفي ساحات مراكز الإيواء صلاة العيد، لينطلق كل منهم إلى مشغله، باحثا عن لقمة طعام أو شربة ماء يضعها في بطون أسرته.
أجواء حزينة
وقال أحمد عويضة من وسط قطاع غزة لـ “القدس العربي”: “صليت العيد برفقة عدد من الأصدقاء، حديثها في الذهاب والعودة إلى ساحة الصلاة كان عن هم الدنيا وتوفير الأكل”، ويضيف هذا الرجل الأربعيني “لا أحد شعر بالعيد، والموت كان في كل مكان”، وكان يشير إلى وجود ضحايا سقطوا في كل منزل وفي كل منطقة نزوح، فهو شخصيا فقد عددا من أقاربه في هذه الحرب.
وجوه السكان كانت عابسة، ولم ترتسم أي ملامح ابتسامة عليها، فهم الجميع هو كيفية توفير الطعام ولو بأقل الكميات للأسرة
ويقول واصفا المشهد إن وجوه السكان كانت عابسة، ولم ترتسم أي ملامح ابتسامة عليها، فهم الجميع هو كيفية توفير الطعام ولو بأقل الكميات للأسرة، متحدثا عن حياة الشقاء المريرة التي يعيشها السكان، وتتضاعف يوما بعد يوم.
وفي مخيم النصيرات وسط القطاع، وهو واحد من أكثر أماكن قطاع غزة شهرة بأسواقه ومحاله التجارية قبل الحرب، توقفت الحياة وكأنها عادت بآلة الزمن إلى الوراء، فالأسواق خلت في هذا اليوم من الحلوى التي كانت تقدم كهدايا، فهي إن وجدت تباع بأثمان تفوق قدرة الغالبية العظمى للسكان.
ولم يكن حاضرا من المشهد القديم إلا تلك العوائل التي تجمعت بأعداد أكثر على المقابر، وهي عادة قديمة يحرص عليها الأهالي، ببدء عيدهم بزيارة من فقدوا قريبا، وهو أمر يعود لكثرة أعداد الضحايا.
وبجوار قبر والده الذي قضى في غارة إسرائيلية وقف الطفل أنس محمد (12 عاما)، برفقة شقيقيه الصغيرين مستذكرا تلك الأيام التي كان يخرج فيها برفقة والده وأعمامه لزيارة الأقارب، كما استذكر وهو يذرف الدموع أحداثا جميلة عاشها مع والده، وفي نهاية الزيارة قادتهم جدته التي لم تستطع الحديث فقد أجهشت هناك كباقي الأمهات الثكلى بالبكاء، فهي تقف على قبر ولدها البكر، الذي غادر الحياة، وقد تكرر مشهد الأطفال والنساء الثكلى والأرامل عشرات المرات في ذلك المكان.
عيد بلا أضاحٍ
وكان أبرز الغائبين عن مظاهر العيد المعتادة “الأضاحي”، ففي هذا العيد الذي ينحر فيه المسلمون أضاحيهم تقربا إلى الله لم ترق دماء الخراف والعجول أمام المنازل وفي الساحات والأماكن المخصصة لها، بل أريقت دماء الضحايا، الذين سقطوا بأعداد كبيرة في أيام العيد.
واختفت مظاهر تلك الأضاحي التي كان السكان يحرصون على جلبها قبل يوم أو يومين لمنطقة سكنهم، وفي اليوم الأول سارت الأمور كباقي الأيام السابقة، ولوحظ مواطنون من كافة الأعمار وهم يحملون جالونات مياه الشرب، وآخرون وهم يوثقون رباط خيام نزوحهم، التي تأثرت بفعل استمرار القصف لمناطق قريبة.
لم تعد هناك ثروة حيوانية في قطاع غزة، فالحرب والحصار قضت عليها، وفي غزة بات ثمن كيلو الجرام الواحد من لحوم الخراف التي تبقى عدد قليل منها يربى داخل المنازل القروية بأكثر من 100 دولار، ويقول سكان إن ثمن الخروف الواحد الذي كان يباع بنحو 500 دولار قبل الحرب، يصل حاليا إلى نحو ستة آلاف دولار، ما يعني أن ثمنه فاق بضعفين ثمن العجول المسمنة، وهو أمر لا يقدر عليه السكان، الذين حرمتهم ظروف الحرب من تناول اللحوم.
ويقول أيمن محسن لـ “القدس العربي”: “كنا فترة العيد نأكل اللحم طوال خمسة أيام، كل يوم نوع جديد من الأكل”، ويستذكر هذا الرجل الذي كان ينحر في اليوم الأول أضحيته وجبة اللحم الأولى، حيث كانت تحرص زوجته على صنع “الفتة الغزاوية”، وبحسرة مضى يقول “يوم العيد عملنا فتة عدس، وفي اليوم الثاني أكلنا معكرونة”.
وبدلا من إراقة دماء الأضاحي، أريقت دماء الضحايا الفلسطينيين جراء غارات وهجمات إسرائيلية عنيفة، في وقت واصلت فيه قوات الاحتلال تعميق التوغل البري في العديد من المناطق.
ودوت أصوات الانفجارات الكبيرة الناجمة عن عمليات القصف ونسف المباني في كافة مناطق قطاع غزة، فيما لم تفارق أصوات الطائرات الحربية بكافة أشكالها سماء غزة.
وكان أعنف المجازر تلك التي قضى فيها أكثر من 35 من عائلة خضر، هم أشقاء وأقارب لهم وزوجاتهم وأبنائهم، حين قصف الاحتلال منزلهم في جباليا شمال غزة، فيما قضى آخرون في اليوم الأول والثاني في مجازر خطيرة طالت مدينة خان يونس وغزة ووسط القطاع، في وقت كشف فيه النقاب عن قيام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير بالمصادقة على خطط عملياتية لمواصلة الحرب على غزة.
وسجل في أول وثاني أيام العيد، اضطرار عوائل كثير من مدينة خان يونس للنزوح القسري، بعد اقتراب قوات جيش الاحتلال التي تنفذ توغلا بريا بالتقدم صوب مناطق سكنهم.