في ليلة كهذه الليلة الساحرة لمَ لا أشرب النّارجيلة وأجلس مع خلق الله في المقهى وأتمتّع بأنني شعبي من شعب الله الكريم… هكذا قلت لنفسي وأنا أعرّج إلى مقهى عتيق في المدينة العتيقة.. جلست وأمامي تلفزيون يبث شيئا لا هو بالكرة ولا بالسياسة، بدا لي وكأنّه في الموسيقى.. جلست وغمرتني خفة نادرة.. قضيت أكثر من ساعة وأنا بين الأنهج المزدانة بكل ألوان البخور والعطور.. كانت الإضاءة توحي بنوع من الإشراق الغريب.. البضاعة المعروضة بضاعة عتيقة وحتى الوجوه كانت تلبس أقنعة التجار القادمين من وراء البحار: ابتسامة وتلطّف وتسامح.. بحثت عن لباس معتّق يناسبها قلت أهديها ثوبا لبسته من قرن أو قرنين نساء ما تركن وراءهنّ إلاّ صورا وبعض العطور.. قلت آخذ نفسا وأعود فالمدينة تسهر في هذه الأيام إلى الفجر.. اشتريت لها قلادة من فضّة.. هي لا تحبّ الذهب تقنع ككل فقير بما دون الذهب. تقول لي إنّها لا تحبّ الذهب فأضحك وأفهم أنّها ترأف بي، الذهب الخالص والقلب الخالص لا يلتقيان.. قالت أمّها لها ذات مرّة: المكتوب لا يحمل لك الاثنين معا.. رحم الله أمّها ورحم الله مكتوبي.
وضع أمامي النّارجيلة نادل ستيني يلبس لباس أهل المدينة العتيقة ويتعطّر بعطرهم، النارجيلة.. أنا لا أحبّها غير أنّي اشتقت أن أدخّن مثلما يدخّن الجالسون حولي وأنتشي مثلما ينتشون.. عليّ أن أتقن الدور.. تفرّست مليّا في وجوه الغرباء، جلست جلستهم وضعت ساقا على ساق، ثمّ بدا لباسي الإفرنجي غير مناسب فحاولت أن أتجاهله.. تناولت «جذّاب» النارجيلة – هكذا يسمونه عندنا- بما يليق ووضعته في فمي كأنني عازف مفتون بغناء الروح أنفخ نايا فارسيّا.. جذبت نفسا وسيطرتُ على سعال كاد يفضحني شربت من الكأس شايا خفيفا ضاعت فيه نكهة الشاي بين رحيق الأعشاب الطبيعية المحلية.. يا له من مذاق رائع.. مزجته بدخان النارجيلة.. مزجت الماء بالهواء في جسد غريب يذكيه وينسيه غربته.. المهمّ أنني شعرت بأنني جزء من المكان، منسجم كأفضل ما يكون الانسجام.. كان الزبائن لطفاء يدخلون فيلقون السلام، وبما أنني كنت قريبا من مدخل المقهى، كانت عيون الداخلين تلقاني بالتحية أوّلا فأشعر وكأنني خلقت في ذلك المكان.. لمّا شعرت بالطمأنينة والأنس ونسيت أنني غريب، سمعت صوت عزف ينبعث من عود رفعت بصري إلى التلفزيون.. كان العازف يلبس لباسا يشبه لباس الصوفيّة، لكنّه ليس هو.. يعزف حتى لكأنّه بيننا.. غنّى بصوت رقراق يتسع كلما انساب: (مَرِضِي مِنْ مَرِيضَةِ الأجْفَانِ* عَلِّلانِي بذِكْرِهَا عَلِّلاني) أعاد المقطع فأطال بتنغيم مختلف المدّ في مواضعه، ولاسيّما في (الأجفان).. رأيت الجفنين المريضين قد طالا فازدادا حسنا.. لم يكد يعيد المقطع حتى تذكّرت ابن عربي.. وترميزاته وتلويحاته وذكرت مريضة الأجفان ما أسرع ما عملت الذاكرة..
حين فشلت في الوصول إلى تلك الوجوه التي ظلت تدعو بعضي إلى بعضي.. عادت عيناي إلى الوجوه في المقهى رأيتها جميعا مريضة مرضها البادي بادٍ في كل مكان إلاّ في الأجفان.
عدت إلى صوته وقد التبست الصور بصوته ووجدتني في رياض حمامها سود هي الورق في قوله: (هَفَتِ الوُرْقُ بالرّياض ونَاحَتْ * شَجْوُ هَذا الحَمَامِ مِمَّا شَجَانِي). يصمت المغني ولا يسكت العود.. فيعود الكلام (طلعت في الخيام شمسا فلمّا * أفلت أشرقت بأفْقِ جَناني) أضيع في كلامه وأجدني مع الغزال الرّبيب الذي ( يْرْتعِي بين أضلعي في أمان)… يشغلني الغزال عن أن أتعجب من الفعل (يرتع) كيف أشبع كما تشبع أضلعي وفيها حراك الغزال، وكيف تمدّ وليس في أصلها مدّ مثلما تمتدّ مناطق رعي الغزال فيها.. يعود الصوت: (الهَوى رَاشِقي بغيْر سَهَامِ * الهوى قاتلي بغير سِنان) أراني أعدو أريد ولا أدري أأسابق طبقته النغمية التي علت بي إلى الأعالي، أم أفرّ من غزال أردت صيده فيصيدني؟ غير أنني وجدتني أجري في اتجاه عمودي، أصعد عبر معاريج صوته فتغريني فأمعن في الصعود حتى بلا معاريج.. أعلو خفيفا.. ويعلو صوته: (هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم أنّ ضدّين قطُّ يجتمعان). كلّما علوت أريد أن أصل إليها يصيب وجه عليلة الأجفان شيء من نور يجهرني فلا أراها.. يغيب وجهها تماما، ولكنني في لحظة ما لا أرى وجها واحدا أراه وجوها ما ألطفها تناديني.. أفقد عيني لا أرى ولكنني أبصر.. أستعيد صوته: (ما عليه من نارها فهو نور * هكذا النور مخْمِدُ النيران). وظلّ يعاد ويدعوني إلى التدبّر.. وكسر تردّدي وخوفي من الاحتراق من نارها القديم.. لم يعد للعشق من نار كنار العشاق، النار ههنا نور يريد أن يفيض.. أجذب نفسا من النارجيلة فأحترق.. تحترق نيران النارجيلة إذ تغرق وهي دخان في بحيرة الماء الضيقة ويعود النفس نفسا وقد تطهر في الماء بدون أن يحترق.
حين فشلت في الوصول إلى تلك الوجوه التي ظلت تدعو بعضي إلى بعضي.. عادت عيناي إلى الوجوه في المقهى رأيتها جميعا مريضة مرضها البادي بادٍ في كل مكان إلاّ في الأجفان.. أعيد النظر فيها فأفرّ منها.. أتذكر مريضة الأجفان التي أودعت في كلّ مكان صورتها منذ ما يزيد على الضعفين من عمري.. أراها تلوّح بيديها حين أشعر بأنّها أفلت وحين أجري وراءها تغيب فلا أراها من جديد.. أراها مرّة شمسا تشرق في كوكبة من الليل خيّم في ناحية من المدينة غير بعيد من المقهى.. أحاول أن أذهب فأعود، وحين أعود أريد أن أذهب.. أضع جذاب النارجيلة على الطاولة وأريد الذهاب لكني أعود وأجلس وأجذب نفسا عميقا أطلب منه أن يحملني إليها بعيدا.. أراها من جديد وقد صارت غزالا كأجمل الغزلان، وأراني أعيد الكرة في قنصها.. كان جفنها يقنصني وحين أحب قنصها لي تتركني وترحل بعيدا وبجفنها المريض تدعوني.. أطير حيث الورق في الرياض فتغيب لغتي لا أستطيع أن أشكو.. تقول الورق نحن ههنا مثلان.. ينظر الغزال إليّ ويدخل إلى أضلعي ويرحل بي، هو هارب بي أم راحل عنّي.. كنا نجري ويزداد النور إمعانا في إشعال نيراني.. أجذب أكثر فيشتعل فحم النارجيلة.. وكلما أشعلت نارها انطفأ النور أكثر.. حتى غاب كلّ شيء.
أدخلت يدي إلى جيبي أخرجت حافظة أوراقي أريد أن أخرج ورقة نقدية، لأدفع وأنصرف. وجدت في طياتها صورة قديمة من الأبيض والأسود، كان الشعر أسود والأجفان سودا والشفاه سودا وجهها الوحيد الذي يلوح منه النور.. سلمت النادل الورقة وانصرفت.. كان يناديني.. أيها الغريب.. خذ الباقي.. فلا ألتفت إليه.. إلى أن غبت ولست أدري أين غبت قبل أن أجدني في هذا المكان الذي يشبه غرفة مضاءة مغلقة.. أتحرك على خفر أخشى أن أزعجها.. كانت غرفة تتسع لكل شيء كما يتسع لك قلب ويضيق عن غيرك.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية