«سيدات القمر» لجوخة الحارثي: المان بوكر وسياقات الاستحقاق

لا نهدف من خلال هذه المقالة إلى الكتابة عن رواية الروائية العمانية جوخة الحارثي من منظور نقدي تحليلي، أو حتى مقاربتها، إنما نرجئ ذلك إلى مقالة مقبلة… يتحدد الهدف من هذه المقالة بمحاولة قراءة الظاهرة التي صدمت البعض نتيجة هذا الإنجاز الذي أتى من لدن كاتبة عربية عمانية، كانت دوما تقع في منطقة الظل مقابل أسماء أخرى شغلت الساحة الأدبية بمنجزاتها السردية.
لقد شكل فوز «جوخة الحارثي» نوعا من الخضة للوعي العربي الذي طالما مارس وصاية تثمين الأعمال التي تأتي من خارج المناطق التي يمكن أن نعدها تمثيلا لمركزية عربية، ونعني مصر، وبلاد الشام والعراق، وبدرجة أقل المغرب العربي، في حين أنه غالبا ما ينظر إلى آداب باقي المناطق على أنها آداب مناطق هامشية على المستوى الإبداعي، كونها تفتقر إلى تراكم تاريخي، فإذا ما ظهر عمل ما، فسوف يسارع إلى النظر له بوصفه طفرة، أو نشازاً، ولكن المتأمل في المشهد الإبداعي، ولا سيما على مستوى الرواية فإنه سيلحظ أن ثمة تراكمية واضحة في المنجز السردي، بدأت تتشكل ملامحها، ولاسيما في منطقة الخليج العربي، وهنا ثمة تشديد على أن الكتابة السردية في الخليج بدأت تتخذ موقعها بوصفها رافدا مهماً من روافد الكتابة العربية، فنحن أمام منجزات لكتاب خليجيين حازوا جوائز رفيعة، أو أن أعمالهم بدأت تكتسب أهمية في المنجز السردي المعاصر، وهنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر سعود السنعوسي، وعبدة خال، ورجاء عالـــــم، ومحـــمد علوان، مع تأكيدنا على أن ثمة أسماء أخرى ذات تاريــــخ إبداعي، ولكن بمعزل عن ظاهرة الجوائز التي نشــطت في السّنوات الأخيرة.
يمكن النظر إلى أن استحقاق جوخة الحارثي لجائزة مان البوكر التي تمنح لأعمال مترجمة إلى اللغة الإنكليزية بوصفها إنجازاً عربياً في المقام الأول، كما أنه يعدّ أيضاً منجزاً خليجياً عمانياً، فهذه الرواية العربية التي نشرت عام 2010 كاد أن يطويها النسيان، في ظل عدم القدرة على تطوير آلية التلقي في الوعي العربي، الذي يحتاج إلى زمن لتطوير رؤاه ومعاييره، فضلاً عن أنه يحتاج إلى تغيير فلسفة فهم التحولات التي يشهدها العالم، بما في ذلك العالم العربي الذي لم يعد محصوراً في نموذج تاريخي متعلق بأن كل ما يأتي من دول المركز العربي يمثل المنجز الحقيقي والوحيد، في حين أننا بتنا حقيقة نشهد تراجعا في أدوار هذه المراكز، نتيجة إحساسها الزائف بأنها ما زالت تتفوق على الآخرين، فهذه الاستكانة، والنزعة نحو الاعتماد على التاريخ تسببا بأن جعلا من مبدعي تلك البلدان أسيري الأنساق التقليدية، والرؤى المستهلكة، علاوة على عدم القدرة على اجتراح مقولات سردية جديدة، ومع ذلك فإنه لا يمكن أن نعدّ هذ الرأي حكما مطلقاً، أو قطعياً، أو شمولياً، فمازالت ثمة أعمال تصدر متميزة، كما ثمة كتاب ينتجون الكثير من الروايات التي تستحق أن نتوقف عندها ملياً، غير أن هذا لا يعني أنه ليس ثمة أعمال أخرى ربما أكثر أهمية تصدر هنا وهناك؛ ولذلك ينبغي التخلص من الموروث التاريخي القائم على الاتكاء على استيهامات التفوق، والمسارعة إلى الإيمان بأن العالم بات أكثر تعقيدا، ودهشة، فالمستقبل ربما يتجاوز الذين يعتقدون بأنهم مركز الإبداع، أو النموذج المتفوق.
يمكن أن نحيل فوز جوخة الحارثي إلى عدة عوامل، منها ما يتصل بمستوى داخلي، وهو ما اقتربنا في الحديث عنه في الفقرات السابقة، حيث استطاعت الكاتبة أن تتجاوز الوعي النمطي في الكتابة، والنظر إلى عالمها من منظور ابتكاري، حيث آمنت ببيئتها، وعملت على تطوير نصها بمعزل عن أي ارتهانات لقيود ثقافية أو تقليدية أو موروثة، وهنا ثمة أفضيلة يمكن أن نضيفها إلى العمل الذي اتسم بجرأة في طرح الكثير من القضايا في مجتمعات محافظة أو تقليدية، وهذا ربما كان السبب الأكثر تأثيراً في استحقاق الكاتبة لهذه الجائرة، فالكاتبة عندما وضعت روايتها عام 2010 لم تكن تدرك أن روايتها ستكون أكثر تأثيراً للمتلقي الأجنبي، أو غير العربي.

الرواية في منجزها الحقيقي كتبت في سياق عربي خالص، بل إنها كتبت في المقام الأول لقارئ عربي، ولكن عقلية التلقي حينها لم تكن لتنظر إلى هذا المنجز بمنظور مختلف، إنما كانت مسكونة بمقولات كبرى، ولديها معاييرها الخاصة على مستوى التقنية السردية والرؤى.

فالثيمة التي حفلت بها الرواية بدت أكثر جاذبية للقارئ الغربي الذي ينظر إلى المجتمع الذي تناولته الرواية بوصفه عالماً محجوباً، وغير مكتشف سردياً، فجاءت الرواية كي تعيد صوغ هذا العالم، وتضعه في إطار سردي، حيث استطاعت الكاتبة أن تصوغه بذكاء ومهارة. فقضايا المجتمع العماني قد يبدو حتى لبعض القراء العرب شديد الغموض، وهو يحاكي وضع الدولة عينها التي تبدو بمنأى عن الكثير من تجاذبات العالم العربي، فما بالك بقارئ إنكليزي يفتقر لمعرفة أسرار هذا المجتمع، وغموضه، بما في ذلك قضايا التحول الاقتصادي، والانتقال من أطوار البداوة إلى المدنية، بما في ذلك إشكاليات مصاحبة كالعبودية، والحب، والجنس، والموروث والحداثة، والتقاليد، والصراع السياسي، وغيرها.
لا يمكن أن ننكر في أي حال من الأحوال بأن الرواية في منجزها الحقيقي كتبت في سياق عربي خالص، بل إنها كتبت في المقام الأول لقارئ عربي، ولكن عقلية التلقي حينها لم تكن لتنظر إلى هذا المنجز بمنظور مختلف، إنما كانت مسكونة بمقولات كبرى، ولديها معاييرها الخاصة على مستوى التقنية السردية والرؤى، والأهم اللغة التي ربما شكلت لدى البعض – في العالم العربي- أحد أهم المآخذ على النص، وهذا ينقلنا إلى أن ثمة متخيلاً، وأحكاماً مسبقة ننطلق منها في تلقي الرواية، وغالبا ما تتحدد بمستوى لغوي معين، وهذا ينسحب على لجان التحكيم العربية التي تعدّ نموذجها اللغوي ضمن متعالية ما، تنطلق منها في الحكم على النص، وغالبا لا تتقبل النهج أو النمط المغاير، أو الذي يكسر نمطية الاستيهام اللغوي القابع في عقولنا، والذي نطلقه عند مواجهة نص ما. لا يمكن أن ننكر أن نص جوخة بدا للبعض لا يتواءم مع الصّيغ البلاغية التي ينبغي للرواية أن تخضع لها، ولكن ربما يكون هذا التوصيف قابلاً للنظر له من خلال رأيين: الأول متسامح من منطلق أن وعينا اللغوي، وقيمة الجمالية ينبغي أن يراعيها الكاتب، مما يجعلنا نتفهم موقف من هاجم الرواية، وعدم الاحتفاء بها عربياً، ولكن ثمة موقفاً أو رأياً آخر، ويتحدد بأنه ينبغي أن نتخلص من تلك المتعاليات أو النماذج التي تعوق أي توجه جديد، وهذا يقودنا إلى مشكلة العقل العربي التقليدي الذي لا يتقبل الجديد، أو المغاير، أو النمط المختلف.
ولعل انتقال النص من بيئة عربية إلى بيئة أجنبية أو ترجمته إلى اللغة الإنكليزية أحدث تحولاً في بنية النص، وصيغته، فالترجمة خرجت بنص جديد مغاير في بنائه، ونسجيه اللغوي عن الأصل، فنحن إزاء نص آخر على مستوى الصيغة، وربما الرؤية، وقد سبق أن أشار إلى هذه الكاتب عبده وزان في مقالة له نشرت مباشرة بعد تتويج الــــرواية بالجـــائزة، ولكن هذا يبقـــى في حـــدود الجـــزئـــية، كما ثمة أيضا ما يمكن أن ننعــته، بالقيمة المضافة للنص في سياق التلقي الجديد، وهو الذي شكل بيضة القبان كي تتحول الرواية من نص عربي مهمل إلى نص عالمي محتفى به، ومع هذا فإن سياق الاحتفاء بهذا النص، وزمنه، لا يعني بأي حال من الأحوال الانتقاص من السرد العربي المنجز بأسمائه الكبرى، التي لم تتح لها فرصة المنافسة على جائزة عالمية عبر الترجمة، كما أن ثمة الكثير من الأعمال العربية التي ربما لو أتيحت لها هذه الفرصة لحققت ما يمكن أن تحققه رواية «سيدات القمر»، ما يعني أن ثمة سياقات تتصل بالزمن والتوقيت، وما يمكن أن يلاقي هوى في نفس لجنة التحكيم الغربية، ومع كل ما سبق، فإن هذا التشنج من قبل البعض إزاء هذا الإنجاز ينبغي أن يتحول إلى مقاربة عقلانية بغية تفهم السياق الذي أتت فيه هذه الجائزة، فنحن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننكر أن جوخة الحارثي تمتلك رؤية عميقة لعالمها، كما أنها تمكنت من أن تحقق مكسبا للثقافة العربية التي تعاني من أنماط الفساد، حيث تتصدر أسماء معينة تساندها مجموعة من النقاد الأصدقاء، أو مؤسسة تعيد الاحتفاء يوما بعد يوم بمنجز سردي متواضع، حيث تتحكم المركزية والمؤسسة بالثقافة، في حين تقبع بعض الأعمال الحقيقية في الظل لكونها لا تمتلك مهارات التواصل، والقدرة على الإفادة من ميكانيكية العلاقات التي في معظم الأحيان تقودنا إلى أن نحتفي بوهم الكتابة، أو بنـــص غير حقيــــقي، وختاما، فإن أي كتابة، أو نشوء نصي خارج عن التنظيم السّلطوي المتصل بنخبة الثقافة الفاسدة يستحق الاحترام والتقدير، كما يستحق الاحتفاء به، بل عدّه منجزاً عربياً، لكونه قد أحدث تموجاً في ماء الثقافة الراكد.

٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية