كان ـ «القدس العربي»: المحيط الأطلنطي ومن راحوا وسط موجه هو الشبح الذي لا يبرحنا في فيلم «الأطلنطي» للمخرجة السنغالية الفرنسية ماتي ديوب، الذي شارك في المسابقة الرسمية في مهرجان كان في دورته الثانية والسبعين، والذي فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم في المهرجان.
«الأطلنطي» قصة حب عن حبيب غيبه الموج، ولكنه في المقام الأول عن النساء اللائي يبقين وينتظرن عودة الأحباب، الذين قرروا الهجرة والتعرض لغدر الموج بحثا عن حياة أفضل. وهو فيلم عن أشباح الموتى الذين قضوا غدرا قبل الأوان، وهو فيلم عن اللوعة والفقد، وعن الظلم المجتمعي والفساد الاقتصادي الذي يدفع بالبعض وهم في ريعان الشباب أن يزجوا بأنفسهم وسط أمواج الأطلنطي وقسوته، بحثا عن حياة أفضل هناك على الجانب الآخر من المحيط في أوروبا.
إنه فيلم عن قضية آنية وعاجلة، عمن تجبرهم قسوة الحياة وظلم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على الهجرة في قوارب متهالكة لا قبل لها بتحمل الأمواج العاتية. «الأطلنطي» هو الفيلم الروائي الطويل الأول لديوب، وعلى الرغم من عيوبه السردية وثغرات حبكته، إلا أنه يأخذنا في أجوائه السيريالية الغامضة، تلك الأجواء التي تعود فيها أرواح من قضوا غدرا لتسكن الأحبة طلبا للحق والقصاص.

ناطحة سحاب ضخمة بالقرب من المحيط، هي رمز للحداثة وللنهوض الاقتصادي للسنغال، والسكن فيها هو ما يطمح إليه هؤلاء الذين يهاجرون ويغادرون الوطن، بحثا عن مستقبل أفضل. ولكن البرج الضخم يبدو متنافرا مع البيئة المحيطة ومع المنازل القريبة. هذا البرج يقف هكذا كرمز على كل الجور والظلم في السنغال، فبينما يأمل مالكه في تحقيق أرباح طائلة، إلا أنه يرفض أن يعطي عمال البناء الذين يشيدونه أجورهم، وتمر الشهور بلا أجر ولا يجد هؤلاء الشباب سبيلا أمامهم سوى الأطلنطي بموجه العاتي. ولكن الفيلم ليس عن رحلة الشباب إلى المجهول وسط الموج، بل عن النساء اللاتي تنفطر قلوبهن للفراق، واللائي تشاء لهن الأقدار أن يثأرن لمن ظُلِموا وغابوا. تختار ديوب بعض الخيارات السردية التي قد لا تقنعنا أحيانا، ولكننا لا نستطيع إلا أن نتعاطف مع بطلته الشابة، التي ينفطر قلبها على حبيبها الذي أخذه الموج.
تعامل الفيلم مع العديد من الشخصيات يبدو فاقدا للمصداقية وتبدو الكثير من الشخصيات، خاصة شخصيات الرجال، مفتقرة للعمق والمغزى.
آدا (ماما ساني) شابة في مستهل العشرين أو أصغر، مخطوبة عنوة لشاب ثري يعمل في إيطاليا ولديه المقومات التي ترضاها أسرتها من مال ومسكن وأثاث فاخر، ولكنها لا تحبه. من تهواه هو سليمان (إبراهيم تراوري)، ذلك الشاب النحيل، الذي يعمل في البناء في هذا البرج الشاهق، والذي لم يحصل على أجره منذ أشهر طويلة.
الظلم واقع على كل من آدا وسليمان. آدا فتاة تؤمن بالحب والحرية في مجتمع محافظ، يفرض الكثير من القيود على النساء، ويجبرهن على زيجات لا يرضينها. إنها شابة تريد أن تمرح وتسهر مع أترابها، ولكنها لا تستطيع ذلك علنا خوفا من أسرتها، بل خلسة مع بعض الصديقات. هي فتاة لا تستطيع اختيار من تحب ولا تستطيع الحصول على قسط من الحرية. لا يجد سليمان مخرجا من ظروفه الاقتصادية الجائرة سوى الأطلنطي وموجه، ولا تجد آدا مفرا من ضغط أسرتها سوى الزواج من عمر الذي لا ترغبه. ولكن ليلة العرس تشهد حدثا غرائبيا خارقا للطبيعة، سيكون هو الأول في سلسلة من الأحداث التي يغلب عليها طابع الغموض والسحر، هي أحداث لا تقنعنا تماما وتسعى لإيجاد حل سريع غير مقنع للظلم الاقتصادي والجور والعوز والفقر ولظلم المجتمع المحافظ للمرأة. يقف هذا التدخل السحري حائلا بينا وبين الشخصيات ويحد من قدرتنا على الاستجابة مع الأحداث.
تجد آدا نفسها، كمن مسها الجن أو السحر، مدفوعة دفعا نحو المحيط، هي وجميع الفتيات اللاتي فقدن أحبابهن وسط موجه. يجدن أنفسهن هائمات على وجوههن مدفوعات بقوى لا يعرفنها لرد الحقوق المسلوبة. هذا اللجوء إلى الغيبيات والسحر، كما نراه يحد كثيرا من قدرة الفيلم على الإقناع ويحاول إيجاد حل سريع غير مقنع لأزمة اقتصادية حقيقية ولمظالم حقيقية تدفع أصحابها للموت هجرة وغرقا.
تعامل الفيلم مع العديد من الشخصيات يبدو فاقدا للمصداقية وتبدو الكثير من الشخصيات، خاصة شخصيات الرجال، مفتقرة للعمق والمغزى. لا يقدم الفيلم، على سبيل المثال، سببا لإصرار عمر على الاقتران من آدا وهو يعلم أنها تحب غيره. هو لا يبدو لنا متحفظا أكثر مما ينبغي أو متشددا دينيا أكثر مما ينبغي، بحيث يصر على الزواج ممن تحب غيره. يبدو لنا كما لو كان الأمر مقحما على القصة لزيادة التعاطف مع النساء المقهورات المجبرات على زيجات لا يرغبنها. ويبدو لنا أيضا تعامل ديوب مع شخصية عيسى، ضابط الشرطة الذي يكلف بالتحقيق في حادث احتراق منزل الزوجية لآدا، مفتعلا واهيا.
تسعى ديوب لجمع الكثير من الخيوط والقضايا في الفيلم، بين قصة الحب التي يتصدى لها المجتمع بأعرافه والعوز الاقتصادي، والظلم والفساد اللذين يدفعان الشباب في السنغال للهجرة، وبين القيود المفروضة على النساء في مجتمع محافظ، وبين قدرة النساء على الرد والتحدي. خيوط كثرة تفلت أحيانا من يد ديوب وتشعرنا بثغرات سردية كبيرة.