على أنغام «بيلا تشاو» وبكل أريحية وتلقائية قام شباب من مدينة أغادير المغربية بتصوير عمل، أرادوا أن يكون فنيا، والذي تمثل في مشاهد استحمام على الطريقة التقليدية بالسطل والليفة، لكن كان ينقصه فقط «الصابون البلدي»، كما ورد في ما كتب حول الموضوع، الذي أثار استياء المغاربة بعدما قام أحد ركاب الباص بتصوير الحدث ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي، مما أنزل وابلا من الشتائم على الشباب وأهلهم… لكن توضيح الشباب لقناة «كاب 24 « بين أن العمل كان فنيا يصور سلوكات «عروبي» وهو رجل من البادية في المدينة، وتمّ التصوير بعد أن أخذوا الإذن من صاحب الحافلة، وأن معظم الركاب تفاعلوا مع الأمر إيجابيا، إلا من صور ونشر الفيديو.
وقدم الشباب الاعتذار لجميع المغاربة وقال إنه أسيء فهمه، وقام البعض بتركيب غير في محتوى العرض الأصلي وحرفه عن هدفه!
في رمضان يكثر الخروج عن المألوف وكل سلوك يخالف سلوك الصائمين، يعد انتهاكا لحرمة الصيام والصائمين. لكن ماذا عن الشتم والعراك ومختلف المظاهر السلبية، التي تزيد من حدتها في شهر رمضان، وغلاء الأسعار التي تزيد من انهاك الناس وعنف يؤدي إلى القتل لأتفه الأسباب؟ أليس أولى بنا أن نؤسس لبيئة اجتماعية واقتصادية تتوافق والشهر الفضيل، عوض أن يصبح رمضان شماعة لكل ما تقترفه أيدينا وألسننا؟
برامج الطبخ وتغيير الأدوار الاجتماعية
في رمضان والعيد كثر الكلام على الطبخ وعادت الأطباق التقليدية الرمضانية الى الموائد وعلى الفضائيات، وتدخل الرجال أكثر من غيرهم في ما يطبخ وما يزين السفرة، بل حتى المشاركة في إعداد الطعام من باب المساعدة للتلذذ «الأكل بالعين».
بدأت برامج الطهاة الرجال تتكاثر ولا سيما تلك التي تحدث تبادلا للأدوار بين الزوجين، فالرجل في المطبخ «راجلي في الكوزينة»، برنامج على قناة «دوزيم» المغربية، وبرنامج «راجلي شاف» على القناة الثالثة الجزائرية، يتشابهان في الفكرة وهي احضار الزوجين (راجلي شاف تكتفي بزوجين متنافسين) أو الأزواج (دوزيم عدة أزواج)، تبلغ الزوجات بالأطباق التي سوف تحضر ومن غرفة محايدة تعطي النساء أوامر التحضير من وصفات وتقنيات والتحكم في الوقت بواسطة ميكروفون. فقط الاختلاف أن البرنامج الجزائري تقدمه امرأة (باية) والبرنامج المغربي يقدمه رجل (الشاف منير). في نصف ساعة على الأزواج أن ينتهوا من اعداد الأطباق المتنافسة. تغمض أعين الزوجات وتتذوق الأطباق في غياب معرفتها بطبق زوجها وتعطي ملاحظاتها وتضع علامتها على الطبق.
برامج تبين درجة تغير ثقافة الرجل المغاربي تجاه الطبخ والمطبخ باعتبارهما فضاءات نسائية بامتياز، والى وقت قريب بل ما زال لحد الساعة عيب أن يلج الرجل المطبخ ويقوم بمهمة الطبخ لعائلته أو حتى لنفسه.
وما زال هناك من يشمئز لرؤية قبعات الشيفات الرجال في المطابخ وكأنه تعد على الذكورة والتقليل من شأن الفحولة. بالرغم من المهن التي أريد لها أن تكون نسائية بامتياز أبدى بها الرجال مهارة وجدارة تفوق التوقعات.
«راجلي شاف» أو «راجلي في الكوزينة» ليس للقيام بمهنة أبدية والمتمثلة في تحضير الطعام للعائلة وترتيبه لضيوف آخر لحظة، وليس لتدبير وجبات يومية متكررة تثقل كاهل النساء. وليس من أجل «فك ورطة» غياب مستلزمات الوجبات وحلها بإبداع فكرة طبق يرضي أذواق الصغار قبل الكبار.
«راجلي شيف» في مسابقة ممولة وفيها مكافأة، وكأنها مساعدة للزوجة وللبيت تحت أنظار المرأة وبتوجيهاتها. وفي نهاية المطاف يتدخل الرجل بالطبخ، وقت ما يشاء ووقت ما يحلو له. وهي ليست مهنة اجبارية وواجبا الزاميا. المرأة وإن تنصلت من بعض «منغصات» الطبخ والذهاب للمطاعم فلضغوط العمل وتربية وتعليم الأبناء، أو لتغير ذوق الأطفال وتفضيلهم الوجبات السريعة على طبخ الأمهات. وعلى ما يبدو أجدع شافات يفضلون أكل زوجاتهم، ويعتبرون الطهي وظيفة وأن زينوه بعبارات الفن واتقنوا فن تدليك البطون والرغبات والشهوات.
فلطالما استعملت النساء الأكل للعبور إلى قلب الرجل، لحاجة الأكل الضرورية، والتي تزيد من ابتهاج الرجل وتقوي رغباته الأخرى. لكن قد يكون طبخ الرجال للنساء، حسب الأهواء والظروف، موقفا بطوليا لتخفيف معاناة يومية فقط.
يمكن للمرأة أن تشاهد عشرات الأطباق في اليوم بين مقبلات ورئيسيات وحلو، لكن لا يمكنها انجاز طبق واحد.
يحدث للكثيرات وهن ملتصقات بقناة «سميرة»، التي تجلب طهاة من مختلف مناطق الجزائر، بل تعدتها لتقديم وصفات مغاربية وعربية. ربما لكثرة الوصفات وربما لديكورات المطابخ الفاخرة، وربما لكونها قناة مخصصة للطبخ 24 ساعة لا تترك للنساء فرصة لتجريب الوصفات كأنها مسلسل يدمن عليه المشاهد، فلا يريد مغادرته لحظة. وفي النهاية تقوم المرأة بإعداد وجبة روتينية مملة.
حلوى الكابريس «تريندينغ» وصفات «أم وليد»
في آخر خرجة لأم وليد حلوى الكابريس. والكابريس حلوى نزوية كانت تلازمنا ونحن صغار، كلما بكينا أو ضحكنا يخرج لنا الآباء حبات أو كمشة من الكابريس. وها هي نزوات الصغار تصل للكبار من خلال مطبخ أم وليد. الكابريس ومع تنوع الحلويات واختلاف أشكالها ومذاقها والمستورد منها لم تعد مطلوبة إلا نادرا، لمن يريد استرجاع ذكريات طفولته والحنين لذلك الماضي، ها هي تنفد من الأسواق والسبب وصفة أم وليد. نحتاج لحلوى الكابريس ستين حبة. الرجال ملزمون باحضار ستين حبة كابريس لإرضاء كابريس الزوجات. ويحقق مصنع عين البنيان أعلى مبيعات في هذه الفترة.
للعلم فإن المصنع من أقدم المصانع في الجزائر المستقلة، حيث بدأ الانتاج به في 1965. وفرصة مثل هذه لن تترك تذهب أدراج الرياح لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي. فهناك من علق بأن «أم وليد» قامت بالدعاية للشركة، والتي منحتها عمرة. مهما يكن الخبر، صحيحا أو اشاعة فهذا مشروع لأن لا أحد يقدم خدمة دون مقابل، وكل الشافات يروجن لمنتوجات أسوأ من الكابريس أحيانا.
«أم وليد»، سيدة بدأت بوجبات عن طريق قناتها على «اليوتوب» إلى أن أصبحت تظهر على قناة «سميرة»، لكن دائما لا يظهر سوى كفيها ولا يعرف المشاهد وجهها. فقط أصابعها، دون اكسسوارات ولا تعديلات مانيكير ولا شيء سوى أصابع ماهرة في صنع ألذ الأطباق وأسهلها على الجيب. كأنها موجهة لغالبية الشرائح ذات الدخل المحدود، لذلك لاقت رواجا منقطع النظير وأصبح متابعوها بالملايين. وأصبحت وجباتها منقذة من «الأوحال» فعلا. لذلك تترقب النساء جديد أم وليد كل يوم ومناسبة.
كاتبة من الجزائر